موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب عيسى روح الله-2
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب عيسى روح الله-2  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 13 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
ولادة عيسى (ع):
إن الله تعالى إذا أراد شيئاً هيأ له أسبابه، وأجراه وفق سننه رغم كل المتغيرات الاجتماعية التي تخالف حكمه ؛ ليضع البشرية على جادة الصواب . وحمل امرأة عمران بمريم وولادتها، وإدخالها بيته المقدس ؛ لأجل إحداث ذلك جميعاً .
فبعد أن بلغت مريم سناً يهيئها لحمل رسالتها بتحقيق إرادة الله التي خلقها لأجلها ... احتجبت عن الداخلين عليها في مكان تخلو فيه مع ربها تعبده وتذكره . وفي هذا الجو الذي لا تتوقع أن ترى فيه أحداً، ولا يمكن أن يدخل عليها أحد، وبينما هي في خلوتها العبادية بعيدة عن أعين الآخرين، وإذا بها ترى شاباً جميل المنظر بين يديها فأخذتها الدهشة والرعدة، واستعاذت بالله تبارك وتعالى قائلة : ((إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً)) (مريم:18) .
هكذا رسم القرآن الكريم هذا اللوحة الرائعة لقصة حمل مريم وولادتها والآيات التي تعرضت لها في حملها وولادتها ومواجهتها لقومها الذين عرفوا منها العفاف وطهارة النسب العريق ذات الأصالة النبوية كيف يرونها حاملاً وكيف ولدت وبأي حجة تثبت لهم صدقها وطهارتها وعفتها وبراءتها من البغاء ؟! إنه لأمر عسير لا يمكن أن يحصل إلا بمعجزة من الله تعالى . يقول تعالى :
((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً * فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً * فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً * ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ)) (مريم:16-34)
هكذا مرت إرادة الله تعالى في حياة مريم (ع) لتغيير الواقع الفاسد إلى واقع سليم . امرأة طاهرة معصومة محتجبة في محرابها، معتكفة لربها، فيفاجئها داخل عليها ((فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً)) من جنسها لا تعرفه، فأخذها الذعر من هول المفاجئة فاستعاذت بالله قائلة :((قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً)) وهدأ من روعها وخفف من دهشهتها بقوله : ((إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً))
يا لله ويا لعظم الصدمة المروعة، بنت طاهرة محتجبة في محرابها لم يمسسها بشر كيف يوهب لها غلام إنه لأمرٌ خارج عن كل المقاييس البشرية والإنسانية وحينئذ أتم الملاك حديثه معها فأرجع الأمر إلى قدرة البارئ الحكيم الذي لا يستحيل عليه شيء مهما كان خارجا عن المألوف، فقال لها : ((كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)) ولا اعتراض لها في ذلك لإيمانها بقدرة الله تعالى، وهذا الأمر هين سهل في إرادة الله تعالى؛ لأن الله تعالى إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون . وهنا أراد الله أن يعيد البشرية التي سرحت في وديان الغي والضلال، وحرفت كتاب الله، وشوهت دينه حتى صار تجارة بأيدي الأحبار والرهبان يستثمرونه لنزواتهم، ويسخرونه لمصالحهم، ويبعدوا الناس عن شريعة الله تعالى باسم دينه ؛ ولهذا لابد أن تظهر لديهم آية تقلب كل الواقع وتغير كل الموازين، وتكشف كل الأحابيل القائمة على المكر والخداع والمخالفة لدين الله وشرعته ((وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً)) .
لقد قضى الله تعالى بحكم لابد أن ينفذ بواسطة مريم التي ستمر بذلك الامتحان العسير - التي خلقت لأجله - وجرت إرادة الله تعالى فيها، ((وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ)) (الأنبياء:91)
((وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ)) (التحريم:12)
ولا نريد أن ندخل فيما دخل فيه الكثيرون لبيان كيف نفخ ومن أين نفخ، فهذا مما لا كثير فائدة فيه، ولا يمكن لأحد أن يعرفه فهو من أمور الله تعالى . ((وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً)) (الإسراء:85) فهو أمر إلهي جرى على مريم التي صدقت بكلمات ربها، وكانت من القانتين فجعلها الله وابنها آية من آياته، وعلينا أن نؤمن بذلك ما دام نازلاً من رب العزة والجلالة.
وعلى كل حال جرى أمر الله تعال فحملت مريم بعيسى (ع) من غير أن يمسها بشر فاعتزلت وانفردت بعيدة من أهلها، (ودفنت السر الرهيب في قلبها، وعاشت الشهور التوالي مكظومة ملتاعة من غدها ؛ لان ألسن الناس لا ترحم حتى الأبرار الأطهار؛ ولكي تتخفى عن عيون جميع الناس اختارت أن تنتقل من اعتكافها في بيت المقدس إلى اعتكاف جديد اختارته في مسقط رأسها في الناصرة، وصممت أن تضع حملها)(1) في ذلك المكان الذي يجعلها بعيدة عن عيون الرقباء والمتطلعين، ويسكت القران الكريم عن فترة الحمل، وماذا جرى لها ؟ وماذا واجهت من تساؤلات؟
ورغم ذلك تذكر بعض الروايات أنها تعرضت لتساؤلات البعض، وأجابت جواب الواثق بالله والمستسلم لأمره دون خوف ودون تردد فقد روي في رواية ضعيفة السند (أنها لما ظهرت عليها مخايل الحمل كان أول من فطن لذلك رجل من عباد بني إسرائيل يقال له يوسف بن يعقوب النجار ، وكان ابن خالها فجعل يتعجب من ذلك عجبا شديدا ؛ وذلك لما يعلم من ديانتها، ونزاهتها، وعبادتها، وهو مع ذلك يراها حبلى وليس لها زوج فعرض لها ذات يوم في الكلام، فقال : يا مريم هل يكون زرع من غير بذر ؟ قالت : نعم فمن خلق الزرع الأول ؟ ثم قال : فهل يكون شجر من غير ماء ولا مطر ؟ قالت : نعم . فمن خلق الشجر الأول ؟ ثم قال : فهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم إن الله خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، قال لها : فأخبريني خبرك، فقالت إن الله بشرني ((بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِين))
ويروى مثل هذا عن زكريا (ع) أنه سألها فأجابته بمثل هذا(2) والله أعلم .
وذكر السدي بإسناده عن الصحابة أن مريم دخلت يوما على أختها، فقالت لها أختها : أشعرت أني حبلى، فقالت مريم : وشعرت أيضا أني حبلى ؟ فاعتنقتها، وقالت لها أم يحيى : إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك وذلك قوله : (مصدقا بكلمة من الله) ومعنى السجود هاهنا الخضوع والتعظيم كالسجود عند المواجهة للسلام كما كان في شرع من قبلنا وكما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم)(3)
وانقضت مدة الحمل على اختلاف الروايات فيها، والتي تقول بعضها: أنها مدة حمل طبيعية كبقية النساء، ومنها تحددها بساعة واحدة، وأخرى بثمانية أشهر لا نرى في ذكرها كثير فائدة ما دام القرآن قد سكت عنها.
وجاءها المخاض، ومن سياق الآيات نفهم أنها كانت وحيدة فريدة ليس من أحد إلى قربها ؛ ليعينها على أمر ولادتها، وهي ولادة بكر أولية فريدة لا نظيرة لها في تاريخ البشرية ؛ ولهول المحنة وشدتها، قالت ((يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّا)) لوحدتها وغربتها في عالم ارتكس إلى أذنيه بالمادة، وأبتعد عن الله بعد السماء عن الأرض ؛ ولعلمها ما ستواجهه من اتهامات، وافتراءات، وتشهيرات تسقط قيمتها وتلو ث سمعتها، وتطعن في أصالتها التي عرفت بالقداسة، والطهارة، والعفاف وتجعلها عرضة لاستهزاء الكافرين، وخيبة أمل الصالحين، وهي من بيت أرتبط بخط النبوة والرسالة، وبالتالي سيُطعن دين الله من قبل أعداءه، وهذا أشد على المؤمن من وقع الصواعق المحرقة، وبينما هي تعيش هول المحنة التي ستواجهها والتي يمكن أن يقال أنها أنستها آلام المخاض - ولا عجب من ذلك فإن المجتمع البشري ظالم قاسي في مواقفه لا سيما فيم لا يعرف أسراره، ويجهل مكنوناته- وهي في هذا الحال، وإذا بها تسمع صوتا ينبعث من تحتها ؛ ليزيل حزنها، ويعيد لها معنوياتها فيبعثها إلى ميدان المواجهة بكل ثقة، وقوة، واطمئنان متحدية لكل الواقع الذي ستواجهه قائلاً : ((أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا)) وعادت إلى صفائها واطمأنت إلى قدرة ربها...ولما كانت في حال بعد مخاض عسير لابد لها من غذاء يُقَومُ صلبها، وهي في تلك البيداء المقفرة، وليس لها من غذاء ولا شراب، وإذا بالنداء يستمر ؛ ليعالج الجانب المادي منها ((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً)) وتتحرك على ضعفها وتهز جذع النخلة اليابس الذي فقد كل مقومات الحياة، وإذا بالحياة تدب فيه من جديد وتخضر، وتساقط عليها رطباً جنياً(4)، وتنبع من تحتها عينا من الماء ؛ لتروي عطشها ((فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً))
وهكذا تسلحت العذراء مريم بقوة لا تقهر ؛ لتواجه التحديات الصعبة في الواقع الفاسد، فلقنها رب العزة على لسان مولودها كيف تواجه القوم الذين سيواجهونها باللوم، والاتهام، والتوبيخ، والتقريع ((فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً)) وتحركت ؛ لتعود إلى قومها وهي تحتضن طفلها، وما إن تصل إليهم حتى أثارت دهشتهم.
وانطلقت كلمات اللوم والتقريع والاتهام من كل حدب وصوب ((يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ)) أنت ابنة ذلك العبد الصالح المطيع لله، والذي قضى حياته داعياً إلى الله إنه رجل الخير والفضيلة فكيف جئتِ بهذا ((وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً)) بل كانت معروفة بالطهر والورع والتقوى فكيف جئتِ بشيء منكر ؟!!! لا يمكن أن نقبل هذا منك ...
وهي صامتة لا تجيب القوم، ولم ترد عليهم ببنت شفة، وإنما أشارت إلى رضيعها، وفُهِم من الإشارة أنها تدعوهم إلى استنطاقه، وأثار ذلك استغرابهم واستنكارهم، فقالوا ((كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً ؟)) وهم لا يتوقعون أن يفاجئوا بذلك، فهو أمر خارج عن المألوف ولم يعرف له مثيل في غابر الزمن فكانت المفاجأة عظيمة مذهلة فبينما هم في حوار وتساؤل، وهي تشير إلى رضيعها، وإذا به ينطق فيقول : ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً))
(ولم نسمع في غابر الزمن أن بشراً مهما حباه الله من المزايا والصفات قد أمكنه النطق وهو ما يزال في المهد صبياً كعيسى (ع)، ولم تشهد الإنسانية كلها أن طفلاً يولد فيحدد كيفية وجوده، ومضمون حياته إلا عيسى بن مريم (ع)، والله وحده قادرٌ أن يجعله على ذلك الكمال تماماً كما أنه كان قادراً على خلقه من غير أب، لقد كان في نطق المولود حدث بهر عقول الناس قبل أن يدهش أسماعهم فكفت الألسن عن لوم أمه، والتقت الآراء على أنه سيكون له شأنٌ خطير في مستقبل الأيام)(5).
وهكذا انتصرت إرادة الله في خلق عيسى بن مريم (ع)، وأبطلت كل الافتراءات والشكوك، وجسدت قدرة الخالق العظيم، وأبطلت كل الأوهام والخرافات، وأعادت الناس إلى رشدهم في ا لتفكير بعظمة الله تبارك وتعالى (لتقول لهؤلاء الذين استغربوا ذلك إن ارتباط تفكيركم بطريقة خلقكم من خلال عملية التناسل الطبيعية أبعدكم كمؤمنين بالله عن خلق آدم الذي ترجعون إليه في النسب فإنه انطلق بقدرة الله بشكل مباشر، فكيف تم خلقه ؟ وكيف أمكن أن يتحقق بغير الطرق الطبيعية ؟ هل هناك شيء غير قدرة الخالق سبحانه)(6)
((إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) (آل عمران:59)

الهوامش:
(1) سميح عاطف الزين : التفسير الموضوعي للقران الكريم 2/640 .
(2) ذكرت مريم ذلك تأكيدا منها أنه لم يمسسها بشر .... ولم تستبعد قدرة الله إنما تساءلت كيف يكون هذا الولد ؟ هل من قبل الزوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء .
(3) ابن كثير البداية والنهاية :2/780.
(4) والمروي : أنه كانت النخلة يبست منذ دهر طويل، فهزتها فأورقت وأثمرت وأسقطت عليها الرطب الطري . الشيخ علي النمازي : مستدرك سفينة البحار : 10/16 .
(5) سميح عاطف الزين : التفسير الموضوعي للقرآن الكريم : 2/644 .
(6) السيد محمد حسين فضل الله : من وحي القرآن : 6/58 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com