موقع الصراط ... الموضوع : مع الدعاة المسلمين
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  مع الدعاة المسلمين  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 13 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ عبد الهادي الفضلي
مع الدعاة المسلمين أمام مشكلتين:
1- مشكلة الواقع الذي يواجهه الداعية:
وهي: إن الكثيرين من الناس والكثيرين من العلماء سياسيين واقتصاديين وغيرهم، يعتقدون بأن الصراع الفكري الحاضر قائم بين مبدأ ونظامين فحسب، بين المبدأ الشيوعي والنظامين الرأسمالي والاشتراكي غير الشيوعي.
والحقيقة.. إن الصراع قائم بينه وبين مبدأ الإسلام، وبين نظامي الرأسمالية والاشتراكية غير الشيوعية.
وأخال إن الذين أقصوا الإسلام عن ميادين الصراع يجهلون أن الإسلام مبدأ: (عقيدة ونظام) وليس هو (ديناً) فقط، حسبما يفهمون من الدين، ويوحي به تعريفهم له بأنه: (علاقة بين الإنسان وربه)، ويعنون أنه: (عقيدة وتعبد)، ويضربون مثلاً بالدين المسيحي أو (دين الكنيسة) ثم يعممون الحكم بالآخرة لكل دين.
وهذا هو الذي تبنته السياسة الرأسمالية المستغلة لمفهوم الدين لتضع مخدرها القاتل: (الدين لله والوطن للجميع) وعليه سارت الاشتراكيات المتطرفة.
أما الشيوعية.. (أما الشيوعية فهي تلغي الحقائق الأبدية وتلغي الدين والأخلاق عوضاً عن تحديد شكلهما)؛ لأن الدين في رأيها: (أوهام بورجوازية تستتر خلفها مصالح برجوازية) لتخدير الشعوب كما جاء في (البيان الشيوعي)، وكما صرح به واضح ايديولوجيتها (كارل ماركس) بقولته المعروفة: (إن الدين أفيون الشعب)(1).
ولماذا تقول الشيوعية عن الدين هذه القولة النابية؟!
إنها تريد أن تضع مخدرها المميت لحرية الفكر في الإنسان، وهو: (إن الدين أفيون الشعب).. وتحاول بهذا أن تركز القاعدة لسياسة النفع: (الغاية تبرر الواسطة) لئلا تفشل كالرأسمالية في محاربتها الدين.
ولكن.. ولكن فاتها إنها هي الأخرى جاءت لتحصد الأوهام، كأنها لم تعلم أن في الأديان (دين الإسلام) المبدأ الشامخ الصامد الذي تتحطم على صخرته القوية الصلدة المتماسكة كل قوة أو فكرة لا تعترف بقيمة الإنسان وبكرامته.
وبهذا التفسير الايديولوجي لمفهوم الدين جعلوا من الإسلام في نظر المسلمين البسطاء الفارغين من ثقافة القرآن (مخدراً).. و(علاقة فردية خالصة بين المسلم وربه) فجردوا منه النظم الأخرى فردية وجماعية، اقتصادية كانت أو سياسية أو غيرهما؛ ليبعدوه بهذا عن صعيد المبادئ وليقصوه عن مجال الأنظمة؛ ليكون لهم ما يريدون من استعمار واستغلال.
وما أشد التأكيد وأكثره من المستعمرين ومن دعاة المبادئ الوافدة على مسألة: (فصل الدين عن الدولة) ليتم لهم توسيع رقاع استعمارهم وترويج ما يدعون إليه من المبادئ التي هي بدورها استعمار فكري ثانٍ، أفظع جوراً وأبلغ ظلماً من الاستعمار لأطراف الحياة الأخر.

2- مشكلة الدعاة أنفسهم.. وتتلخص فيما يأتي:
أ- إن الكثرة منهم يدعون إلى الإسلام وهم بعد لما يفهموا الإسلام فهماً واعياً شاملاً لجميع جوانبه وأطرافه.
ب- إن الكثرة منهم أيضاً ممن لم يفهموا الإسلام فهماً واعياً أنزلوه إلى حضيض الواقع السيء، بزعم أنه متطور، وإن التطور هو مسايرة الأوضاع كيف ما تكون.
ج- إن الكثرة منهم أيضاً ممن فهموا الإسلام ووعوه اتخذوه طريقة النقد، والهدم للمبادئ والنظم الأخرى أسلوباً لدعوته، وكان هذا-في الواقع- هو سبب فشلهم..
ومن المعلوم أن الأسلوب الناجح هو البناء قبل الهدم..
ابنوا الإسلام ينهدم غيره..
وأريد ببناء الإسلام-هنا-إبراز معالمه الواقعية التي طمستها عصور الانحطاط وتضليلات المضللين.

فمهمة الداعية إلى الإسلام-إذن-تتلخص فيما يلي:
1- أن يفهم الإسلام عقيدة ونظاماً فهماً واعياً شاملاً.
2- أن يعي الجوانب المهمة من المبادئ والنظم الأخرى التي تفترق بها عن الإسلام، ويقارن بينهما وبين الجانب الإسلامي مقارنة موضوعية تستند على ركائز وأسس قويمة، ليستخلص من المقارنة امتياز الإسلام عليها في مدى صلاحيته لتوجيه وتنظيم الحياة مدعماً بالأدلة والشواهد.
3- أن يؤكد بعد دراسته الإسلام وتفهمه إياه تفهم وعي على أنه مستمد من الحياة ومستمر معها إلى الأبد-كما هو الواقع-.
4- أن يعطي نتائجه عن الإسلام للبشرية المعذبة لينقذها من ويل المأساة المدمرة إعطاءً منظماً تنظيماً فنياً وفق مخطط مرسوم ينتهج أساليب عملية مستمدة من واقع الحياة، تتصف بالاستقامة والاستواء لتوصل إلى الغاية في أقرب فرصة وأوجز مدة.
5- أن ينذر نفسه للإسلام، بأن ينكر ذاته من أجله ضمن إطار التعليم الإسلام في مهمات (التبليغ) و(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و(الجهاد) وأمثالها.
وصفة نكران الذات في سبيل المبدأ هي-في الواقع- وضع طبيعي لحملة المبادئ لأن نكران الذات من حب الذات-كما تقول الفلسفة القديمة- أو لأنه نتيجة الولاء للمبدأ-كما يقول العلم الحديث-.
ذلك أن الشخص حين يتغذى بالعقيدة وتتغلغل إلى أعماقه تمتزج ونفسه امتزاجاً يصيّر العقيدة جزءاً من ذاته، وتتحد معها اتحاداً- أو وحدة- يجعله يراها هي ذاته حقيقة.. فهو حين ينكر ذاته في سبيل الدعوة إلى مبدئه، أو حينما يضحى بنفسه من أجل عقيدته، يكون قد أنكر وضحى من أجل ذاته وبنفسه.

الهوامش:
(1) قال (هنري لوفافر) في كتابه (كارل ماركس) ترجمة (محمد عيتاني) ونشر دار بيروت ودار صادر ط 1959 ص 16: (كتب ماركس في أحد مؤلفاته الأولى: (المساهمة في نقد فلسفة الحقوق عند هيجل): إن الدين أفيون الشعب).

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الأول، حزيران/1960م.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com