موقع الصراط ... الموضوع : من هدى القرآن-2
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من هدى القرآن-2  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 23 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  بقلم السيد محمد جمال الهاشمي
(الرحمن الرحيم) وهما لفظتان مشتركتان في معنى الرحمة، إلا أن دائرة الرحمن أوسع من دائرة الرحيم؛ لأن الرحمن هو الذي يبلغ الغاية في رحمته، فكل رحمة نتصورها فهي دونه، والرحمن من صيغ المبالغة كغضبان ونشوان، أما الرحيم فهو من الصفات المشبهة كلطيف وشريف.
ولاحظ بعض الباحثين على الآية الكريمة تقديم كلمة (الرحمن) على (الرحيم) مع أن الأسلوب البلاغي يقتضي العكس، باعتبار أن النعوت تترقى من الأدنى إلى الأعلى، وسمو الرحمة بموجب النص الفني في لفظة الرحمن؛ لأنها تحتوي على المبالغة في الرحمة، أما الرحيم فهي صفة للمنعوت، تعرفه ممن يريد التعرف به بما يتميز به عن غيره، من دون أن يكون فيها مبالغة في التعريف أو سمو في التوصيف، إن هذا النقد قد تعرض له غير واحد من المفسرين، وقد أجاب عنه علماؤنا الأعلام الذين يستمدون معارفهم من مصادر الوحي وموارد الوعي، فقالوا بأن مظهر فعالية الرحمن في هذه الدنيا، فالله سبحانه وتعالى يشمل كلما في هذا العالم برحمته الواسعة، من دون أن يفرق فيها بين المؤمن والكافر، والمطيع والعاصي، فالكل بنعمته ورحمته مغمورون، أما مظهر فعالية الرحيم فهو العالم الثاني-الآخرة-فإن رحمته في الآخرة تختص بمن يستحقها من المؤمنين العاملين؛ لأن ذلك العالم عالم الأجر والجزاء، والأجرة لا يستحقها إلا العامل، والثواب لا يناله إلا المؤمن الصالح، أما من فوت على نفسه فرصة الحياة فقضى دوره الأول من دون أن يتجهز لدوره الثاني قضى عمره في أشياء انقضى أثرها مع عمره، بينما كان بإمكانه أن يتزود لدوره الثاني ما يضمن سعادته الأبدية، إن مثل هذا الشخص لا يتذوق النعيم، ولا تتجاوز قدماه أبواب الجحيم.
فإن اعترضت علينا فقلت: إن الجنة لو كانت أجرة عمل المطيع، وثمن ما قام به من الخدمات فأي فضل لله على الإنسان يتصف به بالرحمة، إنه لم يعطه في الآخرة إلا أجرة عمله في الدنيا، ولا فضل للمستأجر فيما يعطيه للأجير، قلنا لك: إن ما نتصوره من عمل الإنسان لم يتحقق إلا بوسيلة الطاقات المستودعة فيه، والتي مرجعها إلى الله؛ لأنها من عوارض الوجود، والوجود فيض منه، فالحول الذي قام به العمل، والقوة التي حققت بها الصالحات، لم تكن إلا لله-بحول الله وقوته أقوم وأقعد-فالعمل وإن كان منسوباً إليك لأنك حققته بإرادتك، إلا أن الطاقة التي حققت العمل لم تكن إلا لله، فالعمل في الحقيقة للطاقة، وإن كان منسوباً إليك لأنك أردت أن يكون فكان، فإذا كان العمل منتوج الطاقة، فإن الذي يستحق الأجر هو صاحب الطاقة لا أنت، فإذا تفضل بالأجر عليك كان ذلك منتهى اللطف، والفضل والرحمة؛ ولذلك كان الله رحيماً في الآخرة كما كان رحماناً في الدنيا.
وبهذا التدريج الذي وزعنا به رحمته في الدنيا والآخرة، ينسجم أسلوب القرآن فهو يساير الإنسان في نشأتيه، فتلازم رحمته الإنسان في دوره الأول حتى إذا استراح منه، وانبثق في طوره الثاني رأيته يلازمه برحمته التي هي من نوع آخر، كما قررناه لك.
إن الدنيا مبدأ سير الإنسان للكمال، كما أن الآخرة غاية ذلك السير التكاملي، ومبدأ كل شيء يتقدم غايته، فكان تقدم الدنيا على الآخرة أمراً طبيعياً لا شذوذ فيه.
والرحمن من صفاته الخاصة، جلت صفاته، بل كاد أن يكون لقباً يختص بذات الباري، فلا يصح أن يوصف به غيره، وتتضح لك فلسفة هذا التخصيص إذا راجعت ما عرضناه عليك من أن الرحمة العامة التامة الشاملة لكل الموجودات في كل الكائنات والتي لا تعبر عنها إلا كلمة (الرحمن) ينحصر وجودها بذاته المقدسة، ولا شك بأن الصفة الملازمة للذات المنحصرة بها تكون ألصق بالذات من الصفة المشتركة بينها وبين غيرها، فكان تقدم الرحمن على الرحيم مما تفرضه البلاغة، ويرعاه المنطق.
ولكلمة الرحمن فضيلة لم تحزها سائر أسمائه الحسنى، وذلك حسبما تقرره الأحاديث، ويسجله علماء المعرفة.
وربما نتمكن أن نستفيد من اختصاص الرحمة باسم الذات ومقارنتها له: أن الرحمة لها ميزة مقدسة بين صفات الله جلت عظمته، فقد استهل القرآن بلاغه الخالد بعد اسم الذات بهذه الصفة المقدسة، ولو كانت في صفاته تعالى صفة أقرب إلى الذات في السمو والجلالة لكان المناسب أن يقرنه باسم الجلالة دون صفة الرحمة، فاختصاص صفة الرحمة بهذه المنزلة تشعرنا بأنها أقرب الصفات إلى الذات، إن رحمته وسعت كل شيء، وسعت حتى غضبه كما تنص به الأدعية الواردة عن أئمة الهدى (عليهم السلام).
(الحمد لله) والحمد هو الثناء الذي يقابل الجميل، فلا حمد لمن لا جميل له، فهو أخص من المدح الذي هو الثناء لمستحق الثناء؛ لحيازته على الصفات الحسنة، والمكارم الحميدة، وإن لم يصبك شيء منها، فإنما نمدح سلمان الفارسي لإيمانه، ونمدح مالك الأشتر لشجاعته، ونمدح عبد الله بن جعفر لجوده، ونمدح الشيخ المفيد لعلمه، ونمدح السيد الرضي لأدبه، ونمدح هؤلاء لأنهم حازوا على تلك الصفات الجمالية، وإن لم يصبك من مفاخرهم شيء أبداً، أما الحمد فإنه لا يكون لهم، لأنه اختص بمن أصابك بره، وفاض عليك خبره شخصياً، فهو جزاء المعروف، وثمن الفضل، وثالوث هذين الكلمتين كلمة الشكر التي تساير الحمد في آفاقه، فلا تتقدم إلا للمنعم المتفضل، وإن افترقت عن الحمد في منطقة البيان، فإن الحمد لا يكون إلا باللسان فقط، أما الشكر؛ فإن منطقة أدائه لا تنحصر باللسان بل تشمل الجنان والأركان أيضاً، فالقلب يشكر المحسن بخلجاته العاطفية، والأعضاء تشكره بتنفيذ أوامره، كما كان اللسان يقدم شكره ببيانه، وربما كان الشاعر العربي أراد أن يقدم شكره الكامل بمناطق الشكر الثلاث في قوله:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة***يدي، ولساني، والضمير المحجبا
فالشكر أوسع منطقة من الحمد بالأداء، وإن كان الحمد أوسع منطقة من الموضوع، فإن الشكر لا يقابل إلا النقمة الواصلة، أما الحمد فإنه يكون للنعمة الواصلة والنعمة التي تترقب وصولها إليك، وإن لم تصل إليك فعلاً.
وحمد الله يترنم به كل موجود في عالم التكوين، وذلك بنص القرآن الكريم: ((وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم))، إن الحمد بموجب هذا النص لا ينحصر تعبيره باللسان، بل تعبر عنه كل ظاهرة للتعبير، وإن لم تبرز تلك الظاهرة في اللسان فالتلميذ يكون حمده لأستاذه ثقافته التي تلقاها منه، والولد يكون حمده لوالده أخلاقه التربوية والنبات يعبر عن حمد للغارس نموه وثمره والمصنوع ينطق بحمده للصانع في إيفائه مقصود الصانع، وهكذا يكون حمد كل شيء بموجب هذا الأسلوب مظهره الكمالي، ولما كان وجود الأكوان والأزمان فيض من الواجب، جل وجوده الأقدس، كان كل موجود في عالم الإمكان يسبح لله في وجوده؛ لأن كمال كل موجوده بوجوده، أما عوارض الوجود على اختلاف مظاهرها وآثارها فإنها منبثقة من الوجود الذي هو بدوره رشح من الواجب جل شأنه، فالأكوان والأزمان بعوالمها الظاهرة والخفية تسبح بحمد الله فيما هي فيها.
إن النظام الأتم الذي سنه الواجب في العالم الطبيعي والذي لولاه لما استقام فيه شيء أبداً، إذ لو اختل جانب منه لانهار البناء كله، لأن بنية العوالم ترتبط أجزاؤها ارتباط أجزاء العمل بعضها ببعض، بل هي أشد ارتباطاً منها؛ لأن المعمل لو اختلت آلة فيه تعطل المعمل عن الإنتاج، أما بنيته فربما تماسكت وإن تعطل عملها وإنتاجها، ولكن العالم الطبيعي قد جهزه الواجب جل وعلا بنظام وأسلوب دقيق يرتبط بعضه ببعض بحيث لو اختل شيء بسيط فيه لانهار البناء كله.
تصور جونا الدنيوي وقد فقدت منه مادة الأكسيجين ثم خمن في ذهنك ما يحدث من هذا النقصان، إنك لو تأملت جيداً لرأيت بناء هذا العالم ينهار كله بنقصان جزء بسيط فيه، إن هذا الارتباط الدقيق هو الذي يجعلنا نخشع أمام عظمة هذا الصانع الجبار، إن الطبيعة بما فيها من العوالم والأجواء ليست إلا أنشودة أزلية تسبح بحمده، وإن نظامها الساحر ليس إلا توقيع تلك التسبيحة الساحرة، إن هذا الحمد الطبيعي، الظاهر الخفي، موجود في كل شيء، موجود حتى في الملحد الذي ينكر بلسانه وجود الله، إن مثل الملحد إزاء الخالق مثل الولد العاق إزاء والده، فكما كان الولد ينكر لسانه فضل والده بينما كان وجوده يسبح بحمد فضله كذلك الملحد الذي يستدل على انعدام القوة الخالقة للطبيعة إنه ينكر وجوده ببيانه بينما يرى الطبيعة تسبح في وجودها بحمده، إن الحمد الطبيعي موجود في كل شيء.

(للبحث صلة)

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الثاني.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com