موقع الصراط ... الموضوع : ذكريات الرسالة المقدسة وما يجب أن نستفيده منها
 
الإثنين - 13 / ذي الحجة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ذكريات الرسالة المقدسة وما يجب أن نستفيده منها  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 24 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  في ذكرى النبي الأعظم (ص)، في كل ذكرى نستعيدها من حياته في مولده ومبعثه، في هجرته ووفاته، في كل كلمة قالها لينير لنا الدرب نحو مستقبل قوي زاهر، في كل خطوة خطاها، ليعبد لنا طريق العزة والكرامة، في كل جهاد خاضه، في سبيل تركيز قواعد الإسلام، وإعلاء كلمة الله مجالات واسعة للعبرة والدرس لو أحسنا درسها والاعتبار بها.
وذكراه (ص) تختلف عن أي ذكرى إسلامية أخرى، في معطياتها ودروسها وحيويتها، لأنها تمثل الشخصية المقدسة للمسلم الأول.. الذي اكتشف القمة، وقادنا إليها، ووعى الحقيقة الأولى، ودلنا عليها.. وعرف سحر الكلمة الطيبة المخلصة، الكلمة الحانية الموجهة، الكلمة الهادفة، لخير الإنسان.
لا الكلمة العابثة اللاهية، التي تلهو بمشاعره وعواطفه؛ لتقوده إلى حيث لا يعلم. فكانت الكلمة رسالة السماء إلى الأرض، وكان القرآن كتاب الله الخالد ودستور البشرية المعجز.
وفي ذكراه (ص) نعيش التجربة الأساسية الأولى، للدعوة إلى الله، ونتلمس بوضوح الأسس التي ارتكزت عليها، والأساليب التي جرت فيها، وكيف كان لصمود المسلمين الأولين وقوتهم، وتضحياتهم في سبيل الله، واستهانتهم بالقوى الباغية الظالمة التي كانت تضطهدهم وتضطهد عقيدتهم حتى لا يكاد يسمح لها أن تتنفس حتى في داخل كيانهم، وارتفاعهم عنها في عظمة وجلالة.
وكانت شخصية النبي (ص) معهم في كل ذلك، فهي الروح التي ترف على التجربة لئلا تنحرف عن طريقها الصحيح، والقوة التي تستند عليها الأسس لئلا تنهار والخلق العظيم الذي بعث في الأساليب، خفقة قلبه، ورقة روحه، لئلا تتلون بغير اللون الذي أراده الله لها.
وهي بعد ذلك كله-القيادة الواعية، التي تقود القافلة إلى شاطئ الحرية والكرامة.
كل هذه الصور، وكل هذه المشاعر.. تمر بنا، ونحن نعيش ذكرى النبي (ص)، ونستروح ظلالها.
وفي ذكرى المولد-بالأخص-تتمثل في أعماقنا اللحظات السعيدة التي عاشتها الحياة آنذاك، لتستقبل الأمل النير بوليدها العظيم.. الأمل في أن تحيا في واقع جديد، تهيمن عليه قوى الخير لتوجهه نحو الطمأنينة والسلام، بعد أن عاشت حياة جاهلية مظلمة، تسيطر عليها البهيمية والوحشية من كل جانب ومكان.
واليوم ونحن نستقبل هذه الذكرى المقدسة، لنعيش إيحاءاتها وأهدافها، نواجه كثيراً من الظروف والمشاكل التي رافق كثير منها بدء الدعوة الإسلامية، وعاشها المسلمون الأولون، فهناك المشاكل العقائدية، سواء في ذلك التي انطلقت من داخل الحياة الإسلامية، فخلفت وراءها كثيراً من المذاهب والطوائف الإسلامية، أو التي انطلقت من واقع الحضارة الغربية لتقضي على الحضارة الإسلامية ومفاهيمها.
وهناك المشاكل الاجتماعية التي غزت حياتنا، في غفلة من الزمن، فلونت جوانبها بألوان بعيدة كل البعد عن تاريخها وعقيدتها، وهنا كانت الانحلالية والفوضوية، والتهرب من المسؤولية، وغيرها، سمة واضحة من سمات كثير من المجتمعات التي تعيش في بلاد الإسلام، مما جعل النظرة العامة التي تؤخذ عن المسلمين هي التأخر والانحطاط في المجال الحضاري، والاجتماعي.
وهناك-إلى جانب ذاك-المشكلة السياسية التي نشأت عن ضعف المسلمين وتأخرهم وانحطاطهم، نتيجة ضياع الكيان الواحد الذي يجمعهم ويوحدهم تحت رايته، الأمر الذي أدى إلى سيطرة الكافر المستعمر على بلاد المسلمين، ومقدراتها، حتى لا يكاد يقطع الكثيرون أمراً بدونه، وإلى جانب ذلك تقف المشاكل الاقتصادية والتربوية وغيرها مما لا تحتمل هذه الكلمة عرضه.
إننا نستقبل هذه الذكرى، ونحن نواجه هذا الواقع، فما الذي نستفيده منها..
إنها تعطينا الدرس النير من حياة المسلمين الأولين، فقد كانت تواجههم مشاكل كثيرة في مستوى المشاكل التي نعيشها، وإن اختلفت عنها في اللون والأسلوب نتيجة اختلاف الزمن، وإذا لاحظنا موقفهم منها، نجد أنهم كانوا يرتفعون إلى مستوى تلك المشاكل فيعالجونها بإيجابية بناءة، وصراحة قوية.
أما التهرب من مواجهة المشكلة، وأما الاكتفاء بالخروج عن العهدة، وإسقاط الواجب، دون محاولة الوصول إلى حل، فهذا ما لم نلمح له أثراً في حياتهم النضالية العظيمة.
فإذا أردنا أن نسير في الطريق نحو حل مشاكلنا فيلزمنا ونحن نستقبل هذا الحشد الهائل من المشاكل والملابسات والظروف التي نعيشها في حياتنا الاجتماعية والفردية،-كمسلمين-أن نرتفع إلى مستوى تلك المشاكل فنعالجها من ذلك المستوى، وأن ندخل الحياة بروح إيجابية بناءة، ونترك النظرة السلبية الكسلى التي يهمها أن تلقي العبء عن عاتقها أكثر مما يهمها أن تصل إلى الشاطئ بنجاح وسلام.
إن علينا أن ندرك جميعاً أن من الأسباب التي يرجع إليها إخفاقنا وتأخرنا.. هو أننا كنا نعيش للحاضر وللحاضر فحسب، أما المستقبل فلم يكن يهمنا في قليل أو كثير، وإننا كنا نعيش دون مستوى الأحداث بكثير، بل إننا لم تكترث بالأحداث التي قصد منها زعزعة الكيان الإسلامي، لئلا يعكر ذلك صفو حياتنا الساذجة البسيطة الحائرة.
وأخيراً.. فإن بعض ما نستفيده من هذه الذكرى..أن نجاح المسلمين الأولين يرجع إلى أنهم واجهوا مشاكلهم بصراحة ولم يحاولوا أن يتهربوا من مسؤولياتهم، وإن تلك الصراحة التي عاشوها لم تكن إلا من توجيهات الإسلام وتعاليمه، لأنه لا يرتضي اللف والدوران في أي مجال من مجالات الحياة، هذه بعض العبر التي يمكن أن نستفيدها من ذكرى النبي (ص) ولا ندري بعد ذلك (هل تنفع الذكرى) أم نعود إلى الحلقة المفرغة التي كنا وما زلنا نعيشها.
والله من وراء القصد.

(الأضواء)


المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى العدد السادس، ايلول 1960م.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com