موقع الصراط ... الموضوع : روح عصرنا وضميره
 
السبت - 9 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  روح عصرنا وضميره  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 28 / جمادي الثاني / 1436 هـ
     
  في عالمنا المدمى، المروع دائماً بما أنتجه هو من آلات وأفكار، عالمنا الذي يمزقه القلق على مصيره، ويؤرقه الخوف من نزواته، عالمنا المنقسم على نفسه، المهدد بالضياع الأبدي والتلاشي النهائي، في عالمنا هذا تزداد الحاجة يوماً بعد يوم إلى ما يبلسم جراحة الرغيبة، ويشعره بالأمان الذي فقده، ويندي بالحنان طابع القسوة الذي يسمه، ويبدل بالحب روح البغضاء التي تسيطر عليه.
وليست أسباب هذا الوضع المأساوي لعالمنا قدراً مفروضاً عليه من خارج، وإنما تعود هذه الأسباب إلى الإنسان المعاصر نفسه.
فثمة مشكلة تفرض نفسها على الإنسان المعاصر كلما أحرز نصراً جديداً على الطبيعة، وكلما كشف سراً من أسرارها، وعرف قانوناً من قوانينها، هذه المشكلة هي التناقض القائم بين القدرة المادية المتعاظمة للإنسان المعاصر، وبين الذخيرة الروحية المتضائلة لدى هذا الإنسان.
فقد قدر للإنسان الغربي أن ينشئ حضارة عالمنا المعاصر، وأتيحت لهذا الإنسان فرصة التبشير بثقافته التي قامت على مفاهيمها عن السكون والحياة والإنسان الحضارة الغربية الحديثة. وقد انسلخ هذا الإنسان الغربي، في مطلع تأريخه الحديث، من كل ما هو روحي، واتجه بكل ما يملك من قوى صوب التفوق المادي يعمل له، ويكدح في سبيله، وقد بلغ من التفوق المادي فوق ما كان يرجو، ولكنه أصيب بدمار روحي شامل.
إن الإنسان الغربي الذي يملك من أسباب التفوق المادي أضعاف ما يملكه من الذخيرة الروحية التي تحمله على أن يستخدم هذا التفوق في سبيل ما هو حق وخير وعدل، إن الإنسان الغربي ليس كفؤاً للقدرة التي يملكها.
لقد تقمص هذا الإنسان معنى الآلة يوم جرد نفسه من المضمون الذي يهبه معنى الإنسان، يوم نبذ الدين، وهنا يكمن سر وضعه المأساوي، إنه آلة حية تملك القدرة على تنفيذ ما تريد، ولا تملك القدرة على توجيه إرادتها نحو ما هو حق وخير وعدل.
وحين نعي أن الثقافة الغربية غدت في أيامنا هذه ذات طابع عالمي، وخرجت عن كونها ثقافة محلية صرفة ندرك أن المشكلة التي تنبع من هذه الثقافة ذات طابع عالمي أيضاً، ولهذا كانت مشكلة تواجه عالمنا كله، وتتحدى الإنسان المعاصر في جميع الأوطان.
وإذ كانت المشكلة ذات طابع عالمي، فإن كل عمل يهدف إلى حلها يتخذ طابعاً عالمياً أيضاً بالضرورة مهما تلون بلون موضعي محلي، ذلك لأن حلها لا يكون إلا على أساس التبشير بوجهة نظر تهدف إلى تحقيق التوازن بين الشكل والمضمون في الإنسان، وتسعى إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل، وإعادة معناه إليه بإحلال القيم الروحية في محلها الحقيقي من حياته، بحيث تكون هذه القيم هي الموجه والمنظم لعلاقاته بالناس والأشياء.
وإن هذا التفكير يقودنا إلى الإيمان بأن مهمة إنقاذ الإنسان المعاصر من التناقض الذي يمزقه ويهدده بالفناء ملقاة على عاتق رجل الدين المسلم قبل أي إنسان آخر؛ لأن كونه مسلماً حقاً يجعله بمنجاة من التناقض الذي يفترس الإنسان الحديث، ويضمن له التوازن الذي يحقق فيه معنى الإنسان؛ ولأن كونه رجل دين يجعله قادراً على أن يقدم للإنسان الحديث العقيدة التي تصحح وضعه في العالم، وترفع التناقض الذي يمزقه، وتحل محله التوازن الذي يهيئ له السعادة والأمن، واطراد التقدم والازدهار.
إن رجل الدين المسلم هو روح عصرنا وضميره، روح عصرنا الذي سينتشله من الوهدة التي يتردى فيها، وضميره الذي سيهديه إلى سبيل النجاة.
وبوحي من هذا الإيمان تغتنم (الأضواء) فرصة صدوره فتحيي بمزيد من الإكبار والإجلال أصحاب السماحة العلماء الأعلام وحجج الإسلام متع الله المسلمين بطول بقائهم لجهادهم في سبيل إعلاء كلمة الإسلام الذي هو في الوقت نفسه جهاد في سبيل الإنسان ضد كل ما يشوه معناه ويزور مهمته في الحياة.
الأضواء.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الأول
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com