موقع الصراط ... الموضوع : الدين في ينابيعه الأولى-1
 
الخميس - 7 / ربيع الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الدين في ينابيعه الأولى-1  
   
  كتب بتاريخ : الأربعاء - 2 / رجب / 1436 هـ
     
  بقلم: الشيخ محمد أمين زين الدين
يفتح الإنسان الذكي القلب المتيقظ الفكر الدقيق الملاحظة، يفتح هذا الإنسان بصره على كل مشهد من مشاهد الكون، وعلى كل مجلى من مجالي الطبيعة، وعلى كل منظر من مناظر الحياة، فيرى لأي موجود يشاهده في هذا الملكوت نظاماً دقيقاً وضابطةً محكمة، ويرى المكونات بأجمعها- حتى الجامدات منها- تتبع أنظمتها هذه الدقيقة وتسير على وفقها بأقدام ثابتة وبخطى متزنة.
فالشمس والقمر والكواكب والنجوم(1) والفلك والأثير والقوة والمادة والحيوان والنبات والهواء والماء والحرارة والنور والحركة في المتحرك والنمو في النامي، وحتى الذرة الصغيرة ونواتها الضئيلة وطاقتها المخزونة وعناصرها المؤتلفة، كل أولئك له نظام ثابت وسنن دقيق لن يحيد عنه أبداً وليس في مكنته أن يحيد، وقد فسح العلم الحديث للإنسان هذا المجال وأشبع له هذه النهمة.

يفتح هذا الإنسان الواعي بصره فيشاهد الأنظمة والضوابط ملء هذا الكون الفسيح وملء جنباته وملء دقائقه وذراته، فلكل شيء من الأشياء سنة، ولكل بعض من أبعاضه أو صفة من صفاته سنة، ولكل شيء مع غيره علاقة تحكمها سنة، ولكل طائفة من الأشياء سنة، ولكل مجموعة من الطوائف المتجانسة أو المتخالفة سنة ولمجموعة المجموعات وطائفة الطوائف سنة.
يرى ذلك بأم عينيه ولا يرتاب في شيء منه ولا يجادل، ويسخر ممن يشكك أو يجادل فيه، ثم يغمض عينيه بعد ذلك كله، ويهمس في نفسه:
أللإنسان في رقيه الاختياري إلى كماله سنن ثابت ونظام مفروض؟.
ألهذا الكائن العاقل نظام محدد يجب عليه أن يتبعه في خطواته إلى غايته، ولا يسوغ له أن يحيد عنه، أم هي الفوضى المطلقة المرسلة فلا حد لها ولا شرط؟.
عن الإنسان يتساءل!!.
عن أرقى نماذج الطبيعة، وأبدع مظاهر القدرة، وعن أسمى ناحية في هذا الكائن الراقي، وأنبه صفة من مميزاته!!
عنه وحده من بين موجودات هذا العالم العريض، وعن سلوكه الاختياري خاصة من بين سائر اتجاهاته الكثيرة. كأنه يريد للعقل أن يعلن الفوضى وأن يخرج على النظم!!أو كأنه يريد للإنسان أن يكون أحط منزلة من سائر المخلوقات!.
وأقول في سلوكه الاختياري خاصة؛ لأنه لن يملك أن يدخل الفوضى في اتجاهاته الأخرى، لن يملك ذلك أبداً، فنشوء الإنسان ونموه، وتفاعل عناصره وتآلف مواده وتمثيل أغذيته، وتدرج قواه الطبيعية، وتحرك كل جهاز من أجهزته، واكتمال كل جزء من أجزائه، وتكوّن كل خلية من خلاياه، وكل كريّة من كريات دمه، وكل جزيء من إفرازات غدده، كل ذلك يجري بطرائق آلية محددة، ويتبع في جريانه قوانين طبيعية معينة ليس في طاقة الإنسان أن يتخلف عنها أو يتبع سواها رضي ذلك أم أبى.
وحتى عقله النظري والعملي هذا الذي يطمع الطماعون بخروجه على النظم، له في تكوينه وفي نشأته الطبيعية نظام رتيب لن يسعه أن يتخلى عنه أبداً.
ومعنى ذلك أن النظام سنة من سنن الكون العامة، وأن الأشياء كلها متساوية في الإذعان لها، فلكل شيء نظام معين لن يزيغ عنه إلى غاية معينة لا يعدوها.
وإذن فلِمَ يريدون من الإنسان وحده أن يكون بدعاً من الموجودات فلا يكون له نظام محدد؟
وهل لهذا الاستثناء الغريب من سبب يوجب ذلك ؟!
قد يقولون: علة هذا الاستثناء هي أن المرء كائن عاقل، يفعل بإرادة ويريد عن تبصر، فباستطاعته أن يفكر في العمل قبل إصداره، وأن يوازن بين جهاته المختلفة قبل التصميم على فعله، ثم يفعل بعد ذلك أو يترك وفقاً للحكم الذي يصدر، وللوجهة التي يؤثر، فلا حاجة بالمرء إلى غاية واحدة عامة يتجه إليها في فعله ولا إلى نظام شامل ثابت يستن به في سلوكه.
قد يقولون : هذه هي علة الاستثناء، وإذن ففي قياسهم هذا أن عقل المرء وتفكيره هما السبب في حرمانه من هذا الحق وفي اسقاطه من هذه الكرامة !!.
عقل الإنسان وتفكيره - أكبر مصادر الخير له ولأغزر ينابيع الكمال فيه - يكونان هما بذاتهما السبب في حرمانه من الخير وإبعاده عن الكمال.
إنه لحكم غريب جداً يكاد لغرابته يلحق بالمتناقضات !!.
وقد يقولون : عقل الإنسان وتفكيره هما اللذان يسنّان له منهج الكمال، ثم يرتفعان به صعداً إلى الغاية، فلا حاجة بالإنسان الى مشرع وراء ذاته يخطط له المنهاج، ولا إلى دليل يقتدي به في السلوك.
وهو قول قد يبدو له وجه مقبول، وسنعرض له فيما يأتي من المباحث، وسنتبين مقدار حظه من الوجاهة.
لا بد للإنسان (في ارتقائه إلى كماله الاختياري) من نظام محدد أسوة له بسائر الموجودات في هذا الكون وبسائر الاتجاهات المختلفة للإنسان.
ولا بد من أن يكون قانون الاستكمال في الإنسان كقوانين الاستكمال في الموجودات الأخرى واحداً لا يقبل التعدد وثابتاً لا مجال فيه لاضطراب ولا تخلف.
وإذا كانت القوانين الكونية الموجودة لكمالات الأشياء مصنوعة لصانع واحد يدبرها بحكمة واحدة ويسيرها الى وجهة واحدة فلابد وأن يكون قانون الاستكمال في الإنسان من صنع ذلك الواضع أيضاً، ومن آثار تلك الحكمة ومن متممات ذلك القصد.
لا مناص من هذا كله لأنه من النواميس المتبعة في الوجود. ولن يملك الانسان أبداً أن يشذ عن واحد من هذه النواميس.
والكون مجموعة واحدة متماسكة الأجزاء متسقة الحركات، تجري في مدى متشابه إلى غايات متشابهة، والإنسان من هذه المجموعة جزء ليس في وسعه أن ينفصل، وليس من الخير له أن ينفصل، فلابد وأن يكون كماله شطراً من الكمال الأكبر، ولابد وأن يكون نظامه جزءاً من النظام العام، ولابد وأن يكون القيّم عليه هو بارئ المجموعة الكونية، والقيّم على تدبيرها والواضع لنظمها.
والفارق الوحيد ما بينها هو أن الاستكمال فيما سوى هذا الاتجاه من الإنسان طبيعي فيجب أن تكون سننه سنناً طبيعية لا مدخل فيها للإرادة، وأن رقي الإنسان في كمالاته هذه اختياري، فيجب أن تكون شريعته وضعية تقوم على الإرادة وتعتمد على الاختيار.
وأخيراً أعرفت ما هو الدين ؟
هو هذا النظام المحكم الشامل الذي يرقى به الإنسان إلى نصابه الأعلى من الكمال.
أفترغب في إيضاح أكثر من ذلك ؟

يغرس البستاني ساقاً من الكرم أو يضع بذرة من القمح، بعد أن يختار له المنبت الزكي ويتحرى له الجو الصالح، ويتربص به الزمن المناسب، وبعد أن يكدح في تنقية التربة وتمهيد الأرض، ثم يتعهد ما غرسه بالرواء الكفي، ويعكف عليه بالنظر الدائم والإصلاح اللازم، يصنع جميع ذلك ويدأب فيه لأنه يأمل أن الغراس سيؤتيه أكله بعد حين.
لقد أفادته التجارب أن العود يفرع، وأن البذرة تنمو، وأن الزرع ينتج، وأن النتاج يجنى، وإذن فستورق هذه البذرة، وستربو، وتثمر، ويونع ثمرها، وسيجني هو قطاف غرسه ونتاج عمله.
هذه الفكرة تعمر قلب الفلاح وهو يغرس، وتهون من متاعب الزارع وهو يكدح، وتنشط كل عامل في هذه الحياة وهو يعمل.
واذن فالناس كلهم يوقنون بأن القاعدة الطبيعية في الأشياء هي الصحة، وأن القياس العام في الأمور كلها أن تتوجه إلى غاياتها توجهاً طبيعياً لا عرقلة فيه، وأن تؤتي ثمارها إيتاءً كاملاً لا نقص فيه. أما الآفات والمعوقات فإنها قد تعرو الشيء فتعتاقه في المسير أو تبطئ به عن الإنتاج، ولكنها - على أي حال - أمور طارئة عليه وليست طبيعية له، والشيء غير الطبيعي لا يطرد له قياس.
هذا هو الأصل العام المتبع في الأشياء كافة، يدركه الناس بفطرتهم، ويجرون على وفقه في جميع أعمالهم ولا يختلفون فيه ولا يرتابون، ولا يجادل أحد منهم في ثبوته، وهو الأصل كذلك في الانسان وفي قوته المفكرة وفي جهازه الاختياري كله، بل وفي سائر قوى الإنسان وعامة أجزائه.
ذلك أن الإنسان موجود من موجودات هذا الكون يعنو لقوانينه، ولا يتخلف عنها، وقوى هذا الكائن وأجهزته وطاقاته أجزاء منه تخضع لما يخضع له من قوانين وينفذ فيها ما ينفذ فيه من أحكام.
ومقتضى انطباق ذلك المقياس العام عليها أن السلامة في العقل والاستقامة في التفكير هما الأصل الطبيعي في الإنسان وأن الميل والنشوز في هذه القوة إنما يكونان لأمور خارجة عنها تنتابها فتبعد بها عن الاتساق وتصرفها عن الاستقامة.
الاعتدال في الطبع والفكر، ثم الاستقامة في التصميم، والاتزان في العمل، هذا الانتظام المطلق في الجهاز الاختياري، المطرد في كل أدواته ومعداته وكل جزء من أجزائه، الموصل إلى تحقيق الغاية المبتغاة منه، هذا هو الأصل في الانسان، وهذا معنى الصحة الطبيعية في نواحيه تلك، وهو كذلك معنى الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
غير أن العلل التي تعترض هذه القوى فتعتاقها عن التوازن غفيرة وفيرة.
ذلك أن التكامل في شؤون الانسان هذه اختياري لا يحدث إلا عن طريق الارادة، ولا يتم إلا تحت نفوذها، وصوارف الإرادة عن التزام الصواب تفوت الحصر وتمتنع على الحاصر. ففي المرء جموع أو خنوع في الغرائز، وتقلب أو تطرف في الأهواء، وكبت أو انطلاق في الرغبات، وللمرء طباع يرثها من أسلافه وقد تكون رديئة، ولديه تقاليد يألفها من مجتمعه وقد تكون ذميمة، وله عادات يكسبها بإرادته وقد تكون ساقطة، ومعلومات يتلقنها بتربيته، أو يفيدها بتجربته وقد تكون خاطئة، وتصادم في الميول، وتكافؤ في الدوافع، وعقد نفسانية متأصلة، وانفعالات لا شعورية مكبوتة، وانحرافات أخرى لا تنحصر أسبابها وكل أولئك صوارف للإرادة عن التزام الصواب، وكلها عوارض للفطرة تطرأ عليها فتكدر صفاءها وتشرد بها عن اتزانها.
فكان من الضروري لهذه القوى أن يقام لها دليل مأمون ينهج بها منهج الاستقامة، ويكشف لها مغبة هذه الطوارئ، ويلمسها أعراض هذه العلل.
من الضروري أن يكون لها هذا المرشد الذي يقيها العثار ويجنبها الخسار، والاّ فستنزلق ولا نجاة، بل وستموت ولا حياة.
من الضروري لها هذا الدليل المأمون يسير بها إلى الاستقامة خطوة خطوة، ويوقفها على المعوقات واحدة واحدة، ويبصرها علاج تلك الأدواء علة علة.
وهذه هي الظاهرة الأولى من ظواهر الدين الحق والسمة البينة من سماته :
((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ))(2).
وإذا لم تكن للدين هذه السمة، وإذا لم يقم تشريعه على هذه الركيزة، فليس من الحق ولا من الاستقامة في شيء.
وفي الأثر النبوي : ((كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه ويمجسانه)).
كل مولود يولد على الفطرة وينشأ على الاستقامة، ولو أنه ترك لفطرته لاستكمل رشده واهتدى سبيله، ولسار هكذا سوياً مستقيماً حتى يبلغ غايته المأمولة.
ولكنها الآفات، ولكنها الصوارف، ولكنها التربية الفاسدة وإيحاءاتها الملتوية. والتياثها بغرائز الطفل ومشاعره، وحشو ذهنه بالأباطيل والأضاليل، هذه الجراثيم الفتاكة التي تحدث العلة وتعمق جذورها وتنشر بذورها، هذه هي التي تلتوي بالفطرة عن استقامتها، وتشوه محاسنها وتحولها عن مجراها، وتحمل الطفل حملاً أن يجري مع الأوهام وأن يخضع للأساطير، وأن ينحرف في تفكيره، وينحرف في عقيدته، وينحرف في سلوكه.

الهوامش: (1) النجوم: الأجرام الفلكية التي تشع النور والحرارة، والكواكب: الأجرام التي تكتسب النور والحرارة من سواها كالأرض.
(2) الروم: 30 .

للبحث صلة

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الأول
وكتاب الإسلام ينابيعه غاياته مناهجه
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com