موقع الصراط ... الموضوع : التكبر<br>معناه، بواعثه، ظواهره
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  التكبر
معناه، بواعثه، ظواهره
 
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 4 / رجب / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)) (غافر:35)
الكبر، والتكبر، و الاستكبار ألفاظ متقاربة المعنى … فالكبر (الحالة التي يتخصص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وذلك أن يرى الإنسان نفسه أَكبر من غيره. وأعظم التكبر التكبر على الله بالامتناع من قبول الحق والإذعان له بالعبادة)(1)
إن التكبر مرض نفسي اِجتماعي يصاب به الإنسان، حين يحس بتميزه وتفوقه على الآخرين في صفات الكمال، والتقدم: كالعلم، والمال، والعبادة والسلطان، والجاه، والجمال، والقوة فيشعر أنه أكمل من الآخرين علماً، أو أكثر مالاً، أو أقوى جسداً , أو أجمل صورةً، أو أشرف نسباً، أو أشدّ عبادةً ، أو أرقى مقاماً … هذه الأمور وغيرها أدوات، ووسائل عندما يمتلكها المرء، ويشعر بافتقار غيره إليها، قد يصاب بالغرور، والإعجاب، فحينئذ يشعر أنه أسمى درجة وأعلى منزلة من غيره، وعلة هذا الشعور وسره: إن النفس ضعيفة أمام مغريات الدنيا إن لم يسعفها الإيمان، ويرتفع بها عن تراب الأرض، ويعرفها بعلة وجودها وسر إيجادها، ومحدودية بقائها في هذه الدنيا، وحتمية رحيلها عنها، وحسابها على ما عملت فيها…
ومن ناحية أخرى إن النفس فيها ميل وهوى إلى الظهور والاستعلاء وهذا أمر كامن فيها، فعندما تجد ميزة تتفوق بها على الآخرين تحاول أن تستطيل بها عليهم؛ لتسدّ نقصاً تشعر به من جانب آخر .
وموجز القول: إن التكبر حالة تحصل في النفس عندما يشعر الإنسان أنّ له مرتبة يفتقر لها الآخرون، ويتميز بها عليهم، فيرى نفسه أعلى درجة، وأسمى مقاماً فيستعلي بها عليهم، والسّر في ذلك هو الكوامن الخفية في الصدور الخالية من معرفة الله تعالى: ((إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ)) (غافر:56) ففي هذه الآية إشارة إلى تلك الكوامن التي لا تقف عند حد بل تبقى تطلب المزيد من العلو والظهور، وتجادل أهل الحق؛ لتبطل الحق بالباطل. (فهم ينطلقون من عقدة استكبار تمنعهم من الخضوع للحق الذي لا يحمي امتيازاتهم الطبقية أو طموحاتهم الذاتية)(2)
وهكذا تستمر نفسية المستكبر على هذا المنوال حتى لو ملكت الدنيا بأسرها وهذا هو شأن المستكبرين دائماً وأبداً …
وحالة التجبر قد لا تختص بصنف من الناس كالملوك، والحكام، والعلماء بل قد توجد في أدنى الناس مرتبة. (روي أن رسول الله (ص) مر في بعض طرق المدينة وسوداء تلقط السرقين، فقيل لها: تنحي عن طريق رسول الله (ص) فقالت: إن الطريق لمعرض ، فهم بها بعض القوم أن يتناولها، فقال رسول الله (ص): دعوها فإنها جبارة)(3)
والمتكبر دائماً يشعر بذلة داخلية في نفسه ، ويحاول أن يسد هذا النقص ويعوض عنه. وقيل: (ما تكبر أحد إلا لنقص وجده في نفسه، ولا تطاول إلا لوهن أحس من نفسه)(4)
فمنبع التكبر إذن هو الشعور بالنقص، ومحاولة التعويض عن هذا النقص بالتكبر (وإن كثيراً من المتكبرين إنما هم أولئك الشذاذ الذين تربوا في عائلة متسافلة، ثم تسللوا إلى مقام ما في المجتمع، وهم بذلك يريدون أن يجبروا ما هو فيهم من النقص العائليّ، فهم يتصورون لأنفسهم شخصية أسمى من شخصيات سائر الناس، ويريدون أن يعلنوا عن شرفهم هذا الموهوم عن طريق الكبر والغرور)(5)
وفي مصطلح علماء النفس أن المتكبر يحس (بعقدة حقارة) … (وإن شيطان الكبر لا يتطرّق إلى ضمير الإنسان إلا حينما يصاب الإنسان بمرض (الإحساس بالحقارة) وهذا الإحساس هو الذي ينتهي إلى إيجاد (عقدة الحقارة) في المريض، وهي عقدة مؤلمة مدمرة من الممكن أن تنبع عنها أخطار كثيرة وجرائم مختلفة، وهي التي تجر المتكبر إلى المزيد من الشقاء)(6)
يقول الدكتور مك برايد: (إن تكبر أي شخص على آخر، أو أية أمة على أخرى إنما يعني احتقار الشخص الآخر، أو الأمة الأخرى. وإن أكثر الخصومات والمنازعات اليوم لهي ناشئة من عقدة الحقارة، وإن اتخاذ فكرة التكبر ، أو التخاصم لهو نوع من محاولة سد الفراغ الذي يحسه المتكبر في باطنه من عقدة الحقارة، وإلا فلا يتصور أي إنسان شريف طاهر الضمير، أو أي أمة، أو طبقة أو عنصر، أو قوم، أو دم، أي ميزة أو اختلاف بينهم وبين الآخرين)(7)
ومن أسباب التكبر النظرة الخاطئة إلى نفسه، فكثيراً ما يتصور الإنسان إنه أكبر وأعلى مما هو عليه في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه…مع الجهل بطبيعة النفس، وما فيها من أنواع الضعف … واندحارها أمام الحاجات النفسية والبدنية ، وينسى أنه يعيش في دار يسير فيها نحو الضعف والتنازل، وأنه سائر نحو الفناء كل هذه التصورات تؤدي بصاحبها إلى أن يتعالى، و ينسى سر وجوده ، وعلة إيجاده. وسبب الأسباب كلها خلو النفس من الشعور بعظمة الخالق الجبّار، والجهل بضعف النفس، وخضوعها لشروط موضوعية إذا فقدت هوت النفس إلى قاع الفناء يقول الإمام علي (ع) : (مسكين ابن آدم له بطن يقول: املأني وإلا فضحتك، وإذا امتلأ يقول: فرغني وإلا فضحتك , وهو أبداً بين فضيحتين)(8)
(مسكين ابن آدم مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل)(9)
ومن الحقائق الدامغة أن النفس إذا خلت من الإيمان بالله أصبحت ريشة في مهب رياح الغرائز والشهوات فتهوي من سموّ الإنسانية الرفيعة إلى حضيض الشيطانية المطرودة من رحمة الله تعالى .
(والإنسان حين يخلو قلبه من الشعور بالخالق القاهر فوق عباده، تأخذه الخيلاء بما يبلغه من ثراء ،أو سلطان، أو قوة ،أو جمال. و لو تذكر أن ما به من نعمة فمن الله، وإنه ضعيف أمام حول الله ، لطامن من كبريائه، و خفف من خيلائه، ومشى على الأرض هوناً لا تيها ولا مرحا .
والقرآن يَجْبَه المتطاول المختال المرح بضعفه وعجزه وضآلته: ((إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)) (الإسراء:37) فالإنسان بجسمه ضئيل هزيل لا يبلغ شيئاً من الأجسام الضخمة التي خلقها الله. إنما هو قوي بقوة الله، عزيز بعزة الله ،كريم بروحه الذي نفخه الله فيه؛ ليتصل به ، ويراقبه ، ولا ينساه)(10)

بواعث التكبّر :
يؤكد علماء الأخلاق أن أسباب التكبر كثيرة: منها في المتكبّر نفسه ،ومنها في المتَكَبَرْ عليه أي مردوداتها عليه، وسبب بغيره. فأما التي تتعلق بالمتكبّر فهو العجب، وأما السبب الذي يتعلق بالمتكبَر عليه: فالحقد، والحسد، والذي يتعلق بغيرهما هو الرياء فالأسباب أربعة: العجب، والحقد، والحسد، والرياء .
فصفة التكبر رذيلة، قبيحة، وليدة العجب، وثمرته أن المتكبر يعجب بنفسه وبمواهبه، وقدراته فيتوهم أنّ تلك المواهب إنما حصل عليها نتيجة قدراته الخاصة، وينسى نعم الله عليه فتجره إلى الجحود، و تشعره بالاستقلاليّة عن الله ولعل هذا ما أصاب قارون حين نصحه قومه أن لا يبطر ويطغى، وأن يتذكر نِعم الله عليه، وأن لا ينسي نصيبه من الدنيا، وأن يحسن بما آتاه الله، فأجاب المغرور المتغطرس((إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)) (القصص:78) وبذلك أخذه الخيلاء، وسيطر عليه الإعجاب، فكانت عاقبته أن خسف الله به وبدار الأرض، وأصبح عبرة للمعتبرين .
إن الإنسان حينما يكون خاوي الإيمان بالله، ويملك قدرة مالية، أو علمية، أو سياسية تجعله ينظر إلى محاسنه، وينسى ضعفه، وحاجته، وسيئاته، فتعظم نفسه ويترفع على أبناء جنسه، ويحتقرهم. هذا كله نتيجة الغفلة عن الله تعالى واستدراجه لخلقه؛ ليخرج كوامن النفوس, و يثبت عليها الحجة يوم القيامة، ويجزي كل نفس ما تستحق من الثواب، أو العقاب .

ظواهر التكبر :
قلنا إن التكبر مرض يكمن في النفس نتيجة الشعور بالنقص، أو إحساس بالذل والحقارة، وهذا مدلول قوله تعالى: ((إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ)) (غافر:56) ولكن هناك ظواهر تدل على تكبر الإنسان، وتفضح صاحبها مهما أراد أن يتظاهر، أو يدعي التواضع، ومن هذه الظواهر: الترفع عن مجالسة من هو دونه في المال، أو الجاه، أو المقام السياسي، بل بعضهم يتخطى الرقاب؛ كي يتصدر المجالس العامة، حتى لو أزاح أحداً من مجلسه … ومنها الغضب والانفعال عند رد قوله، أو مناقشة رأيه ، ومنها الاستنكاف من قبول النصيحة، أو سماع الموعظة ومنها استحقار العامة، والتزلف إلى خواص الناس ممن يظن أنه يرتفع بمخالطتهم، ومنها إنه لا يسبق أحداً بالسلام، بل ينتظر من الآخرين أن يبدؤه بالسلام، ومن أبرز هذه الظواهر عدم قبول الحق، وتسفيه أهله، فقد ورد عن أبي عبد الله (ع) :
(الكبر أن تغمص الخلق، وتسفه الحق)(11)
أي يستحقر الناس، ويستصغر أقدارهم، ويسفه آرائهم الحقة، ويستخف بها …وقال (ع): (قال رسول الله (ص) إن أعظم الكبر غمص الخلق، وسفه الحق، قال: قلت: وما غمص الخلق وسفه الحق؟ قال: يجهل الحق، ويطعن على أهله، فمن فعل ذلك فقد نازع الله عز وجل رداءه)(12)

الهوامش:
(1) الراغب الإصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن: 421.
(2) السيد محمد حسين فضل الله، من وحي القرآن: 20/73.
(3) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/309.
(4) الراغب الأصفهاني، محاضرات الأدباء: 260.
(5) مجتبى اللاري، دراسة في مشاكل الأخلاقية والنفسية: 108.
(6) المصدر نفسه: 107.
(7) مجتبى اللاري، دراسة في مشاكل الأخلاقية والنفسية: 109.
(8) الشيخ جعفر الحائري، نهج البلاغة الثاني: 275.
(9) نهج البلاغة قصار الحكم: 419.
(10) سيد قطب، في ظلال القرآن: 5/328.
(11) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/310.
(12) المصدر نفسه: 309 / باب الكبر.


المصدر: كتاب دراسات أخلاقية على ضوء الكتاب والسنة

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com