موقع الصراط ... الموضوع : المظاهر الرحمانية<br> وصية الإمام الخميني العرفانية إلى ولده السيد أحمد
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المظاهر الرحمانية
وصية الإمام الخميني العرفانية إلى ولده السيد أحمد
 
   
  كتب بتاريخ : السبت - 5 / رجب / 1436 هـ
     
  بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآلة الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.
أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأن عليّاً أمير المؤمنين وأولاده المعصومين صلوات الله عليهم خلفاؤه وأن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقٌ، وأن القبر والنشور والجنة والنار حقٌ وأن الله يبعث من في القبور.
وصية من أب عجوز أهدر عمره ولم يتزوّد للحياة الأبدية ولم يخط خطوةٌ خالصةٌ لله المنان، ولم ينج من الأهواء النفسانية والوساوس الشيطانية، لكنه غير آيس من فضل وكرم الكريم تعالى وهو يأمل بعطف وعفو الباري جلَّ وعلا، ولا زاد له سوى هذا.. إلى ابن يتمتّع بنعمة الشباب متاحة أمامه فرصة لتهذيب النفس وللقيام بخدمة خلق الله، والأمل أن يرضى الله تعالى عنه، كما رضي عنه أبوه، وأن يُوفَّق لخدمة المحرومين الذين يستحقون أكثر من بين جماهير الشعب وقد أوصى بهم الإسلام.

بُنيّ أحمد - رزقك الله هدايته:
اعلم، أن العالم سواء كان أزلياً وأبدياً أم لا، وسواء كانت سلاسل الموجودات غير متناهية أم لا، وسواء كانت سلاسل الموجودات غير متناهية أم لا، فإنّها جميعا محتاجةٌ، لأن الوجود ليس ذاتياً لها، ولو تفكرت وأحطت عقليا بجميع السلاسل غير المتناهية فإنك ستدرك الفقر الذاتي والاحتياج في وجودها وكمالها إلى الوجود الموجود بذاته والذي تمثل الكمالات عين ذاته. ولو تمكنت من مخاطبة سلاسل الموجودات المحتاجة بذاتها خطاباً عقليا وسألتها:
أيتها الموجودات الفقيرة، من يستطيع تأمين احتياجاتكم؟
فإنها ستردُّ جميعا بلسان الفطرة: "إننا محتاجون إلى من ليس محتاجاً مثلنا إلى الوجود، وكمال الوجود". وهذه الفطرة أيضاً ليست من ذاتها، ففطرة التوحيد {.. فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ..}(الروم/30) من الله، والمخلوقات الفقيرة بذاتها لن تتبدل إلى غنية بذاتها، فمثل هذا التبديل غير ممكن الوقوع، ولأنها فقيرة بذاتها ومحتاجه، فلن يستطيع سوى الغني بذاته أن يرفع فقرها واحتياجها. كما أن هذا الفقر الذي هو لازم ذاتي لها، هو صفة دائمة أيضا، سواء كانت هذه السلسلة أبدية أم لا، أزلية أم لا، وليس سواه تعالى من يستطيع حل مشاكلها وتأمين احتياجاتها. كذلك فإن أيّ كمال أو جمال ينطوي عليه أي موجود ليس منه ذاتا، إنما هو مظهر لكمال الله تعالى وجماله {.. وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى..}(الأنفال/17) حقيقةٌ تصدق على كل شيء وكل فعل وكل قول وإن كلُّ من يدرك هذه الحقيقة ويتذوقها، لن يتعلق قلبه بغير الله تعالى، ولن يرجوَ غيره تعالى.
هذه بارقةٌ إلهية، حاول أن تفكر فيها في خلواتك، ولقن قلبك الرقيق وكررها عليه إلى أن ينصاع اللسان لها، وتسطع هذه الحقيقة في ملك وملكوت وجودك. وارتبط بالغنيّ المطلق حتى تستغني عمن سواه، واطلب التوفيق منه حتى يجذبك من نفسك ومن جميع من سواه، ويأذن لك بالدخول والتشرف بالحضور.

ولدي العزيز:
إن الله جلّ وعلا {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ..}(الحديد/3) "أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك، حتى يكون هو المظهر لك ؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك، ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك عليها رقيبا"(4- مقطع من دعاء الإمام الحسين يوم عرفة).
أنت لم تكن غائـباً لكي أرجـو رؤيـاك
أنت لم تكن بعيدا حتى أبحث عنك(5- بيت شعر من ديوان فروغي البسطامي)
فهو ظاهر، وكل ظهور هو ظهور له، ونحن بذاتنا حجب.
فأنانيتنا وإنيّتنا هي التي تحجبنا "أنت حجاب نفسك، فانطلق منه يا حافظ"(6- مقطع من بيت شعر لحافظ الشيرازي) .
فلنلذ به ولنطلب منه -تبارك وتعالى- متضرعين مبتهلين أن ينجينا من الحجب "إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلقة بعزِّ قدسك، إلهي واجعلني ممن ناديته فأجابك، ولاحظته فصعق لجلالك"(7- مقطع من المناجاة الشعبانية).

بني:
نحن ما زلنا في قيد الحجب الظلمانية، وبعدها الحجب النورية، ونحن المحجوبون ما زلنا عند منعطف زقاق ضيّق.
بني: إن لم تكن من أهل المقامات المعنوية، اسعَ أن لا تُنكر المقامات الروحانية والعرفانية، لأن الإنكار من أخطر مكائد الشيطان والنفس الأمارة بالسوء التي تصدُّ الإنسان عن بلوغ جميع المراتب الإنسانية والمقامات الروحانية. وهو يدفع الإنسان إلى إنكار السلوك إلى الله والاستهزاء به أحيانا، مما يجر إلى الخصومة والمعاداة لهذا الأمر. وبهذا فإن ما جاء به جميع الأنبياء العظام (صلوات الله عليهم) والأولياء الكرام (سلام الله عليهم) والكتب السماوية خصوصا القرآن الكريم -كتاب بناء الإنسان الخالد، ستموت قبل أن تولد.
فالقرآن الكريم -كتاب معرفة الله وطريق السلوك إليه تعالى حُرِّف على أيدي الأصدقاء الجهلة عن طريق وعزل جانباً، فجعلوا يصدرون عنه الآراء المنحرفة، ويفسرونه بالرأي - الأمر الذي نهي عنه جميع أئمة الإسلام عليهم السلام- وراح كل واحد منهم يتصرف فيه بما تمليه نفسانيته.
لقد نزل هذا الكتاب العظيم في عصر وفي محيط كان يمثل أشد حالات الظلام، كما نزل بين قوم يعيشون في أشد حالات التخلف وقد أُنزل بيد شخص وعلى قلب إلهي لشخص كان يعيش في ذلك المحيط. كذلك فإن القرآن الكريم اشتمل على حقائق ومعارف لم تكن معروفة آنذاك في العالم أجمع فضلاً عن المحيط الذي نزل فيه. وإن من أعظم وأسمى معاجزه هي هذه المسائل العرفانية العظيمة التي لم تكن معروفة لدى فلاسفة اليونان، فقد عجزت كتب أرسطو وأفلاطون -أعظم فلاسفة تلك العصور- عن بلوغها وحتى أن فلاسفة الإسلام الذين ترعرعوا في مهد القرآن الكريم، وانتهلوا منه ما انتهلوا من مختلف المعارف لجأوا إلى تأويل الآيات التي صرحت بحياة الموجودات في العالم مثلا، والحال أن عرفاء الإسلام العظام إنما أخذوا ما قالوه منه، فكل شيئ أخذوه من الإسلام ومن القرآن الكريم. فالمسائل العرفانية الموجودة في القرآن الكريم ليست موجودة في أي كتاب آخر.
وإنها لمعجزة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إذ كان على معرفة بمبدأ الوحي بحيث يكشف له أسرار الوجود، وكان هو صلى الله عليه وآله وسلم بدوره يرى الحقائق بوضوح ودون أي حجاب وفي ذات الوقت كان حاضرا في جميع أبعاد الإنسانية ومراحل الوجود، فمَثَّل بذلك أسمى مظهر لـ{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ..}(الحديد/3) كما سعى إلى رفع جميع الناس للوصول إلى تلك المرتبة، وكان يتحمل الآلام والمعاناة حينما كان يراهم عاجزين عن بلوغ ذلك، ولعل قوله تعالى {طه*مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}(طه/1،2) إشارة خفية إلى هذا المعنى، ولعل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "ما أوذي نبي مثلما أوذيت"(10- ورد هذا الحديث الشريف في كتاب كنز العمال ج 11 ح 32161 على الشكل التالية: "ما أوذي أحد مثل ما أوذيت في الله".) يرتبط أيضا بذات المعنى.
إن أولئك الذين بلغوا هذا المقام أو ما يماثله، لا يختارون العزلة عن الخلق أو الانزواء، فهم مأمورون بإرشاد وهداية الضالّين إلى هذه التجليات، وإن كانوا لم يُوفقوا كثيرا في ذلك، أما أولئك الذين بلغوا مرتبة ما من بعض هذه المقامات، وغابوا عن أنفسهم بارتشاف جرعة ما، وظلوا بذلك في مقام الصعق، فإنهم وأن كانوا قد حازوا مرتبة ومقاما عظيما، إلا أنهم لم يبلغوا الكمال المطلوب. لقد سقط موسى الكليم عليه السلام بحال الصعق نتيجة تجلي الحق، وأفاق بعناية إلهية خاصة، ثم أمر بتحمل أُمر ما، وكذا فإن خاتم النبيين، الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أمر بعد بلوغه القمة من مرتبة الإنسانية- وما لا تبلغه الأوهام من مظهرية الاسم الجامع الأعظم- بهداية الناس بعد أن خاطبة تعالى{يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ*قُمْ فَأَنذِرْ}(المدثر/1،2).
ولدي العزيز:
هدفت مما ذكرته لك -رغم أني لا شيء، بل أقل حتى من اللا شيء- أن ألفت نظرك إلى أنك إن لم تبلغ مقاماً ما فلا تنكر المقامات المعنوية والمعارف الإلهية، وكن من أولئك الذين يحبون الصالحين والعارفين، وإن لم تكن منهم. ولا تغار هذه الدنيا وأنت تكنّ العداء لأحباب الله تعالى.

بني:
تعرف إلى القرآن -كتاب المعرفة العظيم- ولو بمجرد قراءته، وشق منه طريقا إلى المحبوب، ولا تتوهمن أن القراءة من غير معرفة لا أثر لها، فهذه وساوس الشيطان، فهذا الكتاب كتابٌ من المحبوب إليك وإلى الجميع، وكتاب المحبوب محبوبٌ، وإن كان العاشق المحب لا يدرك معنى ما كُتب فيه وقد جاء إليك هادفاً خلق هذا الأمر لديك: "حب المحبوب" الذي يمثل غاية المرام، فلعله يأخذ بيدك.
واعلم أننا لو أنفقنا أعمارنا بتمامها في سجدةِ شكر واحدة على أن القرآن كتابنا؛ لما وفينا هذه النعمة حقها من الشكر.

بني:
إن الأدعية والمناجاة التي وصلتنا عن الائمة المعصومين عليهم السلام هي أعظم أدلة إلى معرفة الله جلَّ وعلا، وأسمى مفاتيح العبودية، وأرفع رابطة بين الحق والخلق. كما أنها تشتمل في طيّاتها على المعارف الإلهية، وتمثل أيضا وسيلة ابتكرها أهل بيت الوحي للأنس بالله جلت عظمته، فضلا عن أنها تمثل نموذجا لحال أصحاب القلوب وأرباب السلوك. فلا تصدنك وساوس الجاهلين عن التمسك أو الأنس بها. إننا لو أمضينا أعمارنا بتمامها نقدم الشكر على أنّ هؤلاء -الأحرار والواصلين إلى الحق- هم أئمتنا ومرشدونا؛ لما وفينا.
من الأمور التي أودّ أن أوصيك بها -وأنا على عتبة الموت، أصعد الأنفاس الأخيرة-: أن تحرص -ما دمت متمتعا بنعمة الشباب- على دقة اختيار من تعاشر وتصاحب، فليكن انتخابك للأصحاب من بين أولئك الصالحين والمتدينين والمهتمين بالأمور المعنوية، ممن لا تغرهم زخارف الدنيا ولا يتعلقون بها، ولا يسعون في جمع المال وتحقيق الآمال أكثر مما هو متعارف، أو أكثر من حد الكفاية، وممن لا تلوث الذنوب مجالسهم ومحافلهم، ومن ذوي الأخلاق الكريمة، فإن تأثير المعاشرة على الطرفين من إصلاح وإفساد أمر لاشك في وقوعه. واسعَ أن تتجنب المجالس التي توقع الإنسان في الغفلة عن ذكر الله، فإن ارتياد مثل هذه المجالس قد يؤدي الى سلب الإنسان التوفيق، الأمر الذي يعدُّ -بحد ذاته- خسارة لا يمكن جبرانها.
اعلم أن في الإنسان -إن لم أقل في كل موجود- حباً فطريا للكمال المطلق وحباً للوصول إلى الكمال المطلق. وهذا الحب يستحيل أن ينفصل عنه كما أن الكمال المطلق محال أن يتكرر أو أن يكون اثنين، فالكمال المطلق هو الحق جل وعلا، والجميع يبحثون عنه، وإليه تهفو قلوبهم وإن كانوا لا يعلمون. فهم محجوبون بحجب الظلمة والنور، ولهذا فهم يتوهمون أنهم يطلبون شيئا آخر وهم لا يقنعون بتحقيق أية مرتبة من الكمال، ولا بالحصول على أي جمال أو قدرة أو مكانة. فهم يشعرون أنهم لا يجدون في كل ذلك ضالتهم المنشودة. فالمقتدرون وأصحاب القوى العظمى، هم في سعي دائم للحصول على القدرة الأعلى مهما بلغوا من القدرة. وطلاب العلم يطلبون الدرجة الأعلى من العلم مهما بلغوا منه ولا يجدون ضالتهم التي غفلوا عنها في ذلك.
ولو أعطي الساعون الى القدرة والسلطة، التصرف في كل العالم المادي من الأرضين والمنظومات الشمسية والمجرات، وكل ما فوقها، ثم قيل لهم: إن هناك قدرةً فوق هذه القدرة التي تملكونها، وهناك عالم أو عوالم أخرى أبعد من هذا العالم، فهل تريدون الوصول إليها؟ فإنهم من المحال أن لا يتمنوا ذلك، بل إنهم سيقولون بلسان الفطرة: "ليتنا بلغنا ذلك أيضا!." وهكذا طالب العلم، فهو إن ظن أن هناك مرتبة أخرى -غير ما بلغه- فإن فطرته الباحثة عن المطلق ستقول:
يا ليت لي القدرة للوصول إليه أو يا ليت لي سعةً من العلم تشمل تلك المرتبة أيضا!
إن ما يُطمئن الجميع ويخمد نيران النفس المتمردة ويحدُّ من إلحاحها واستزادتها في الطلب، إنما هو الوصول إليه تعالى، والذكر الحقيقي له جلَّ وعلا؛ إذا كان مظهراً له، فإن الاستغراق فيه يبعث الطمأنينة والهدوء، وكأنّ قوله تعالى {..أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}(الرعد/28). هو نوع من الإعلان أن: انتبه انتبه! عليك أن تلجأ إلى ذكره حتى تحصل على الطمأنينة لقلبك الحيران الذي يواصل القفز من مكان إلى مكان والطيران من غصن إلى غصن.
فاستمع يا ولدي العزيز -الذي أسأل الله أن يجعل قلبك مطمئنا بذكره- لنصيحة أبٍ قلق محتار، ولا تتعب نفسك بالانتقال بطرق باب هذا الباب أو ذاك الباب، للوصول إلى المنصب أو الشهرة التي تشتهيها النفس، فأنت مهما بلغت من مقام. فإنك سوف تتألم وتشتد حسرتك وعذاب روحك لعدم بلوغك ما فوق ذلك، وإن سألتني: لِمَ لَمْ تعمل أنت بهذه النصيحة؟ أجبتك بالقول: أنظر إلى ما قال، لا إلى من قال(13- غرر الحكم ودرر الكلم لأمير المؤمنين عليه السلام الفصل 304545 الحديث 11 "أنظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال".) فما قلته لك صحيح، حتى وإن صدر عن مجنونٍ أو مفتون.
يقول تعالى في محكم كتابه العزيز {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}(الحديد/22). ثم يتبع ذلك بقوله {لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}(الحديد/23). فالإنسان في هذا العالم عرضة للتحولات، أحياناً تنزل به المصائب، كما أنه قد يلاقي إقبالاً من الدنيا، فيبلغ فيها المقام والجاه ويحصل على المال ويحقّق أمانيه وينال القدرة والنعمة، وكلا الحالين ليس بثابت، فلا ينبغي أن تحزنك المصائب والنقائص فتفقدك صبرك، لأنها قد تكون أحيانا في نفعك وصلاحك {.. وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ..}(البقرة/216). كما لا ينبغي أن تدفعك الدنيا بإقبالها عليك وتحقيقها ما يشبع شهواتك إلى أن تتكبر وتفتخر على عباد الله، فما أكثر ما تعده أنت خيراً، وهو شرٌ لك.

بني:
إن ما هو مذموم، وأساس ومنشأ جميع ألوان الشقاء والعذاب والمهالك، ورأس جميع الخطايا والذنوب إنما هو "حب الدنيا: الناشئ من "حب النفس" إن عالم المُلك ليس مذموما في حدِّ ذاته، فهو مظهر الحق ومقام ربوبيته تعالى، ومهبط ملائكته، ومسجد، وكان تربية الأنبياء والأولياء عليهم السلام ومعبد الصلحاء، وموطن تجلي الحق على قلوب عشاق المحبوب الحقيقي، فإن كان حب "عالم الملك" ناشئاً عن حب الله -باعتباره مظهرا له جلَّ وعلا- فهو أمر مطلوب ويستوجب الكمال. أما إذا كان منشؤه حب النفس، فهو رأس الخطايا جميعا. فالدنيا المذمومة هي في داخلك أنت، والتعلق بغير صاحب القلب، هو الموجب للسقوط. وجميع المخالفات لأوامر الله وجميع المعاصي والجرائم والجنايات التي يُبتلى بها الإنسان، كلها من "حب النفس" الذي يولِّد "حب الدنيا" وزخارفها، وحب المقام والجاه والمال ومختلف الأماني. وفي الوقت نفسه فإن أي قلب لا يمكنه -فطريا- أن يتعلق بغير صاحب القلب الحقيقي لكن هذه الحجب الظلمانية والنورانية هي التي تجعلنا نميل خطأً واشتباهاً نحو غير صاحب القلب، وهي ظلمات فوقها ظلمات.
نحن وأمثالنا لم نصل إلى الحجب النورانية بعد، ومازلنا أسرى الحجب الظلمانية! فمن قال: "هب لي كمال الانقطاع إليك، وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك، حتى تخرق أبصار القلوب حجب النور، فتصل إلى معدن العظمة"(16- مقطع من المناجاة الشعبانية.) فقد اخترق الحجب الظلمانية وتعدَّاها. أما الشيطان الذي خالف أمر الله ولم يسجد لآدم، فقد رأى نفسه عظيماً، لأنه كان في الحجب الظلمانية و{.. قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ ..}(الأعراف/12). جعلته يُطرد ويُبعد عن ساحة الربوبية! نحن أيضاً، مادمنا في حجاب النفس والأنانية، فنحن شيطانيّون مطرودون من محضر الرحمن، وما أصعب تحطيم هذا الصنم الذي يعدُّ "أم الأصنام". فنحن ما دمنا خاضعين لله (جل وعلا) ولا مطيعين لأوامره، وما لم يُحطَّم هذا الصنم؛ فإن الحجب الظلمانية لن تتمزق ولن تُزال. علينا أن نعرف ما هو الحجاب أولاً، فنحن إذا لم نعرفه، لن نستطيع المبادرة إلى إزالته، أو تضعيف أثره -أو في الأقل- الحد من تزايد رسوخه وقوته بمرور الوقت.
روي أن بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانوا معه فسمعوا صوتاً مهيباً، فسألوا: ما هذا الصوت؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم "إنه صوت حجر كان قد ألقي إلى جهنم قبل سبعين سنة، وقد بلغ قعرها الآن"(18- علم اليقين ج2 المقصد الرابع، الباب13 الفصل الرابع.) بعدها علموا أن كافراً كان قد مات حينها عن سبعين سنة من العمر. وإذا صح الحديث فإن من سمعوا الصوت لا بد أنهم كانوا من أهل الحال، أو قد يكون الأمر قد تمَّ بقدرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قاصداً إسماع الغافلين وتنبيه الجاهلين. أما إذا لم يصح الحديث -ولا أذكره بالنص- فإن الأمر في حقيقته كذلك، فنحن نقضي عمراً باتجاه جهنم. فنحن نمضي العمر بتمامه نؤدي الصلاة -التي تعد أكبر ذكر لله المتعال- ونحن معرضون عن الحق تعالى، وعن بيته العتيق، متوجهين إلى الذات والى بيت النفس. وكم هو مؤلم أن الصلاة التي ينبغي أن تكون معراجاً لنا، وترفعنا إليه وإلى جنة لقائه تعالى تكون سيراً نحو أنفسنا وباتجاه منفى جهنم.

بني:
لم أقصد من هذه الإشارات إيجاد السبيل لأمثالي وأمثالك لمعرفة الله وعبادته حق العبادة -مع أنه قد نقل عن أعرف الموجودات بالحق تعالى، وأعرفها بحق العبادة له جل وعلا، قوله "ما عرفناك حق معرفتك، وما عبدناك حق عبادتك(19- مرآة العقول، كتاب الإيمان والكفر، باب الشكر، رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.) وإنما لأجل أن نفهم عجزنا، وندرك ضالتنا، ونهيل التراب على أنانيتنا وإنيتنا، لعلّنا بذلك نكبح جماح هذا الغول، ولعلنا نلجمه بعد ذلك ونروّضه، فنتحرر بعدها من خطر عظيم يكوي -مجرد تذكره- الروح ويحرقها.
وعليك أن تنتبه! فهناك خطر قد يعترض الإنسان في اللحظات الأخيرة من عمره، وهو يهمّ بمغادرة هذا العالم، والانتقال إلى مستقره الأبدي. فإن ذلك قد يجعل المبتلي بحب النفس وما يولّده من حب الدنيا. بأبعادهما المختلفة -يرى وهو في حال الاحتضار، وحيث تنكشف للإنسان بعض الأمور فيراها عياناً، أن "مأمور الله" جلّ وعلا يريد فصله عن محبوبه ومعشوقه! فيرحل عن هذه الدنيا وهو غاضب على الله جل وعلا متنفرٌ منه! وهذه عاقبة وثمرة حب النفس والدنيا، وقد أشارت إلى ذلك الروايات المختلفة.
يروي أحد المتعبدين الثقاة قائلا: "ذهبت لزيارة أحدهم -وكان يحتضر- فقال وهو على فراش الموت: إن الظلم الذي لحقني من الله تعالى لم يلحق أحدا من الناس، فهو يريد أن يأخذني من أبنائي الذين صرفت دم القلب في تربيتهم ورعايتهم! فقمت من عنده ثم توفى. ولعل هناك بعض التفاوت بين ما نقلته وما سمعته من ذلك العالم المتعبد.
على أية حال، فإن ذلك ولو كان مجرد احتمال الحدوث فهو أمر على درجة خطيرة من الأهمية تدفع الإنسان إلى التفكير بجدية للنجاة منه!
إننا لو فكرنا ساعة في موجودات العالم -التي نمثل نحن جزءا منها- وأدركنا أن أيّ موجود ليس لديه شيءٌ من نفسه، وأن ما وصله ووصل إلى الجميع ألطاف ومواهب مستعارة، وفي الألطاف التي من الله تعالى بها علينا -سواء قبل أن نأتي الى الدنيا، أو خلال حياتنا فيها، ومنذ الطفولة إلى آخر العمر، أو بعد الموت -بواسطة الهداة الذين كُلِّفوا بهدايتنا، لعل بارقة من حبه جلّ وعلا الذي نحن عنه محجوبون ستلوح في أفق وجودنا، فندرك بعدها مدي ضآلتنا وتفاهتنا، فيفتح بذلك لنا طريقٌ نحوه جل وعلا، وننجو على الأقل من "الكفر الجحودي" ولا نحسب إنكار المعارف الإلهية، والمظاهر الرحمانية مقاماً لنا، ونفاخر به، الأمر الذي سيبقينا أسرى بئر "ويلِ"(20- اسم بئر في جهنم) الأنانية والغرور إلى الأبد.
يُروى "أن الله تعالى خاطب أحد أنبيائه، فطلب إليه أن يأتيه بمخلوق أسوأ منه، فقام النبي عليه السلام بعدها بسحب رفاة حمار قليلا إلا أنه ندم فتركها، فخوطب بالقول: لو أنك أتيتني بتلك الجيفة، لكنت سقطت من مقامك" وأني لا أعرف مدى صحة الحديث، ولكن لعل الأمر بالنسبة لمقام الأولياء، يعد سقوطاً حينما يرون الأفضلية لأنفسهم على غيرهم، فتلك أنانية وغرور. وإلاّ فلِم كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يأسف ذلك الأسف المرير على عدم إيمان المشركين، إلى الحد الذي خاطبه الله تعالى بقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}(الكهف/6). فليس هذا سوى أنه عشق جميع عباد الله، وعِشق الله هو عشق لتجلياته.
فهو صلى الله عليه وآله وسلم يتألم مما تؤدي إليه الحجب الظلمانية للأنانية والغرور في المنحرفين، من دفعهم إلى الشقاء ثم العذاب الأليم في جهنم نتيجةً لأعمالهم في حين أنه يريد السعادة للجميع. فهو مبعوث لتحقيق السعادة للجميع. والمشركون المنحرفون -عُمي القلوب- وقفوا بوجهه، ونصبوا له العداء رغم أنه جاء لإنقاذهم.
أنا وأنت إذا وُفِّقنا إلى إيجاد بصيص من هذا العشق لتجليات الحق -الموجود في أولياء الله-في أنفسنا- وأردنا الخير للجميع، فقد بلغنا مرتبة من الكمال المطلوب.
اللهم أحيي قلوبنا الميتة من فيض رحمتك، ورحمة صفيك الذي بعثته رحمة للعالمين.
وأهل المعرفة يعلمون بأن الشدة على الكفار -وهي من صفات المؤمنين- وقتالهم أيضا رحمةٌ، ولطف من الألطاف الخفية للحق، فالعذاب يزداد على الكفار مع كل لحظة تمرُّ عليهم، زيادة كمية وكيفية إلى ما لا نهاية له. لذا فإن قتل من هو ميئوس من صلاحه هو رحمةٌ في صورة غضب، ونعمةٌ في صورة نقمة، بالإضافة إلى أنه رحمة ستنال المجتمع، لأن العضو الذي يجر المجتمع كله إلى الفساد، يُشبه إلى حدٍّ كبير العضو في البدن الذي يؤدي عدم قطعه بالبدن كله الى التلف والهلاك. وهذا هو الذي جعل نوحا يدعو الله {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا*إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا}(نوح/26-27). والله تعالى يقول {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ..}(البقرة/193). وعلى هذا وما سبقه كانت الحدود (24- الحد في ا لشرع يطلق على الجزاء البدني الذي يجازى به مرتكب بعض المعاصي، وقد حدد الشارع المقدس مق 4646ر هذا الجزاء لكل أمر بمقدار معين.)
والتعزيزات (25- التعزيزات في الشرع يطلق على الجزاء الذي أوكل أمر تحديد مقداره للقاضي، فينظر القاضي إلى وضع المجرم ونوع الجرم وظروف ارتكابه، ويحدد مقدار الجزاء بما يتناسب مع ذلك، وقد عين الشارع المقدس الحد الأقصى لهذا الجزاء.) والقصاص رحمة من أرحم الراحمين بمرتكب الجرم أولا، وبالمجتمع بأسره ثانيا.
ولنتخطَّ هذه المرحلة.

بني:
إذا استطعت -بالتفكر والتلقين- فاجعل نظرتك إلى جميع الموجودات -وخصوصا البشر- نظرة رحمة ومحبة. أو ليست الموجودات كافة -والتي لا حصر لها- واقعة تحت رحمة رب العالمين من جهات عديدة؟ ثم أليس وجود حياتها وجميع بركاتها وآثارها من رحمة الله ومواهبه على الموجودات ؟ وقيد قيل: "كل موجود مرحوم" فهل يمكن لموجود ممكن الوجود أن يكون له شيءٌ من نفسه؟ أو أن يستطيع موجود ( ممكن الوجود) مثله أن يعطيه شيئاً ما؟ وعليه فإن الرحمة الرحمانية هي الشاملة للعالم بأسره. ثم إن الله الذي هو رب العالمين، وتربيته التي تشمل العالم، أو ليست تربيته مظهراً للرحمة؟ وهل يمكن أن تكون الرحمة والتربية شاملة للعالم دون اقترانها بالعناية والألطاف والمحبة الإلهية ؟ إذن لم لا يكون من شملته العنايات والألطاف والمحبة الآلهية موضعاً لمحبتنا؟ وإذا لم يكن هو الأمر منا، أليس هو نقص فينا؟ أليس هو ضيق أفق وقصر نظر من قبلنا؟.
انتبه يا ولدي؟ لقد أصبحت أنا عجوزا دون أن أتمكن من علاج هذه النقيصة، أو سواها من النقائص التي لا تحصى، وأنت ما زلت شاباً. وأقرب إلى رحمة الحق وملكوته، فاسعَ لإزالة هذه النقيصة. وفقك الله ووفقنا والجميع لرفع هذا الحجاب، والتجلي بما تقتضيه فطرة الله. تعرضت فيما سبق إلى جانب من هذا الأمر، والآن تأتي الإشارة إلى ما يساعدك في رفع هذا الحجاب.
نحن مفطورون على عشق الكمال المطلق، ومن هذا العشق -شئنا أم أبينا- ينشأ العشق لمطلق الكمال الذي هو من آثار الكمال المطلق، والأمر الملازم لفطرتنا هذه هو السعي للخلاص من النقص المطلق، وتلازمه الرغبة في الخلاص من مطلق النقص أيضاً.
إذن، نحن -وإن لم نعلم أو ندرك- عاشقون لله تعالى، الذي هو الكمال المطلق. ونعشق آثاره التي هي تجليات الكمال المطلق. وأي شخص أو أي شيء نكرهه ونبغضه، أو نحاول التخلص منه، فهو: لا كمال مطلق ولا مطلق الكمال، بل: نقص مطلق أو مطلق النقص -الذي يقف في الجهة المقابلة، وعلى النقيض من الأول تماماً. ولا شك أن نقيض الكمال هو عدم الكمال، ولأننا محجوبون، فإننا نضلّ في التشخيص. ولو زال الحجاب لاتّضح لنا أن كل ما هو منه جل وعلا محبوب، وكل ما هو مبغوض فليس منه، وهو بالتالي ليس موجوداً.
واعلم أن هناك تساهلاً في التعبيرات الواردة فيما يخص المتقابلات والموضوع أعلاه -رغم موافقته للبرهان المتين والرؤية العرفانية والمعرفة ورغم ما ورد في القرآن الكريم من إشارات إليه- إلا أن التصديق والإيمان به في غاية الصعوبة، ومنكريه في غاية الكثرة، والمؤمنين به قلة نادرة. وحتى أولئك الذين يعتقدون بثبوت هذه الحقيقة عن طريق البرهان لا يؤمن بها منهم إلا قلة قليلة. فالإيمان بأمثال هذه الحقائق لا يُحرز إلا بالمجاهدة والتفكر والتلقين.
وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا الادعاء (بأن بعض الأمور البرهانية يمكن أن لا تكون موضعاً للتصديق والإيمان) عقدةٌ يصعبُ الاقتناع بها، بل لعل البعض قد يقطع بأنه أمر لا أساس له. ولكن ينبغي أن تعلم بأن هذا الأمر أمر وجداني، وقد وردت إشارات إليه في القرآن الكريم، كالآيات الكريم من سورة التكاثر(26- هي السورة 102 من سور القرآن الكريم، وهي ثمان آيات، وقد وبخ الله فيها الناس لتسابقهم في جمع المال والأولاد، وغفلتهم عن السعادة الحقيقية.).
وأما الوجدان، فأنت تعلم بأن الموتى لا تصدر عنهم أية حركة ‎، وأنهم لا يستطيعون إلحاق الأذي بك، وأن الموتى لا يعادلون ذبابةً حية واحدة من حيث الأثر والفعالية، كما تدرك أنهم لا يمكن أن يعودوا إلى الحياة في هذا العالم بعد موتهم وقبل يوم النشور، إلا أنك قد لا تمتلك القدرة على النوم وحيداً براحة في المقابر. وهذا ليس إلاّ لأن قلبك لم يصدق بما عندك من علم، وأن الإيمان بهذا الأمر لم يتحصل لديك، في حين أن أولئك الذين يقومون بتغسيل وتكفين الموتى تحصّل لهم الإيمان واليقين بهذا الأمر نتيجة تكرار العمل، فهم يستطيعون الخلوة مع الموتى براحة بال واطمئنان. كذلك فإن الفلاسفة الذين أثبتوا بالبراهين العقلية أن الله حاضرٌ في كل مكان، دون أن يصل قلوبهم ما أثبتته عقولهم بالبرهان، ولم تؤمن به قلوبهم‎، فإن أدب الحضور لن يتحقق لديهم، في حين أن أولئك الذين أيقنوا بحضور الله بقلوبهم، وآمنت قلوبهم بذلك، فإنهم -رغم أن لا مراودة لهم مع البراهين- فإنهم يتحلّون بأدب الحضور، ويجتنبون كل ما ينافي حضور المولى. فالعلوم المتعارفة إذن -وإن كانت الفلسفة وعلم التوحيد- لكنها تعد في حد ذاتها حجبا، وكلما ازدادت تزيد الحجاب غلظة وسمكاً، كذلك فإننا نعلم جميعا ونرى بأن دعوة الأنبياء عليهم السلام والأولياء الخلص (سلام الله عليهم) ليست من سنخ الفلسفة والبرهان المتعارف، بل إنهم يهتمون بأرواح وقلوب الناس، ويوصلون نتائج البراهين إلى قلوب العباد، ويبذلون الجهد لهدايتهم من داخل الروح والقلب.
وإن شئت فقل: إن الفلاسفة وأهل البراهين يزيدون الحجب، في حين أن الأنبياء عليهم السلام وأصحاب القلوب يسعون في رفعها. لذا ترى أن من تربّوا على أيدى الأنبياء مؤمنون وعاشقون، في حين أن طلاب علماء الفلسفة أصحاب برهان وقيلٍ وقال، لا شأن لهم بالقلب والروح.
وليس معنى ما أوردته أن تتجنب الفلسفة والعلوم البرهانية والعقلية، أو أن تشيح بوجهك عن العلوم الاستدلالية، فهذا خيانة للعقل والاستدلال والفلسفة، بل المعنى هو أن الفلسفة والاستدلال وسيلة للوصول إلى الهدف الأساسي، فلا ينبغي -والحال كذلك- أن تحجبك عن المقصد والمقصود والمحبوب.
أو فقل: إن هذه العلوم معبرٌ نحو الهدف وليست الهدف بحد ذاتها، فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة، فإن العلوم المتعارفة مزرعةٌ للوصول إلى المقصود، تماماً كما أن العبادات معبرٌ نحو الله جل وعلا، فالصلاة -هي أسمى العبادات- معراج المؤمن والكل منه وإليه تعالى. وإن شئت فقل: إن المعروف بجميع أنواعه درجات في سلم الوصول إلى الله تعالى، وجميع المنكرات موانع في طريق الوصول، والعالم بأسره يبحث عنه تعالى، ويحوم كالفراش باحثاً عن جماله الجميل. ويا ليتنا نصحو من نومتنا ونلج أول منزل وهو اليقظة! ويا ليته جل وعلا يأخذ بأيدينا- بألطافه وعناياته الخفية- فيرشدنا إلى جماله الجميل، ويا ليت فرس النفس الجموح تهدأ قليلا، فتنزل عن مقام الإنكار، ويا ليتنا نُلقي هذا العبء الثقيل من على كواهلنا إلى الأرض، فننطلق مخفّين نحوه تعالى! يا ليتنا نحترق كالفراش حول شمع جماله دون أن نتكلم! ويا ليتنا نخطو خطوة واحدة بقدم الفطرة ولا نبتعد عن طريقها بهذا القدر، و...و.. وآلاف التمنيات والأماني الأخرى التي تزدحم في ذاكرتي، وأنا على شفير الموت في شيخوختي هذه، ولكن دون أن تصل يدي إلى أي مكان.

وأنت يابني:
استفد من شبابك وعش طوال عمرك بذكر الله ومحبته (جل وعلا)، والرجوع إلى فطرة الله. فذكر المحبوب لا يتنافى مع الفعالية السياسية والاجتماعية في خدمة دينه وعباده، بل إنهُ سيعينك، وأنت تسلك الطريق إليه. ولكن اعلم بأن خدع النفس الأمارة والشيطان الداخلي والخارجي كثيرة، فما أكثر ما تبعد الإنسان عن الله باسم الله واسم الخدمة لخلق الله وتسوقه نحو نفسه وآمالها: لذا كانت مراقبة النفس ومحاسبتها في تشخيص طريق الأنانية عن طريق الله من جملة منازل السالكين، وفقنا الله وإياكم لبلوغ ذلك.
وما أكثر ما يخدعنا شيطان النفس -نحن الشيّب وأنتم الشبان- بوسائل مختلفة، فنحن الشيوخ يواجهنا بسلاح اليأس من الحضور وذكر الحاضر فينادي: لقد فاتكم العمر، وتصرّم وقت الإصلاح ومضت أيام الشباب التي كان ممكنا فيها الإستعداد والإصلاح، ولا قدرة لكم في أيام ضعف الشيخوخة هذه على الإصلاح، فقد استحكمت جذور شجرة الأهواء والمعاصي في جميع أركان وجودكم وتشعّبت فروعها، فأبعدتكم عن اللياقة لمحضره جل وعلا، وضاع كلُّ شيء! فما أحرى أن تستفيدوا من هذه الأيام الباقية من أعماركم أقصى ما يمكن من الاستفادة من الدنيا.
وقد يتصرف معنا أحياناً بنفس الطريقة التي يتصرف بها معكم أيها الشبان، فهو يقول لكم: أنتم شبان، ووقت الشباب هذا هو وقت التمتع والحصول على الذات، فاسعوا الآن بما يساهم في إشباع شهواتكم، ثم توبوا إن شاء الله في أواخر أعماركم فإن باب رحمة الله مفتوح والله أرحم الراحمين، وكلما زادت ذنوبكم، فإن الندم والرغبة في الرجوع إلى الحق سيزداد، وسيكون التوجه إلى الله تعالى أكبر والاتصال به جل وعلا أشد، فما أكثر أولئك الذين تمتعوا في شبابهم، ثم أمضوا آخر أيامهم بالعبادة والذكر والدعاء وزيارة الأئمة عليهم السلام والتوسل بشفاعتهم، فرحلوا عن هذه الدنيا وهم سعداء! تماما هكذا يتصرف معنا نحن الشيوخ، فيأتينا بأمثال هذه الوساوس فيقول لنا: ليس معلوما أن تموتوا بهذه السرعة، بالفرصة ما زالت موجودة وأجلوا التوبة إلى آخر العمر، فضلا عن أن باب شفاعة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (27- روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "الصلاة معراج المؤمن" الاعتقادات للمجلسي ص 29.) وأهل بيته مفتوح، وإن أمير المؤمنين عليه السلام لن يتخلى عن محبيه ويتركهم يتعذبون، فسوف ترونه عند الموت، وسوف يأخذ بأيديكم. وأمثال هذه الوساوس الكثيرة التي يلقى بها في سمع الإنسان.
بني:
أتحدث إليك الآن وأنت ما زلت شاباً، عليك أن تنتبه إلى أن التوبة أسهل على الشبان، كما إن إصلاح النفس وتربيتها يتم بسرعة أكبر عندهم. في حين أن الأهواء النفسانية والسعي للجاه وحب المال والغرور أكثر وأشدّ بكثير لدى الشيوخ منه لدى الشبان. أرواح الشبان رقيقة شفافة سهلة القياد، وليس لدى الشبان من حب النفس وحب الدنيا بقدر ما لدى الشيوخ. فالشاب يستطيع بسهولة -نسبيا- أن يتخلص من شر النفس الأمارة بالسوء، ويتوجه نحو المعنويات. وفي جلسات الوعظ والتربية الأخلاقية يتأثر الشبان بدرجة كبيرة لا تحصل لدى الشيوخ -فلينتبه الشبان، وليحذروا من الوقوع تحت تأثير الوساوس النفسانية والشيطانية، فالموت قريب من الشبان والشيوخ على حدٍّ سواء وأيّ من الشبان يستطيع الاطمئنان إلى أنه سيبلغ مرحلة الشيخوخة؟ وأيُّ إنسان مصون من حوادث الدهر؟ بل قد يكون الشبان أكثر تعرضا لحوادث الدهر من غيرهم.
بني:
لا تضيّع الفرصة من يديك، واسعَ لإصلاح نفسك في مرحلة الشباب.
على الشيوخ أيضاً أن يعلموا أنهم ما داموا في هذا العالم، فإنهم يستطيعون جبران ما خسروا وما ضيّعوا، وأن يكفّروا عن معاصيهم، فإن الأمر سيخرج من أيديهم بمجرد انتقالهم من هذا العالم، والتعويل على شفاعة أولياء الله عليهم السلام، والتجرؤ في ارتكاب المعاصي من الخدع الشيطانية الكبرى، تأمّل أنت حالات الذين عوّلوا على شفاعتهم غافلين عن الله وتجرأوا على المعاصي -تأمل في سيرتهم، وانظر في أنينهم وبكائهم ودعائهم وتحرقهم واعتبر من ذلك. يروي أن الإمام الصادق عليه السلام جمع أهل بيته وأقاربه في أواخر عمره وقال لهم: "إنكم ستردون على الله بأعمالكم، فلا تظنوا أن قرابتكم لي ستنفعكم يوم القيامة". وإن كان هناك احتمال بأن تنالهم الشفاعة، لأن الارتباط المعنوي حاصل بينهم وبين الشافع لهم، فالرابطة الإلهية بينهم تجعلهم مؤهلين أكثر من غيرهم لنيل الشفاعة، وإن لم يحصل هذا الأمر لهم في هذا العالم، فلعله يحصل لهم بعد تنقيات وتزكيات أنواع من العذاب البرزخي أو الجهنمي، حتى يصبحوا بعده لائقين للشفاعة، والله العالم بمدى ما سيصيبهم.
فضلاً عن هذا، فإن الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول الشفاعة لا تبعث -بعد التأمل فيها- الاطمئنان في الإنسان، قال تعالى (28- {..مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ..}(البقرة/255).) وقال (29- {..وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنْ ارْتَضَى..}(الأنبياء/28).). وأمثال ذلك من الآيات التي تثبت موضوع الشفاعة، ولكنها في الوقت نفسه لا تبعث الاطمئنان لدى الإنسان ولا تسمح له بالاغترار بها، لأنها لم توضح من هم أولئك الذين ستكون الشفاعة من نصيبهم، أو ماهي شروطها، ومتى تكون شاملة لهم.
نحن نأمل بالشفاعة، ولكن ينبغي أن يدفعنا هذا الأمل نحو طاعة الحق تعالى، لا نحو معصيته.

بني:
احرص على أن لا تغادر هذا العالم بحقوق الناس (30- حق الناس هو الواجب الذي فرضه الله تعالى على كل مكلف ليقوم به تجاه الآخرين كحفظ كرامة المسلمين وشرفهم وأموالهم وأرواحهم، فحرم عليه استغابتهم واتهامهم وسرقتهم.) فما أصعب ذلك وما أقساه. واعلم أن التعامل مع أرحم الراحمين أسهل بكثير من التعامل مع الناس. نعوذ بالله تعالى أنا وأنت وجميع المؤمنين من التورط في الاعتداء على حقوق الآخرين، أو التعامل مع الناس المتورطين. ولا أقصد من هذا دفعك للتساهل بحقوق الله (31- حق الله هو الواجب الذي فرضه الله على كل مكلف، لكنه لا يعود على الآخرين كالصلاة والصيام والحج.) والتجرؤ على معاصيه، فلو أننا أخذنا بنظر الاعتبار ما يستفاد من ظاهر بعض الآيات الكريمة، فإن البلية ستزداد باطراد، ونجاة أهل المعصية بالشفاعة يتم بعد المرور بمراحل طويلة. فتجسم الأخلاق والأعمال، وما يستتبع ذلك من ملازمتها للإنسان إلى ما بعد الموت وإلى القيامة الكبرى، ثم الى ما بعدها حتى الوصول إلى التنزيه وقطع الروابط بنزول الشدائد والعذاب بمختلف اشكاله في البرزخ وفي جهنم، وعدم التمكن من الارتباط بالشفيع، والاشتمال بالشفاعة، كلها أمور يؤدي التفكير فيها إلى إثقال كاهل الإنسان، ويدفع المؤمنين نحو الجدية في الإصلاح. ولا يمكن لأي شخص أن يدعي أنه يقطع بخلاف هذه الاحتمالات، إلا إذا كان شيطان نفسه قد تسلط عليه بدرجة عالية، حتى راح يتلاعب به، ويصده عن طريق الحق، فيجعله مُنكراً لا يفرق بين الضوء والظلام، وأمثال هؤلاء من عمي القلوب كثير. حفظنا الله من شرور أنفسنا.

وصيتي إليك يا بني أن لا تدع الفرصة تضيع من يديك -لا سمح الله- وأن تسعى في إصلاح أخلاقك وتصرفاتك وإن كان بتحمل المشقة والترويض، وعليك بالحدّ من التعلق بالدنيا الفانية، وتختار طريق الحق أينما اعترضك مفترقٌ للطرق، وأن تجتنب طريق الباطل، وتطرد شيطان النفس عنك.
كذلك فإن من الأمور الهامة التي ينبغي أن أوصي بها: الحرص على إعانة عباد الله، خصوصا المحرومين والمساكين المظلومين، الذين لا ملاذ لهم في المجتمعات، فابذل ما في وسعك في خدمتهم، فذلك خير زاد، وهو من أفضل الأعمال لدى الله تعالى، ومن أفضل الخدمات التي تقدم للإسلام العظيم. اسع في خدمة المظلومين، وفي حمايتهم من المستكبرين والظالمين.
واعلم أن المشاركة في أمور السياسة السليمة والاجتماع، هي تكليف في هذه الحكومة الإسلامية، كذلك فإن مساعدة المسؤولين والمتصدين لإدارة أمور الجمهورية الإسلامية ودعمهم مسؤولية إسلامية وإنسانية ووطنية. وأملي أن لا يغفل الشعب المجيد والواعي عن هذه المسؤولية. وعليهم أن يواصلوا -وكما هو شأنهم حتى الآن، إذ كانوا حاضرين في الساحة دوماً، حتى أن الحكومة الإسلامية والجمهورية ما استطاعت الاستقرار والبقاء إلا بدعمهم -عليهم أن يواصلوا دورهم هذا في المستقبل أيضاً، وإني مفعم بالأمل أن يواصل الجيل الحاضر والأجيال القادمة وقوفهم بوفاءٍ مع الجمهورية الإسلامية ودعمها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ليكونوا سببا في ديمومتها واستقرارها.
وعلينا جميعا أن نعلم بأننا ما دمنا على عهدنا مع الله، فإنه معنا، وكما قضى سبحانه وتعالى إلى الآن على مؤامرات المجرمين في الداخل والخارج وبشكل إعجازي، فإنه سيُقضى عليها مستقبلا بتأييداته إن شاء الله تعالى.
والأمل أن يكون الجيش وحراس الثورة (32- قوات حرس الثورة الإسلامية هي مؤسسة عسكرية تعمل تحت إمرة سماحه القائد، وتصون الثورة الإسلامية ومكتسباتها، وتسعى على الدوام الى تحقيق الأهداف الإلهية، وبسط حكم الله، وتقوية البنية الدفاعية للجمهورية الإسلامية بالتعاون مع سائر القوى المسلحة، وتدريب وإعداد وتنظيم القوات الشعبية، وهي بالتالي المسؤولة عن حفظ الأمن القومي للجمهورية الإسلامية.) وأبناء قوات التعبئة الشعبية (33- التعبئة هي قوات عسكرية شعبية تتشكل من المتطوعين الذين اندفعوا إلى جبهات القتال بعد بدء العدوان العراقي على الجمهورية الإسلامية يوم 22/9/1980م وعجز الجيش عن وقف العدوان، فقامت قوات حرس الثورة الإسلامية بتنظيم صفوفها، ومن ثم باستيعاب القوات الشعبية وتدريبها وحشدها على الجبهات. وسميت هذه القوات بـ"التعبئة" ويسمى واحدها (تعبوي) وهم من أغرار صغار إلى شيوخ هرمين، دستور الجمهورية الإسلامية في إيران كلّف الحكومة تأمين الإمكانات لتدريب جميع أبناء الشعب في هذه القوات الى جانب الجيش وحرس الثورة، وذلك طبقا لموازين الإسلام والنظام الإسلامي، ويسعى أبناء الشعب من خلال التحاقهم بهذه القوات أن ينفذوا مقولة الأمام الخميني بتشكيل جيش العشرين مليونا.) وسائر القوات العسكرية والأمنية، وجماهير شبعنا قد تذوقوا حلاوة الاستقلال والخروج من أسر القوة الدولية الكبرى الناهبة، وآمل أن يرجحوا تحررهم من أسر الأجانب على أي شيء وعلى أية حياة مرفهة، وأن لا يقبلوا بحمل عبء عار الارتباط بالقوة الشيطانية على كواهلهم. وأن يقبلوا بالموت المشرّف. برجولة وعزة -في سبيل الأهداف السامية وفي سبيل الله، إذا أريدت لهم الحياة بذلة. وأن يختاروا السير على طريق الأنبياء العظام وأولياء الله عليهم السلام. وأدعو الله خاضعا معرباً عن عجزي، أن يزيد من وعي وحب والتئام صفوف الرجال والنساء والأطفال والشيوخ من أبناء شعبنا العزيز، وأن يفيض عليهم برحمته، فيقفوا بثبات في طريق الله، وأن ينشروا الإسلام العزيز وأحكامه النورانية في مختلف أنحاء العالم.

لا يفوتني أن أكتب لك بضع جملات حول الأمور الخاصة والعائلية لأختتم بها حديثي المطنب هذا: أشدُّ ما أود أن أوصيك به ولدي العزيز، هو الاهتمام بوالدتك الوفية.
إن الحقوق الكثيرة للأمهات، أكثر من أن تُحصى، أو أن يُؤدى حقها. فليلة واحدة تسهرها الأم مع وليدها تفوق سنوات من عمر الأب المتدين. فيجسد العطف والرحمة في عيونها النورانية بارقةً من رحمة وعطف رب العالمين. فالله تبارك وتعالى قد أشبع قلوب وأرواح الأمهات بنور رحمة ربوبيته بشكل يعجز عن وصفه الواصفون، ويعجز عن إدراكه سوى الأمهات، وإن رحمة الباري هي التي تجعلهن يقفن ويتحملن بثبات عجيب المتاعب والآلام منذ استقرار النطف في الأرحام، وطوال فترة الحمل، وحتى ساعة الولادة. ثم منذ عهد الطفولة، وحتى آخر العمر، وهي المتاعب والآلام التي يعجز الآباء عن تحملها ليلة واحدة.
فالتعبير الرقيق الوارد في الحديث الشريف "الجنة تحت أقدام الأمهات"(34- حديث شريف مروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب كنز العمال خ 45439.) حقيقةٌ تشير إلى عظم دور الأم، وتنبه الأبناء إلى أن السعادة والجنة تحت أقدام الأمهات، فعليهم أن يبحثوا عن الجنة والسعادة تحت التراب المبارك لأقدامهن، ويعلموا أن حرمتهن تقارب حرمة الله تعالى، وأن رضا الباري جلت عظمته إنما هو في رضاهن.
إن الأمهات -رغم أنهن جميعا مثال لذلك- إلا أن بعضهن يتمتعن بخصائص أخرى تميزهن عن الأخريات، وقد أدركتُ على مدى عمري، ومن الذكريات التي أحملها عن والدتك المحترمة، وعن الليالي التي كانت تقضيها مع أطفالها -بل وحتى الأيام- أنها تحمل مثل هذه المزايا- لذا فإني أوصيك -أنت وبقية أبنائي- أن تجهدوا بعد وفاتي في خدمتها، وتحرصوا على راحتها ونيل رضاها، وكما أراها راضية عنكم في حياتي. عليكم أن تبذلوا مساعيكم أكثر في خدمتها بعد وفاتي.
وأوصيك يا ولدي أحمد: أن تحرص على معاملة أرحامك وأقربائك وخصوصا أخواتك وأبناء إخوانك بالعطف والمحبة والصفاء والسلام والإيثار، وبمراعاة السلوك الحسن. كما أوصي جميع أبنائي أن يكونوا قلبا واحدا، وأن يتحركوا نحو هدف واحد، وأن يتعاملوا مع بعضهم بالمحبة والعطف، وأن يسعوا جميعا للعمل في سبيل الله، وفي خدمة عباده المحرومين، لأن في ذلك خير وعافية الدنيا والآخرة.
وأوصي نور عيني (حسين) أن لا يغفل عن الانكباب على تحصيل العلوم ا لشرعية. وأن لا يبدد ما أنعم الله عليه من الاستعداد واللياقة وأن يعامل والدته وأخته بمنتهى العطف والصفاء، وأن يستصغر الدنيا، ويسلك في شبابه طريق العبودية المستقيم.
وآخر وصيتي إلى أحمد: أن يُحسن تربية أبنائه، وأن يعرفهم -منذ نعومة أظفارهم- على الإسلام العزيز، وأن يعتني بأمهم العطوفة، ويحرص على خدمة جميع أفراد العائلة والأقارب. وسلام الله على جميع الصالحين
واستميح جميع أقاربي عذرا -وبالأخص أبنائي- وأرجوهم أن يعفوا عني إن كنت قصّرت معهم، أو ظهر مني قصور ما، أو إن كنت ظلمتهم، وأن يدعو الله أن يغفر لي ويرحمني إنه أرحم الراحمين.
وأدعو الله متضرعاً إليه أن يوفق أرحامي وأقربائي إلى طريق السعادة والاستقامة، وأن يشملهم برحمته الواسعة، وأن يُعزَّ الإسلام والمسلمين، ويقطع أيدي المستكبرين والقوى الظالمة، ويكفها عن الظلم.
والصلاة والسلام على رسول الله، خاتم النبيين وعلى آله المعصومين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين.
الأربعاء 28/4/1982م-رجب 1402 هـ
روح الله الموسوي الخميني

 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com