موقع الصراط ... الموضوع : صوت المرأة المسلمة-2
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  صوت المرأة المسلمة-2  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 5 / رجب / 1436 هـ
     
  بقلم الشهيدة آمنة الصدر بنت الهدى
أختاه
تحية إسلامية عطرة
ما أحلى أن نعود فنلتقي مرة ثانية لنتابع ما وقفنا عنده، ولنمضي في سيرنا المستقيم إلى مطلع النور وإشراقة السعادة الهانئة المتبلورة في صفحات سجل إسلامنا المتلألئ الذي بعث به محمد (ص) نبياً للعالمين، وجاء ليكون المربي الأول للمجتمع العليل آنذاك، الذي كان يرزح تحت وطأة العادات القبلية والحزازات والمشاحنات العصبية، وحتى في البلدان المتحضرة آنذاك كالروم والفرس فقد كانت القوانين الجائرة قائمة هناك على قدم وساق.
والأجدر بنا في لقائنا هذا أن نتطرق إلى إحدى نواحي انحلال ذلك المجتمع فنراجع حال المرأة في تلك الفترة المغبرة لنرى ما كانت عليه من انعدام معنوي وتفاهة روحية، ففي الروم والفرس-مثلاً-كانت المرأة لا تعدو كونها آلة إنتاج كأنها خلقت لتفيد المجتمع لا لتستفيد منه، ومن ثم كانت وسيلة لعقد الصداقات وحل المخاصمات تقدم هي فيهما كهدية متواضعة لا حول لها على المنع ولا طول.. وأما في جزيرة العرب فقد كانت تسود وجوههم إذا بشروا بها ويتوارون من الخجل كأنها قد ارتكبت بقدومها عليهم أبشع جريمة في الوقت الذي جاءت لتلد رجالاً وتنشئ أجيالاً..
وفجأة وفي غضون ذلك العصر المغبر وبدون سابق مقدمات انبثقت رسالة محمد الأمين (ص) لتكون رحمة للملايين ولتكون رسالة عالمية تصلح العوج بالهداية وتقيم الحق بدستورها السماوي، وهناك جاء دور المرأة المسلمة لتكون عضواً فعالاً في المجتمع ولتشعر بمكانتها المعنوية التي سلبت منها فيما مضى، وكيف لا تكتسب روح الثقة بإنسانيتها وكرامتها، والآيات الكريمة تنص على وجودها الأدبي والمعنوي، والكلمات النبوية الخالدة تأخذ بيدها لترفعها إلى أوج العزة والكرامة فهي مخلوقة كالرجل سواء بسواء، (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) (وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر) ثم يقول نبي الرحمة (ص) قولته المأثورة: (النساء شقائق الرجال).
وهكذا أخذت المرأة تحتل مكانها الطبيعي على أساس من آيات القرآن، وكلمات الرسول (ص) وأخذ المجتمع الإنساني يؤمن بقدسيتها وجدارتها بالحياة، ويقر لها بممارسة كل الحقوق التي تنسجم مع طبيعتها كأنثى، ومن جانبها أيضاً أخذت تبني شخصيتها على أساس المفاهيم الإسلامية الكاملة من الفضيلة والعفة والأخلاق، أدركت مهانة الرذيلة فارتفعت بروحها ومشاعرها عنها، واحتفظت بنفسيتها نقية صافية متألقة، وفهمت بشاعة الكذب فعملت على ألا تكذب، وتعرفت على مواطن الضعف في الخداع فحرصت على ألا تخدع، وملكت أن تخلق لنفسها كياناً خاصاً فجهدت على إبداع ذلك الكيا، وضربت المثل العليا على الأمومة الحانية والزوجية السعيدة المخلصة.
ثم إنها عرفت أيضاً أن عليها أن تقي الإسلام حقه، فمشت مهدية بهداه، تحمل راية التبشير والدعوة إليه، وقد زخرت نفسها بالعقيدة الإسلامية الفياضة، واندفعت في عروقها دماء التضحية والمفاداة، وكانت كلما ادلهمت الخطوب ازدادت حماساً واندفاعاً وإيماناً بقضيتها، فهذه (الزرقاء بنت عدي) تقف بين صفوف المجاهدين تبث روحها ووعيها وتقوم بأداء رسالتها قائلة: (أيها الناس، إنكم في فتنة غشتكم جلابيب الظلم، وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها من فتنة عمياء صماء...) إلى أن تقول: (إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء).
وهذه (أم الخير بنت الحريش) تخطب في الصف الإسلامي المجاهد من أبنائها وأخوانها لتأجج فيهم نار البطولة، وتفجر نور الإيمان، فتقول: (أيها الناس، لولا أن تبطل الحقوق، وتعطل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا للمنايا على خفض العيش وطيبه).
لك الله يا أم الخير، ما أروع كلماتك وأسماها، أنت في هذه الكلمات تلقنين النساء من بناتك المسلمات دروساً في التضحية للمبدأ والعقيدة، فلم يكن اندفاعك الثوري لأجل مكسب رخيص ولا موجة عاطفية مبتذلة، وإنما كان غضبة للحق، وانتصاراً للمثل الإسلامية العليا، وتحدياً للظالمين المنحرفين عن جادة الإسلام السوي، الذين عطلوا الحدود وأبطلوا الحقوق، هكذا كانت المرأة تحتل مركزها اللائق في المجتمع الإسلامي، وتشارك في مسؤوليات الدعوة والتوجيه، وتعتبر نفسها عضواً فعالاً مسؤولاً عن تركيز دعائم الحق وإعلاء كلمة العدل وتباشر مسؤوليتها بالأساليب التي تتفق مع طبيعتها.
ولكن وعلى مر الزمن وتعاقب السنين أخذت المرأة المسلمة تفقد شخصيتها مرة أخرى، وتبتعد عن دورها الذي أتاحه لها الإسلام، وذلك بنتيجة سوء فهم الإسلام والبعد عن روحه من ناحية، وبنتيجة الثقافة الاستعمارية المسمومة التي غزت بلادنا من ناحية أخرى، إذ نشرت مفاهيمها عن المرأة المناقضة للإسلام، والتي لا تنطوي في الحقيقة إلا على القضاء على أصالة المرأة وأنوثتها وكرامتها كأنثى، وهكذا ضاعت المرأة بين الفهم الخاطئ للإسلام والمفاهيم الوافدة من الغرب، وأصبحت المرأة المسلمة بين اثنتين فإما مرأة لا حظ لها من الوجود الاجتماعي، ولا نصيب لها من المساهمة في كل الحقول الاجتماعية والفكرية، وإما امرأة متفرنجة قد تجردت من أنوثتها واعتبرتها شيناً وعاراً، وراحت تزاحم الرجال بمناكبها وتسترجل لتكتسب حقوقها في الحياة العامة والإسلام لا يقر هذا ولا ذاك فلا هو يفرض على المرأة أن تكون كمية مهملة تماماً في الوجود الاجتماعي كله لا لذنب جنته إلا أنوثتها ولا هو يفرض عليها التجرد عن أنوثتها ويعتبر أنوثتها عاراً يجب أن تتخلص منه لتلتحق بقافلة الرجال، بل هو النظام الوحيد الذي أقر للمرأة بخصائصها الطبيعية واعترف بها كأنثى، ثم لم يجعل هذه الأنوثة عيباً أو معيقاً عن حصول المرأة على حقوقها وكرامتها الإنسانية، أو عن مساهمتها في الحياة الفكرية والاجتماعية في حدود العفة والفضيلة، فالإسلام يحفظ للمرأة حقوقها وكرامتها لا إنه يجردها من أنوثتها ليهبها تلك الكرامة كما تصنع الحضارة الغربية.
بنت الهدى
النجف الأشرف
المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الثاني.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com