موقع الصراط ... الموضوع : قراءة في كتاب فحولة الشعراء للأصمعي
 
الخميس - 5 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  قراءة في كتاب فحولة الشعراء للأصمعي  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 6 / رجب / 1436 هـ
     
  بقلم: حسن جميل الربيعي
يعد كتاب فحولة الشعراء للأصمعي هو أول مدوّن نقدي في تاريخ الأدب العربي، وهو مجموعة من الأسئلة حول الشعراء الجاهليين والإسلاميين يوجهها أبو حاتم السجستاني (248هـ) إلى أستاذه عبد الملك بن قريب الأصمعي (216هـ)، ويجيب عليها الأصمعي بجواب مختصر جداً دون أن يحدد سبب الإجابة إلا قليلاً.
والكتاب الذي رواه ابن دريد اللغوي (321هـ) عن أبي حاتم السجستاني عن الأصمعي على صغر حجمه يعد من أهم المصادر في تاريخ الأدب والنقد، ويكتسب هذه الأهمية من أنه أول كتاب وردنا في المجال النقدي، وأن صاحبه هو العالم الناقد اللغوي الراوية، الذي قلَّ أن يأتي كتاب في الأدب دون أن يذكر رأياً من آرائه، وخبراً من أخباراً، ويعدّ حجّة في كثير من القضايا الأدبية لمنزلته الرفيعة في بابي الأدب واللغة، كما أن هذا الكتاب الصغير في حجمه الكبير في مضمونه تعرض إلى ما يقارب من 125 شخصاً من الأعلام والشعراء، وأعطانا رأي الأصمعي في الكثير منهم.

مصطلح الفحولة:
أول ما يواجهنا في هذا الكتاب هو عنوانه (فحولة الشعراء)، والعنوان يتطابق مع المضمون إذ أن الكثير من الأجوبة التي جاء بها الأصمعي هي (فحل) أو (غير فحل)، ولم يحدد معنى دقيق للفحل إلا في جملة مختصرة؛ فقد سأله السجستاني عن معنى الفحل، فأجابه: (يريد أن له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق) ثم قال: وبيت جرير يدلك على هذا(1):
وابن اللبون إذا ما لُزَّ في قرن***لم يستطع صولة البزل القناعيس
ولا بد لنا من مراجعة سريعة للمعاجم للاطلاع على معنى هذين الاسمين أي: الفحل والحقاق.
قال ابن فارس في معنى الفحل: (الفاء والحاء واللام أصل صحيح يدل على ذكارة وقوة، ومن ذلك الفحل من كل شيء، وهو الذكر الباسل، يقال: أفحلته فحلاً إذا أعطيته فحلاً يضرب في إبله، وفحلت إبلي إذا أرسلت فيها فحلها)(2).
وقال الخليل في معنى الحقاق: (الحِقُّ: دون الجذع من الإبل بسنة، وذلك حين يستحق للركوب، والأنثى حِقّة: إذا استحقت الفحل، وجمعه حقاق)(3).
من هذا يتبين أن هذين المصطلحين يتعلقان بالإبل وهما للتمييز بين الذكر والأنثى منهما. ولكن لم يكن الأصمعي أول من استخدم لفظ الفحل على الشعراء المجيدين، فمما يروى أن امرأ القيس وعلقمة الفحل تنازعا في الشعر، كل يدعي أنه أشعر من صاحبه، فحكما بينهما زوج امرئ القيس، فحكمت لعلقمة، وسمي بـ(الفحل) لذلك(5).
وروى الأصمعي عن عيسى بن عمر قال: (قال ذو الرمة للفرزدق: ما لي لا ألحق بكم معاشر الفحول؟ فقال له: لتجافيك عن المدح والهجاء، واقتصارك على الرسوم والديار)(6).
وروى الأصمعي عن رؤبة قال: (الفحولة هم الرواة)(7).
هذا بعض ما روي عن هذا المصطلح، والأصمعي نفسه يحد صفات الفحل من الشعراء، قال: (لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلاً حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني وتدور في مسامعه الألفاظ، وأول ذلك أن يعلم العروض؛ ليكون ميزاناً له على قوله؛ والنحو ليصلح به لسانه وليقيم به إعرابه؛ والنسب وأيام الناس؛ ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو ذم)(8).
ولكن إذا نظرنا إلى هذا النص نرى الصفات التي يجب أن يتميز بها الشاعر الفحل عند الأصمعي، أما إذا رجعنا إلى التعريف الوارد في بداية الكتاب (يريد أن له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق) لرأينا تشبيهاً أطلقه الأصمعي، وهو العلاقة بين الذكر والأنثى من الإبل، ومن مزايا الفحل من الإبل التي يريدها الأصمعي كما يذكر الأستاذ الدكتور حاكم الكريطي: (القوة في القطيع، فالشاعر يجب أن يكون قوياً في شعره... متميز بين أقرانه، فالشاعر يجب أن يكون متميزاً وسط أقرانه، وفحل الإبل يؤثّر في أبنائه، فالشاعر إذن يجب أن يؤثر في غيره من الشعراء، والفحل هو الذي يقود القطيع، فالشاعر الفحل يجب أن يقود الشعراء بما ينتج من شعر)(9).
إذن فهذا الاصطلاح الذي أطلقه الأصمعي جاء بسبب تأثير الحياة البدوية التي عاش فيها كثيراً أثناء جمعه للمفردات العربية وسماعه من الأعراب، فالمصطلح جاء ابن بيئة الأصمعي، يقول الدكتور إحسان عباس: (يعود بنا هذا المصطلح إلى طريقة الخليل بن أحمد في انتخاب الألفاظ الدالة على الشعر من طبيعة الحياة البدوية، فالفحل جملاً كان أو فرساً، يتميز بما يناقض صفة " اللين " التي يكرهها الأصمعي في الشاعر، وبالفحولة يتفوق على ما عداه)(10).
ويقول في موضع آخر من كتابه: (فكان مصطلح الفحولة الذي اختاره الأصمعي... مستمداً من طبيعة حيوان الصحراء قبل أن يكون مستمداً من حقيقة التمايز بين الرجال في هذه الصفة)(11).
إذا تبين هذا نأتي إلى الكتاب لنسجل عليه بعض الظواهر التي برزت فيه:

أولاً: تقسيم الشعراء على درجات:
قسم الأصمعي الشعراء على عدة درجات؛ فمنهم أول الفحول، مثل النابغة الذبياني، فقد سأله السجستاني من أول الفحول، قال: (النابغة الذبياني)(12).
والقسم الثاني هم الفحول، مثل امرئ القيس، الحارث بن حلزة، طفيل الغنوي، أعشى همدان، الشماخ، المسيب بن علس وغيرهم.
القسم الثالث: من هم دون الفحول وفوق غير الفحول مثل ابن أحمر الباهلي الذي قال عنه: (ليس بفحل ولكن دون هؤلاء وفوق طبقته)(13).
القسم الرابع: من شك في كونه فحلاً مثل كعب بن جعيل الذي قال فيه: (أضنه من الفحول ولا أستيقنه)(14).
القسم الخامس: من يشبه الفحول كالأسود بن يعفر النهشلي(15)، وجرادة بن عميلة العنزي(16).
القسم السادس: من هم ليسوا بفحول كلبيد بن ربيعة، وعمرو بن كلثوم وغيرهم.
القسم السابع: فحول الفرسان وهم الشعراء الفرسان كدريد بن الصمة، وجعل قسماً من الفرسان هم أشعر الفرسان ولم يقل إنهم فحول مثل خفاف بن ندبة، وعنترة، والزبرقان بن بدر.
القسم الثامن: من لم يعدهم في الفحول مطلقاً بل تكلم ضدهم كعدي بن زيد الذي قال عنه: (ليس بفحل ولا أنثى)(17)، والأغلب الذي قال عنه: (ليس بفحل، ولا مفلح، وقد أعياني شعره)(18).
القسم التاسع: من عدهم أنهم حجة وفصحاء ولم يقل عنهم إنهم فحول، مثل عمر بن أبي ربيعة، وابن هرمة، وابن أذينة وغيرهم.

ثانياً: المعيار العددي:
اعتمد الأصمعي في مواضع عدة من الكتاب على المعيار العددي في كون الشاعر فحلاً أو غير فحل، وكأنه جعل عدد القصائد التي ينظمها الشاعر هي معيار على فحولته، فقال عن الحويدرة: (لو قال مثل قصيدته خمس قصائد كان فحلاً)، وقال عن ثعلبة بن صعير المازني: (لو قال ثعلبة بن صعير المازني مثل قصيدته خمساً كان فحلاً)، وقال عن معقر البارقي: (لو أتم خمساً أو ستاً لكان فحلاً)، وقال أوس بن غلفاء الهجيمي: (لو كان قال عشرين قصيدة لحق بالفحول ولكنه قطع به)، وقال عن سلامة بن جندل: (لو كان زاد شيئاً كان فحلاً)(19).

ثالثاً: الميل للشعر القديم:
الأصمعي كثيراً ما يميل إلى الشعر القديم وخصوصاً الجاهلي منه، وهذا واضح من خلال الآراء المبثوثة في الكتاب، سأله أبو حاتم عن جرير والفرزدق والأخطل فقال عنهم: (هؤلاء لو كانوا في الجاهلية كان لهم شأن، ولا أقول فيهم شيئاً لأنهم إسلاميون)(20)، وقال عن الأخطل: (لو أدرك الأخطل من الجاهلية يوماً واحداً ما قدمت عليه جاهلياً ولا إسلامياً)(21)، هذا مع إقراره للأخطل بقوة الشاعرية فهو ينشد له عدة أبيات ثم يقول: (من قال لك أن في الدنيا أحداً قال مثلها قبله ولا بعده فلا تصدقه)(21).
وحين يسأله السجستاني عن الراعي وابن مقبل أيهما أشعر، يجبه: (ما أقربهما) قال السجستاني: (لا يقنعنا هذا)، فقال الأصمعي: (الراعي أشبه شعراً بالقديم وبالأول)(22).
وقال عن الكميت بن زيد: (ليس بحجة لأنه مولد وكذلك الطرماح)(23).
والأصمعي متشدد في قبول الشعر المحدث، فالشعر عنده الجاهلي، ثم الإسلامي، وقسم من الأموي، وهو مع شهادته بأن هذا شعر قوي متين إلا أنه لا يستطيع أن يخالف رأيه المنتشر في الشعر المحدث، روى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: (أنشدتُ الأصمعي:
هل إلى نظرة منك سبيلُ***فيبل الصدى ويشفى الغليلُ
إن ما قلَّ منك يكثر عندي***وكثير ممن تحب القليلُ
فقال: والله هذا الديباج الخسرواني، لمن تنشدني؟ فقلت: إنهما لليلتهما، فقال: لا جرم والله إن أثر التكلف فيهما ظاهر)(24).

رابعاً: عدم مخالفته للمشهور:
يتبين لنا هذا من النقطة السابقة وهو يعترف بشاعرية المحدثين ولكنه لا يريد أن يصرح به لكي لا يخالف المشهور، ويتبين لنا من مثال ثانٍ، قال أبو حاتم: (سألته آخر ما سألته قبيلَ موته: من أول الفحول، قال: النابغة الذبياني، ثم قال: ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس:
وقاهم جدّهم ببني أبيهم***وبالأشقين ما كان العقابُ)
قال أبو حاتم: (فلما رآني أكتب كلامه فكر ثم قال: بل أولهم كلهم في الجودة امرؤ القيس له الحظوة والسبق، وكلهم أخذوا من قوله، واتبعوا مذهبه)(25).
فالأصمعي يقر بأن أول الشعراء الفحول هو النابغة، وظن أن كلامه هذا سيسمعه أبا حاتم فقط، فلما رآه يكتب عرف بأنه سينتشر، فذهب إلى الرأي المشهور بأن امرأ القيس هو أولهم، فهو لم يرد خلاف المشهور.

خامساً: المعيار الفني:
اعتمد الأصمعي في عدة مواضع على المعيار الفني لأن يكون الشاعر فحلاً، قال عن امرئ القيس: (ما أرى في الدنيا لأحد مثل قول امرئ القيس:
وقاهم جدّهم ببني أبيهم***وبالأشقين ما كان العقابُ)(26)
وقال عن طفيل الغنوي: (وطفيل عندي في بعض شعره أشعر من امرئ القيس)، وقوله: (ولكن طفيل غاية في النعت وهو فحل)(27)، ويقول عن بشر بن أبي خازم: (سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول قصيدته التي على الراء ألحقته بالفحول:
ألا بان الخيلط ولم يداني***وقلبك في الظعائن مستعار)(28)

سادساً: غلبة الشعر على الشاعر:
حين يطلق الأصمعي لفظ الفحل على الشاعر فهو يريد منه أن تكون الصفة الغالبة عليه هي الشعر، وإذا انتشرت له صفة أخرى فهو لا يعده في الفحول، فحين ذكر عروة بن الورد قال عنه: (شاعر كريم وليس بفحل)(29)، وحين ذكر حاتم الطائي قال: (حاتم إنما يُعدّ بكرم، ولم يقل أنه فحل)(30)، وقال عن زيد الخيل الطائي: (من الفرسان)، وعن سليك بن السلكة ومجموعة من الصعاليك: (ليس من الفحول، ولا من الفرسان، ولكنه من الذين كانوا يغزون فيعدون على أرجلهم فيختلسون، قال: ومثله: ابن براقة الهمداني، ومثله حاجز الثمالي من السرويين، وتأبط شراً واسمه ثابت بن جابر، والشنفرى الأزدي السروي وليس المنتشر منهم، ولكن الأعلم الهذلي منهم، قال: وبالحجاز منهم، وبالسراة أكثر من ثلاثين يعني الذين يعدون على أرجلهم ويختلسون)(31).
فنراه عزل حاتم الطائي لأن الصفة الغالبة عليه هي الكرم، وعزل عروة بن الورد ومجموعة من الصعاليك الشعراء لأنهم اشتهروا بالصعلكة، وعزل الفرسان الشعراء لأنهم اشتهروا بالفروسية، يقول الدكتور حمود حسين يونس: (وأغلب الظن عندي أن استثناء الأصمعي لهذه الفئات الثلاثة من طبقة الفحول، يعود إلى أن أشعارهم لا ترقى بأصحابها إلى درجة الفحول، إذ ليس هناك ما يمنع من أن يكون الشاعر فحلاً في شعره، وفارساً في ميدان الحرب، ولكن غلبة الصفات الأخرى على صفة الشاعرية عند هؤلاء الشعراء لم تكن على ما يبدو غلبة شعره فقط، بل كانت غلبة اهتمام وعناية، فاقت اهتمامهم بالشعر، وعنايتهم به، ومن هنا فإنهم لم ينتجوا أشعاراً تضارع أشعار الفحول، أو تقرب منها حتى يستحق الواحد منهم مرتبة الفحولة، ولو أن أحدهم استطاع أن يوزع اهتمامه ما بين شعره وفروسيته أو كرمه أو ما إلى ذلك، لكان جديراً بالفحولة، مستحقاً لها، كما هو الحال للشاعر الفارس دريد بن الصمة الذي وصفه الأصمعي بقوله: إنه "من فحول الفرسان"، لا بل إنه جعله في بعض شعره أشعر من الذبياني وكاد يغلب الذبياني، وهذا دليل على إمكانية مزاوجة الشاعر بين عملين أو صفتين، ويبرع في كل منهما، فيكون مثلاً شاعراً فحلاً في ميدان الشعر، وفارساً مقداماً في ساحات الوغى(32).

الهوامش:
(1) كتاب فحولة الشعراء: 9 .
(2) معجم مقاييس اللغة: 808 .
(3) كتاب العين: 3/7 .
(4) ينظر: الشعر والشعراء: 1/220 .
(5) الموشح للمرزباني: 173 .
(6) البيان والتبيين: 2/9 .
(7) العمدة: 1/329 .
(8) من محاضرات أستاذنا الدكتور حاكم الكريطي في سنة 2012-2013 .
(9) تاريخ النقد الأدبي عند العرب: 51 .
(10) المصدر نفسه: 22 .
(11) فحولة الشعراء: 9 .
(12) المصدر نفسه: 12.
(13) المصدر نفسه.
(14) المصدر نفسه: 14 .
(15) المصدر نفسه: 15 .
(15) كتاب فحولة الشعراء: 11.
(16) المصدر نفسه: 13 .
(18) ينظر: المصدر نفسه: 12-15 .
(19) المصدر نفسه: 12 .
(20) المصدر نفسه: 13 .
(21) المصدر نفسه .
(22) المصدر نفسه: 12 .
(23) المصدر نفسه: 20 .
(24) الوساطة بين المتنبي وخصومه: 53 .
(25) فحولة الشعراء: 9 .
(26) المصدر نفسه: 9 .
(27) المصدر نفسه: 10 .
(28) فحولة الشعراء: 14 .
(29) المصدر نفسه: 12 .
(30) المصدر نفسه: 14 .
(31) المصدر نفسه: 15 .
(32) في إرهاصات المصطلح النقدي القديم، الفحولة نموذجاً، مجلة التراث العربي، دمشق، العدد: 101 ، 2006
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com