موقع الصراط ... الموضوع : ثورة الحسين (ع) وواقعنا الراهن
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ثورة الحسين (ع) وواقعنا الراهن  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 10 / رجب / 1436 هـ
     
  ما نريده، ونلح على أنه ضروري لنا في مرحلتنا الثورية الراهنة هو أنسنة التأريخ، هو جعله ذا صلة بحياة الإنسان ومطامحه، هو إعداده ليندمج مع الكائن الإنساني في تركيب عضوي متفاعل متكامل، وليس مجرد انعكاس خاوٍ لحياة إنسانية سابقة.
لقد دأب مدونو التأريخ العرب على الاهتمام بالتأريخ الشخصي للملوك والقادة، فسجلوا-بإسهاب عظيم-حروبهم وانتصاراتهم، ومجالس لهوهم، ولم يولوا الجانب الاجتماعي من الحياة الإسلامية-وهو ما يتصل بحياة الأمة-اهتماماً وإن ضئيلاً. ومن هنا أضحى التأريخ عندنا بالنسبة إلى الجماهير مجرد انعكاس لحيوات سابقة لا يسهم في تكوين الشخصية الإنسانية. إنه قد يسهم في إثارة الحماس الخلاق تارة، والغرور المدمر أخرى، ولكنه لا يسهم أبداً في تكوين شخصية إنسانية سوية متكاملة، ترتكز على أصول إنسانية عريقة فلا تفقد محور الارتكاز حين تتعرض لامتحان قاس لا يجتازه إلا الإنسان.. الإنسان...
وإن حقيقتنا الراهنة لتحتم علينا أن نتناول التأريخ تناولاً إنسانياً، تناولاً يتيح له أن يكون عاملاً مطوراً فيما يتعلق بموقنا من الحياة والكون.
إن أمتنا الإسلامية تجتاز في هذه الحقبة أدق وأخطر مرحلة من مراحل كفاحها الطويل عبر العصور، لقد حققت انتصارات باهرة يجب أن تحافظ عليها، وتعمل في الوقت نفسه لتحقيق انتصارات جديدة، وهنا تكمن الخطورة في هذه المرحلة، إنها الآن حين تقنع بالانتصارات التي حققتها وتقعد عن محاولة تحقيق غيرها تتعرض لخطر فقد هذه الانتصارات نفسها؛ ولذلك فيجب أن تُحمى هذه الأمة من نفسها. من تطرق الوهن والاستسلام إليها. يجب ألا ترضى عن نفسها.
هذه واحدة.
وأخرى.. وهي أنها: إذا صممت على السير، ولم تهن، ولم تنكل، يخشى عليها من أن تزيغ وتنحرف في تطورها إذا لم يكن عندها.. في أعماقها محور ترتكز عليه، وترجع إليه، محور نابع من شخصيتها التأريخية، وذاتيتها العقائدية.
وما يؤمنها من نفسها، وما يؤمنها من الزيغ والانحراف في تطورها هو أن تعي تأريخها بعد تطهيره، فتأريخها هي-تأريخ الأمم-ليس تأريخ حروب حكامها وانتصاراتهم، ومجالس لهوهم، وإنما هو تأريخ ثوراتها على هؤلاء الحكام، إن ثورات الأمم هي التي تمثل روحها، ونضالها، وإيمانها، أما الحكام الذين ثارت عليهم فليسوا منها، لو كانوا منها لما ثارت عليهم، لو كانوا منها لأحسوا بعذابها، ولما خلقوا بتصرفاتهم مبررات ثورتها.
إن تأريخ الثورات هو تأريخ الشعوب.
ولكي تبقى هذه الشعوب في يقظة دائمة لئلا تخدع عن انتصاراتها، ولكي تبقى في وعي دائم لعملها التطويري الذي تمارسه يجب أن تكون في ثورة دائمة على أعدائها في الخارج والداخل لتحتفظ بانتصاراتها، وثورة دائمة على نفسها، تتناول نفسها بالنقد، وتفحق موقفها دائماً، لئلا تنحرف وتزيغ، ولكي تبقى في ثورة دائمة تصحح بها أوضاعها من الداخل والخارج يجب أن تلقى تأريخ نفسها، تأريخ ثوراتها.
ففي هذا التأريخ تجد الأساس التأريخي لشخصيتها العقائدية والنضالية، فتعصمها شخصيتها العقائدية من الزيغ والانحراف، وتعصمها شخصيتها النضالية من الوهن والنكول.
ولقد أهمل المؤرخون الأقدمون تأريخ الثورات أو زيفوه؛ لأنهم-بوحي من أنفسهم أو حكامهم-كانوا يعتبرون هذه الثورات حركات تمرد وعصيان ضد السلطة الشرعية.
أما الآن، وقد أصبحت دقة التأريخ بيد هؤلاء الذين صنعوا الثورات، فيجب أن يصحح الوضع، يجب أن يكتب التأريخ النضالي لأمتنا كتابة صحيحة، يجب أن يكشف عن العذاب، والاضطهاد، والجوع الذي كان يدفع بالناس إلى الثورة، إلى الموت، احتجاجاً على واقعهم، يجب أن يكشف عن الشخصية التأريخية لهذه الأمة، ومحور ارتكازها العقائدي والنضالي عبر التأريخ يجب أن يكشف عن مناقبية الثائرين التي كانت تعصمهم دائماً من أن ينقلبوا إلى لصول، أو سفاحي دماء، لا هدف لهم، ولا يشعرون بمسؤوليتهم..
وتأريخ أمتنا النضالي تأريخ مضيء، فالثورات التي قامت بها أمتنا عبر العصور، كانت دائماً تعبر تعبيراً تلقائياً حراً عن هذه الأمة، وعن إنسانيتها، وعن رغبتها الحارة في أن تعيش متمتعة بكافة حقوقها الإنسانية.
وتأتي ثورة الحسين (ع) في كربلاء على رأس هذا التأريخ.
فهي رأس الحربة في التأريخ الثوري، هي الثورة الأولى التي عبأت الناس ودفعت بهم في الطريق الدامي الطويل، طريق النضال، بعد أن كادوا أن يفقدوا روحهم النضالية بفعل سياسة الأمويين.
وهي أغنى ثورة بالعزم والتصميم على المضي في النضال الدامي إلى نهايته أو النصر، فقد عرضت على الثائرين أمتع حياة، ولكنهم أبوا هذه الحياة التي سيسكنون معها على الظلم والعسف وإرهاب الأمة.
وهي ثورة امتحن أبطالها بأقسى ما امتحن به الثائرون على مدى التأريخ، فلم يهنوا، ولم ينكلوا بل ثبتوا-رغم كل شيء-ثائرين إلى اللحظة التي توجوا فيها عملهم العظيم بسقوطهم صرعى في سبيل مبدئهم الحق، وهي أنبل ثورة قام بها جماعة من الناس، فإن الثائرين بكربلاء لم يستهدفوا من ثورتهم تحرير مجتمعهم من الطغاة الذين كانوا يسومونه العذاب، ويجرعونه المصاب.
ومن هنا تأتي أهميتها التأريخية والتطويرية.
من أنها النموذج المحتذى، النموذج الذي جاء كاملاً، والذي يجب أن يستوحى.
وحيث كانت بهذه المثابة، وجب أن تنال عناية خاصة من القيمين على شأن الكلمة عندنا، فعلى هؤلاء-وهم القوة المطورة والقائدة في الأمة-أن يهتموا اهتماماً جدياً بهذه الثورة: بشرح الدور الذي أسهمت به في تغذية روح النضال وإلهابها، وبالكشف عن مناقبيتها التي بشرت بها، وبإحلالها في محلها اللائق بها من تأريخنا الثوري.
وإن أدوات الأداء الحديثة لتتيح إمكانات لأحد لها لاستخدام تأريخنا الثوري في تطوير مجتمعنا، وفي إبراز شخصيته التأريخية لعينيه، ليعمل على تركيز نضاله الحديث على الأسس التأريخية والعقائدية لحركته النضالية الكبرى عبر العصور.

الأضواء
المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الثالث
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com