موقع الصراط ... الموضوع : من هدى القرآن-3
 
الإثنين - 9 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من هدى القرآن-3  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 10 / رجب / 1436 هـ
     
  بقلم السيد محمد جمال الهاشمي
إن حمد الكائنات للمكون ليس إلا شكرها لنعمه وآلائه، وبما أنك أيها الإنسان خلاصة عالم التكوين، والأعجوبة الكونية في الحياة؛ لذلك يلزمك أن تتدبر جيداً في عناصرك وأجهزتك، وفي الملابسات التي يمر عليها وجودك، وكيف اكتمل هيكلك الجميل على هذا الاتساق والانسجام الذي بلغ منتهى الدقة والروعة، بحيث لو اختل عرق فيه أو اضطرب عنصر منه لاختل وجودك، بل ولربما انعدمت بسببه حياتك، إنك لو تدبرت جوك الذي تعيش فيه، وما اشتمل عليه من عناصر الحياة كالماء والهواء والطعام والكساء، وكيف تتكون هذه العناصر من دون أن تحتاج إلى معونتك ومساعدتك، إن الطاقات الحية كلها خارجة عن حريم إدراكك وإرادتك، إن هذه العناصر وما تحتاجه من الملابسات الجوية والأرضية والتي تجهز حياتك بموادها، بحيث لو اختل جزيء منها لاختل جهاز حياتك وتعطل عن العمل والإنتاج.
إن الذي يمد هذه العناصر بما تحتاجه من المواد، والتي يؤول ثمرها إليك، فهي تعمل لتجهزك بالحياة فالحياة فيض منه، إن هذا الفيض لو تأخر عنك لحظة واحدة لتلاشى وجودك، فهو يمدك أبداً، وأنت فقير إليه دائماً، ففيضه إليك كفقرك إليه متسلسل في أيام حياتك، ولا شك بأن شكر المنهم وحمده مما يفرضه العقل ويحكم بوجوبه الوجدان، فإذا كانت نعمه متسلسلة، وكان لكل نعمة شكر مستقل يلزمك أن يتسلسل شكرك له بتسلسل نعمه، بل إنك لو فكرت جيداً لرأيت شكرك له نعمة مستقلة تحتاج إلى شكر مستقل، وبهذه التصفية الدقيقة تحكم بقصورك عن شكر هذا المنعم الجبار، ولكنك لو عرفت أن شعورك بهذا القصور هو الشكر المنشود لقرت هواجس شعورك الواعي.. إن نعم هذا المنعم لا تنحصر في أجهزة الكون فقط، بل له عليك نعمة أخرى ربما سبقت هذه النعم كلها.. أفتدري يا أخي ما هي تلك النعمة، إنها نعمة التوجيه إلى الكمال الإنساني إن الله الرؤوف بعباده قد تفضل على البشرية فأرسل إليها رجالاً زودهم بطاقات شحن موادها من العالم الإلهي، فكانوا يتجاوزون حدود العالم المنظور ليتصلوا بالعالم المحجوب، فيتصرفون بوسيلته في جهاز الطبيعة، ولقد بلغ قمة هرم النبوة نبينا الأكرم محمد (ص)، وعرج في طاقته الإلهية إلى منزلة وقف على أبوابها جبرئيل وهو يقول: (لو دنوت أنملة لاحترقت).
وقد انتهت بتلك المرتبة الرسالة الإلهية، فلا رسول بعده، ولا نظام للسماء أكمل ولا أشمل من نظامه، إن المنعم الرؤوف قد خص هذه الأمة بمثل هذا الموجه العظيم، والتوجيه نعمة تتفاوت عظمتها بتفاوت عظمة الموجه، وبما أن موجهنا أعظم موجهي البشرية طيلة القرون والأجيال كان توجيهه أعظم نعمة تفضل بها الله على أمة من الأمم، فالواجب الإنساني يقضي على أفراد هذه الأمة أن تحمد المنهم بمراتب الحمد الثلاث، تحمده بالقلب فلا تختلج عواطفه بغير ما شرعه الله في الإسلام، وتحمده بالأعضاء فلا تشغلها بغير ما وجهها إليه الإسلام، وتحمده بلسانها فلا تدعو إلا إلى ما دعا إليه الإسلام، إن نعمة التوجيه أعظم نعم الله؛ لن الإنسان لولاها لما تمكن أن يسير بموكب الإنسانية فيصل به إلى ما تعجز عن إدراكه الملائكة.. فالحمد لله على الإسلام.

((رَبّ الْعَالَمينَ))
والرب هو السيد المطاع، والراعي الموجه، والمربي الحكيم، والله جل وعلا تجتمع فيه هذه العناوين الثلاثة، فهو سيد العالمين يرعاها برعايته، ويربيها بتوجيهاته، إن سنة التطور المستودعة في الطبيعة والتي بوسيلتها تتكيف أجواء الحيوان، وبتكيفها تتكامل الموجودات، فللصيف وللشتاء وللربيع وللخريف، لكل فصل من هذه الفصول الأربعة أثر حيوي في ساير الأحياء العائشة في عوالم هذا العالم، بحيث لو تأخر فصل منها عن وقته المحدد لتأثرت منه الأحياء، فكيف لو انعدم ذلك ولا شك بأن نتيجة انعدامه هي انعدام المواد الحية التي تستخرجها الطبيعة من العناصر في سيرها الزمني.
ولما كان استيعاب حياة الأحياء العائشة في هذا العالم الطبيعي يحتاج إلى مؤلف خاص ربما يعادل مؤلفنا هذا بمرات لذلك اكتفينا عنه بالإشارة إلى سنة التطور المودوعة في الإنسان.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الثالث
يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com