موقع الصراط ... الموضوع : زينب الحوراء (ع) ودورها في ثورة الحسين (ع)
 
السبت - 4 / شعبان / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  زينب الحوراء (ع) ودورها في ثورة الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 14 / رجب / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
ضمّت واقعة الطف من جميع الشرائح الاجتماعية رجالاً ونساءً، عبيداً وأحراراً، شيباً وشباناً... كما شملت جميع الأبعاد الرسالية، وتجسّدت فيها أروع صور التضحية والفداء، والشجاعة والإباء من جانب، ومن جانب آخر برزت فيها أبشع وأفظع صور التوحّش, والخروج عن الحدود الإنسانية, وظهرت الخسّة بأحط درجاتها ما لم تعرف البشرية له نظير...
وقد كان للمرأة دور فاعل ومؤثر في هذه الواقعة منذ خرج الحسين (ع) من المدينة إلى ساعة استشهاده كما قامت بذلك الحوراء زينب سلام الله عليها, ومن خلال تتبع أحداث الطف (سنجد أنَّ للمرأة في هذه الثورة الكبيرة دوراً بارزاً مشرفاً ظهر بشكل ملفت النظر حقاً... وحتّى المرأة الكوفية التي تخاذلَ رجلُها واستسلم وتراجع وآثر الانحياز في النهاية إلى جانب ابن زياد, كانت تقف موقفاً عظيماً لم يتح لكثيرين من الرجال أن يقفوه، حتى لقد فاقت كثيرات منهنّ الرجال الشجعان أنفسهم)(1).
ولنقف قليلاً عند بعض مواقف نساء الطف لنثبت دور المرأة البارز فيها.
الحوراء زينب (ع):

يبدوا لنا جلياً من خلال تتبّع حياة هذه المرأة العظيمة, والتي كان لها الدور البارز في واقعة عاشوراء ابتداءً واستمراراً ... أنها كانت مُعَدَّةٌ إعداداً إلهياً خاصاً للقيام بهذا الدور العظيم الذي حفظ الإسلام من التحريف, بل من الانقراض والفناء... فقد ذكر المؤرخون أنَّ النبي (ص) حين علم بمولد زينب سلام الله عليها وجم، وبكى، وضَّمها إلى صدره, وهو يوسعها تقبيلاً، حتّى أثار ذلك عجب أمها سيدة نساء العالمين (ع)، فقالت: (ما يبكيك يا أبتي؟ لا أبكى الله لك عيناً)، فأجابها بصوت حزين النبرات: (يا فاطمة، اعلمي أنَّ هذه البنت بعدي وبعدك سوف تنصبّ عليها المصائب والرزايا)(2).
وكأنَّ الرسول الأكرم (ص) يقرأ مستقبل الإسلام, ويعلم ما سوف تواجهه من عقبات وشدائد ومحن... وقد روى الترمذي في صحيحه أنَّ الحوراء زينب جاءت إلى جدّها الأمين (ص), فقالت: (يا جدّاه، رأيت رؤيا البارحة), فقال (ص): (قصّيها عليَّ)، فقالت: (رأيت ريحاً عاصفاً اسودّت الدنيا منها وأظلمت، ففزعتُ إلى شجرة عظيمة فتعلّقت بها من شدّة العاصفة, فقلعتها الرياح, وألقتها على الأرض, فتعلقتُ بغصنٍ قويّ من تلك الشجرة فقطعتها الرياح، فتعلقت بفرع آخر فكسرته الرياح أيضاً، وسارعتُ فتعلّقتُ بأحد فرعين من فروعهما فكسرته العاصفة أيضاً, ثم استيقظت من نومي)، فأجهش النبي (ص) بالبكاء, وفسّر لها رؤياها قائلاً: (أما الشجرّة: فجدك، وأما الفرع الأول: فأمّك فاطمة, والثاني أبوك عليّ، والفرعان الآخران هما: أخواك الحسنان تَسْوَدُّ الدنيا لفقدهم, وتلبسين الحداد في رزيتهم)(3).
ومن عناية أمير المؤمنين (ع) بابنته الحوراء أنَّه كان يطفئ مصابيح الضريح المقدس للنبي الأكرم (ص) عند زيارتها له، فقد حَدَّث يحيى المازني قائلاً: (كنتُ في جوار أمير المؤمنين (ع) في المدينة مدة مديدة، وبالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة جدِّها رسول الله (ص) تخرج ليلاً, والحسن عن يمينها، والحسين عن شمالها، وأمير المؤمنين (ع) أمامها، فإذا قربت من القبر الشريف سبقها أمير المؤمنين (ع)، فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن (ع) مرة عن ذلك، فقال (ع): أخشى أن ينظر أحدٌ إلى شخص أختك زينب)(4).
وفي بعض الروايات: (إنَّ الحسين (ع) كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها، وكان يجلسها في مكانه)(5).
وهكذا يتضح لنا أنّ العناية الفائقة التي حظيت بها عقيلة بني هاشم من قبل جدِّها وأبيها وأخويها في جميع مراحل حياتها كانت تهدف إلى إعدادها إعداداً رسالياً لتحمّل المسؤولية الكبيرة التي ستناط بها في مستقبل أيامها، وما هذا الاهتمام الشديد إلا لِعَظَم المسؤولية التي ستتحملها في مواجهة الأخطار التي ستواجه الرسالة، وتقف عقبة في طريق حركتها، فإنّنا نعلم أنّ اهتمامات رسول الله (ص) وأهل بيتها الطاهرين (ع) لم تكن اهتمامات ذاتية عاطفية, وإنّما هي اهتمامات رسالية مبدئية.
نشأت الحوراء زينب (ع) في مدرسة الوحي ترفل بالعناية الإلهية من قبل جدها, وأبيها, وأمها, وأخويها تنهل من فيض علومهم، وتحاكي سلوكهم، وتتخلق بأخلاقهم، فقد كانوا يزقّونها العلم زقّاً، وترتشف من فيض بحرهم الطافح بالعلم والإيمان، والعمل... وهكذا (رضعت لبان الوحي من ثدي الزهراء البتول، وغُذّيَت بغذاء الكرامة من كفّ ابن عم الرسول، فنشأت نشأت قدسية، وربيت تربية روحانية، متجلببة جلابيب الجلال والعظمة، متردية رداء العفاف والحشمة، فالخمسة أصحاب العباء (ع) هم الذين قاموا بتربيتها، وتثقيفها، وتهذيبها، وكفاك بهم مؤدبين ومعلمين)(6).
ولهذا فلا مبالغة إذا قلنا بأنّها جمعت كل صفات الكمال التي ورثتها من ذويها الكرام صلوات الله عليهم أجمعين, ومما يدلّ على ذلك قوّة شخصيتها، وتماسكها واتّزانها في أشدّ المحن, وأفظع المصائب، وقد وصفها العلماء، والكتّاب، والمؤرخون، بأسمى آيات الجلال، والكمال، قال السيد أبو القاسم الخوئي:
(أقول: إنها شريكة أخيها الحسين (ع) في الذبّ عن الإسلام، والجهاد في سبيل الله، والدفاع عن شريعة جدّها سيد المرسلين، فتراها في الفصاحة كأنّها تفرغ عن لسان أبيها, وتراها في الثبات تنبئ عن ثبات أبيها، لا تخضع عند الجبابرة، ولا تخشى غير الله سبحانه، تقول حقّاً وصدقاً، لا تحركها العواصف، ولا تزيلها القواصف، فحقّاً هي أخت الحسين (ع)، وشريكته في سبيل عقيدته، وجهاده)(7).
وقال ابن الأثير: (زينب بنت علي بن أبي طالب... أدركت النبي (ص)، وولدت في حياته، ولم تلد فاطمة بنت رسول الله (ص) بعد وفاته شيئاً. وكانت زينب امرأة عاقلة، لبيبة، جَزْلة، زَوَّجَها أبوها عليٌ رضي الله عنهما من عبد الله بن أخيه جعفر، فولدت له علياً، وعوناً الأكبر، وعباساً، و[من أولاد عبد الله بن جعفر] محمداً(8)، وأم كلثوم، وكانت مع أخيها الحسين رضي الله عنه لما قتل، وحُملت إلى دمشق، وحضرت عند يزيد بن معاوية، وكلامها ليزيد حين طلب الشاميّ أختها فاطمة بنت علي من يزيد مشهور مذكور في التواريخ، وهو يدلّ على عقل، وقوة جَنَان)(9).
وقال العلامة البرغاني في "مجالس المؤمنين": (إن المقامات العرفانية الخاصّة بزينب (ع) تقرب من مقامات الإمامة)(10).
وقال آخر: (كانت زينب الكبرى في البلاغة والزهد، والتدبير والشجاعة، قرينة أبيها وأمها (ع)؛ فإن انتظام أمور أهل البيت (ع)، بل الهاشميين بعد شهادة الحسين (ع) كان برأيها وتدبيرها)(11). وقال الأستاذ قاسم حسن في كتابه السيدة زينب (ع): (السيدة الطاهرة الزكيّة بنت الإمام علي بن أبي طالب ابن عمّ الرسول وشقيقة ريحانتيه، لها أشرف نسب وأجل حسب، وأكمل وأطهر قلب، فكأنها صيغت في قالب ضمخ بعطر الفضائل، فالمستجلي آثارها يتمثّل أمام عينيه رمز الحقّ، رمز الفضيلة، رمز الشجاعة، رمز المروءة، فصاحة اللسان، قوّة الجنان، مثال الزهد والورع، مثال العفاف والشهامة، إنَّ في ذلك لعبرة)(12).
ومن أمثلة زهدها ما روي عن الإمام السجاد (ع): (أنّها صلوات الله عليها ما ادّخرت شيئاً من يومها لغدها أبداً)(13).
ولجلالة قدرها كان ابن عباس عندما يروي عنها يقول: (حدّثتني عقيلتنا زينب بنت علي)(14).
وعلى كلّ حال فكلما قيل فيها فهو دون حقّها وقدرها، وكيف لا وهي ربيبة الوحي، حملت بين جنبيها روح جدّها الطاهر، وقوّة أبيها المرتضى، وحِلْم أخيها الحسن، وإباء أخيها الحسين، وتحملت مصائب أمها وزيادة، فقابلتها بصبر أبيها، فلا نبالغ إذا قلنا: بأنها اتصفت بكلّ ما اتّصف به ذووها من صفات الكمال، وتحمّلت كلّ المصائب التي مرّت عليهم، فحفظت رسالتهم من التحريف، والأمّة من الانحراف، حين وضعتها على جادّة الصواب، وأعادت لها روح الثورة والتحدي، والرفض، بما أوضحت لها من مناهج البقاء, وسبل النجاة, فكانت حقّاً شريكة الحسين في ثورته، ومتمِّمة لمسيرته.
وتشاطرت هي والحسين بدعوة ***حتم القضاء عليهما أن يندبا
هذا بمشتبك النصول وهذه *** في حيث معترك المكاره في السبا
وحقاً ما صاغه شاعرهم السيد الهندي رحمه الله على لسانها(15):
جرى ما جرى في كربلاء وعينها ***ترى ما جرى مما يذوب له الصخر
لقد أبصرت جسم الحسين موزعاً***فجاءت بصبر دون مفهومه الصبرُ
رأته ونادت يا ابن أمي ووالدي***لك القتل مكتوب ولي كتب الأسر

عالمة غير مُعَلَّمَة :
كانت الحوراء زينب (ع) ذات مستوى علمي رفيع وضعها في مستوى المسؤولية التي أنيطت بها, وقد أكّد ذلك الإمام زين العابدين (ع) بشهادته لها حين قال: (أنتِ بحمد الله عالمة غير مُعَلَّمَةٌ، فَهِمَة غير مُفَهَّمَة)(16).
ومعنى ذلك بما أنّها عاشت في رحاب بيت النبوة الذي جسّد الإيمان والعلم والعمل سلوكاً أخلاقياً وعقائدياً, وجعله شاخصاً مُتَمثّلاً بهم، وبما أنّها تميّزت بذكاء فائق، ورثته من جدِّها وأبيها وأمها, وتلقَّت العلم منهم مباشرة بدون أن تتلمذ على يد أستاذ، أي: (مادة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرفيع أفيض عليها إلهاماً لا بتخرج على أستاذ وأخذ عن مشيخة)(17).
ولعلمها الغزير، وإيمانها الراسخ، ووعيها الرسالي الرفيع، كانت لها نيابة خاصة عن الحسين (ع)، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتّى برئ الإمام السجاد (ع)، وكان ما يخرج عنه (ع) من علم ينسب إليها ستراً على الإمام من كيد الطغاة(18)، وقال الطبرسي: (إنّها (ع) روت أخباراً كثيرة عن أمّها الزهراء)(19)، كما أكّد ذلك السيد الخوئي فقال: (روت عن أمها سلام الله عليها وروى عنها جابر)(20).
وقال العلامة النقدي: (وعن عماد المحدثين: إنَّ زينب الكبرى كانت تروي عن أمّها وأبيها وأخويها, وعن أم سلمة, وأم هاني, وغيرهما من النساء، وممن روى عنها ابن عباس, وعلي بن الحسين (ع)، وعبد الله بن جعفر، وفاطمة بنت الحسين الصغرى، وغيرهم)(21).
وقد ذكر كتّاب السير: (أنَّ العقيلة (ع) كان لها مجلس خاص لتفسير القرآن تحضره النساء)(22).
ولا عجب من ذلك؛ فإنَّها ولدت, وتربت في كل أدوار حياتها في مدرسة القرآن الذي عاشته مجسّداً في ذويها بكل نفسٍ تنفَّسوه, وكل خطوة خطوها...
وكل ما تميّزت به الحوراء من علم, وعمل, وتحمّل للمصائب هو نتاج عمق معرفتها لله، وإيمانها، وذوبانها في حبّه, تقول صلوات الله عليها: (من أراد أن يكون الخلق شفعاءه إلى الله فليحمده، ألم تسمع إلى قولهم: سمع الله لمن حمده، فَخِف الله لقدرته عليك, واستحِ منه لقربه منك)(23).
وقد تجلّت في زينب شخصية جدّها وأبيها وأمها وأخويها, وظهر ذلك واضحاً في عبادتها لله تعالى, فقد عرفت بكثرة العبادة حتى سميت (عابدة آل علي)، وكانت تقوم الليل, بل حتى ليلة الحادي عشر من المحرم بما فيها من مصائب اهتزّت الجبال الرواسي لها, وبكت السماء دماً منها، وما قلب حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم عبيط، ورغم ذلك كلّه كانت الحوراء زينب تؤدي وِرْدَها ونوافلها بكل اطمئنان, وتوجّه، وقد أحسن الكاتب الإسلامي الفذ العلامة محمد جواد مغنية (رحمه الله) حين كتب في كتابه "الحسين وبطلة كربلاء":
(ولا تأخذك الدهشة أيها القارئ إذا قلت: إنَّ صلاة السيدة زينب ليلة الحادي عشر من المحرم كانت شكراً لله على ما أنعم، وأنّها كانت تنظر إلى تلك الأحداث على أنّها نعمة خصَّ الله بها أهل بيت النبوة، من دون الناس أجمعين، وأنَّه لولاها لما كانت لهم هذه المنازل والمراتب عند الله والناس... وزينب هي بنت أمير المؤمنين (ع) لا تعدوه في إيمانها ولا في نظرها إلى طريق الخلود والكرامة.. ولذا لم تترك الصلاة شكراً لله، حتى ليلة الحادي عشر من المحرم، وحين مسيرها مسبية إلى الكوفة والشام، وحمدت الله وهي أسيرة في مجلس يزيد على أن ختم الله للأول من أهل البيت بالسعادة, وللآخر بالشهادة والرحمة)(24).
ونتيجة هذا الوعي الإيماني استطاعت الحوراء زينب أن تؤدي الدور الذي أنيط بها من قبل جدِّها وأبيها, وأن تواصل ثورة أخيها, وتحقّق جميع أهدافها بصورة مذهلة تقف عندها العقول والقلوب.
وقد استطاعت وهي أسيرة بأوحش صور السبي والأسر، أن تهزّ عروش الظالمين، وتحطّم كبرياء الطغاة، وتعلن الحقّ في قلاع الكفر، وترفع صوت الإسلام المحمّدي عالياً في ظروف كُمَّتْ فيها الأفواه، وأخضعت فيها الرؤوس تحت سطوة السيوف التي استمرّت تقطر دماً بلا توقف تقمع كل صوت حر يرتفع، فأيَّ قدرة تميزت بها الحوراء؟! حتى استطاعت أن تحفظ رسالة الله, وتعيدها إلى مجراها الذي وضعها الله فيه, وتنسف كل ما بناه معاوية، ويزيد، ومن خطّط لهما على المدى الطويل.
تقول الدكتورة بنت الشاطئ: (لم تمضِ زينب إلا بعد أن أفسدت على (ابن زياد, ويزيد، وبني أمية) لذة النصر، وسَكِبَتْ قطرات من السمّ الزعاف في كؤوس الظافرين! فكانت فرحة لم تطل.. وكان نصراً مؤقتاً لم يلبث أن أفضى إلى هزيمة قضت آخر الأمر على دولة بني أمية)(25).
وإنّ كل الأحداث السياسية التي ترتَّبت بعد ذلك من خروج المختار، وثورة ابن الزبير، وسقوط الدولة الأموية، وقيام الدولة العباسية، ثم تأصل مذهب الشيعة إنما كانت زينب باعثة ذلك ومثيرته(26).

مواقف مذهلة:
لو تأملنا ببعض مواقف الحوراء زينب الساخنة لعرفنا مدى القدرة والمعنوية التي تميّزت بها هذه البطلة المؤمنة، ولا عجب من ذلك إذا ما أدركنا (أنّها كانت نتاج تربية أمير المؤمنين (ع)، وأنّها كانت تتمتع بالوعي الرسالي والإدراك والعلم الذي تلقته من مصدره الصحيح، أدركنا أيضاً أن غيرها ما كان ليقدر على القيام بالمهام العديدة التي أخذتها على عاتقها القيام بها, ومنها الحفاظ على النساء والأطفال، والقيام بمهمة الإعلام المضاد لدولة الانحراف الأموية اليزيدية، وقد نجحت حقّاً بلفت الأنظار إلى قضية الحسين (ع) كقضية للأمة المسلمة, وأنّ الحسين (ع) إنّما كان يدافع عنها, ويحرص على وجودها كأمّة إسلامية لا كأمة دون هوية، ودون رسالة كبيرة، كرسالة الإسلام التي حملتها ثمّ أرادت القيادات المنحرفة لها أن تتخلى عنها)(27).
إنَّ المصائبَ التي مرّت عليها وثبتت أمامها لو مرت على الجبال لفتتها, وعلى البحار لبخرتها... امرأة ذات عواطف جياشة ترى بأُمّ أعينها أعزّ خلق الله عليها من أخوتها وبنيها يُقَتَّلونَ أمام أعينها, ثم لا يكتفى بذلك, بل تُقطع الرؤوس، وتُرفع على الرماح, ويمثل بالأجساد... مع شدّة العطش الذي يفتت الأكباد، وصراخ الأطفال، وعويل النساء، وهجوم الأعداء، مع خسّتهم وقسوتهم, واشتعال النيران في الخيام. رغم كلّ ذلك تقف متماسكة متوازنة، لم تفقد صوابها, ولم تخرج عن اتّزانها, وتحافظ على وعيها، وتدير المعركة بكلّ جدارة... إنَّ هذا حقاً لأمر مذهل تعجز عنه الرجال من أولياء الله فضلاً عن النساء، ولا غرابة في ذلك، فقد أُعدِّت لتلك المهمة في مدرسة الوحي على يد جدّها وأبيها(28):
بأبي التي ورثت مصائب أمها***فغدت تقابلها بصبر أبيها
لم تلهَ عن جمع العيال وحفظهم***بفراق أخوتها وفقد بنيها
وبذلك أصبحت مظهراً لقدرة الله تعالى التي تتجلى في عباده الصابرين, وتجلّياً لشخصية محمّد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين...
ولهذا فإنَّنا نشكك في الرواية التي تقول: إنّها حين سمعت أخاها ينعى نفسه في ليلة التاسع من محرم عمدت إلى جيبها فشقته، ولطمت وجهها، وخرّت إلى الأرض مغشياً عليها... فإنَّ من يدرك شخصية زينب (ع) في إيمانها، وتسليمها لله، وذوبانها في حبّه، واستجابتها لأمره في ساعة العسرة - وأيّة عسرة وما أدراك ما تلك العسرة - لا يمكن أن يصدق ذلك في زينب (التي فاقت الفوارس في الشجاعة، واتّخذت طول حياتها تقوى الله بضاعة، وكان لسانها الرطب بذكر الله على الظالمين غضباً، ولأهل الحق عيناً معيناً، كريمة الدارين، وشقيقة الحسنين، بنت البتول الزهراء التي فضلها الله على النساء، وجعلها عند أهل العزم أم العزائم، وعند أهل الجود والكرم أم هاشم)(29).
كما لا يعقل, ولا يُقبل أنَّ زينب التي اتّسمت بالصبر بأعلى درجاته, وبالزهد بأسمى مراتبه, وبالتسليم المطلق لله أن تخالف وصية أخيها حين قال لها: (يا أختاه، يا أم كلثوم، وأنت يا زينب، وأنت يا فاطمة، وأنت يا رباب، انظرن، إذا أنا قتلت فلا تشققْنَ عليَّ جيباً، ولا تَخْمُشْنَ عليَّ وجهاً، ولا تقلنَ هجراً)(30).
وفي تاريخ أبي مخنف أنه قال لها: (يا أُخَيّة، إني أقسم عليك فأبرّي قسمي، لا تشقّي عليَّ جيباً, ولا تخمشي عليَّ وجهاً, ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور إذا أنا هلكتُ)(31).
فهل يمكن لزينب أن تنسى وصية أخيها, وتتصرّف بهذا التصرف الذي يتنافى مع ما جبلت, وتربت عليه، فإن قيل: إن هذا كان قبل الوصية لها، نقول: إن ذلك يتنافى مع قوة شخصية زينب (ع)، (وما نحسب أنَّ زينب وإن كان وقع المصيبة هائلاً عليها تفقد صوابها, وتنسى كلمات أخيها بخصوص الصبر والتجلد, وقد استجابت لها فعلاً، وكان دورها كبيراً في الحفاظ على موكب الأطفال والنساء، وفي لفت الأنظار إلى أبعاد المعركة كلّها وجناية النظام الحاكم على الأمّة كلّها لا على الحسين وأصحابه وحدهم)(32).
ثم إذا كانت يغشى عليها وتفقد وعيها بمجرد أن ينعى الحسين (ع) لها نفسه، فكيف تحملت وهي تراه وحيداً بين الأعداء، وقد تناوشته السهام والرماح من كلّ جانب.
وعلى كلّ حال زينب أكبر وأسمى من أن تنهار، أو تجزع، أو تتراجع؛ فهي بنت من تكسّرت على صخرة صبره أمواج المصائب والفتن، وهي سلام الله عليها قد واكبت كل مصائب آل العبا، فأين يكون الجزع من هذا؟!
(وهذه الصديقة الطاهرة قد رأت من المصائب والنوائب ما لو نزلت على الجبال الراسيات لانفسخت، واندكّت جوانبها, لكنّها في كلّ ذلك كانت تصبر الصبر الجميل كما هو معلوم لكلّ من درس حياتها، وأول مصيبة دهمتها هو فقدها جدّها النبي (ص)، وما لاقى أهلها بعده من المكاره، ثم فقدها أمها الكريمة بنت رسول الله بعد مرض شديد، وكدر من العيش، والاعتكاف في بيت الأحزان)(33).
كما شاهدت بعينها كيف كان أبوها يعاني من مكائد القوم طيلة ربع قرن، ورأته يجود بنفسه حين نزل إلى رأسه سيف الغدر والخيانة، وولج السمّ إلى جسمه.
(ثم فقدها أخاها المجتبى مسموماً تنظر إليه، وهو يتقيأ كبده في الطست قطعة قطعة, وبعد موته تُرشق جنازته بالسهام، ثم رؤيتها أخاها الحسين (ع) تتقاذف به البلاد، حتى نزل كربلاء, وهناك دهمتها الكوارث العظام من قتله (ع) وقتل بقية أخوتها وأولادهم، وأولاد عمومتها، وخواص الأمّة من شيعة أبيها عطاشى, ثم المحن التي لاقتها من هجوم أعداء الله على رحلها... وهي مع ذلك كلّه صابرة محتسبة ومفوضة أمرها إلى الله تعالى قائمة بوظائف شاقّة...)(34).
ولنمرّ سريعاً على بعض مواقفها العظيمة، والتي لا تزال آثارها ترنّ في مسامع الأجيال, ونذكر من تلك المواقف موقفها حين رأت أخاها وحيداً فريداً تتناوشه سهام الغدر, وسيوف الظلم إلى أن سقط على الأرض يجود بنفسه، والأعداء تحيط به من كلّ جانب، (أيّ هول كانت ترى زينب، وأيّة آلام هائلة كانت تعاني؟ فمشهد الإمام الوحيد الجريح, وهو يغالب حشد الأعداء, ويقاومهم ويقف بوجوههم بذلك الصبر والثبات، يتقي سيوفهم ورماحهم ونبالهم، ويشدّ على فرسانهم وهو يقاتل على رجليه، ثم يتلقى بعد ذلك عشرات من الطعنات الغادرة، كان فوق طاقتها حتى وإن كانت هي زينب ابنة أمير المؤمنين (ع)، فهل ملكَ رسول الله (ص) نفسه دموعه وهو يرى ما سيجري على ولده في كربلاء، حتى تملكها زينب فلا تفيض، ولا تنطلق محاولةً إنقاذ أخيها, واستنهاض ما مات من غيرة, وشهامة في نفوس أولئك الذين ادّعوا أنهم من محبّي وموالي رسول الله (ص) ؟
كان الحسين (ع) في تلك الحال إذ خرجت زينب.. وهي تقول: ليت السماء تطابقت على الأرض.. وا أخاه، وا سيداه، وا أهل بيتاه.
وقد دنا عمر بن سعد من الحسين (ع), فقالت: يا عمر بن سعد, أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه, فدمعت عيناه وهي تسيل على خدّه ولحيته، وصرف بوجهه عنها، ولم يجبها بشيء، فنادت: ويلكم أما فيكم مسلم, فلم يجبها أحد بشيء)(35).

اللهم تَقَبَّلْ منّا هذا القربان !!
إنَّ القلمَ ليجف، واللسانَ ليخرس، والقلوبَ لترتجف عند هذه العبارة إذا وعينا الظرف الذي قيلت فيه... (أيّة كلمة على قصرها أبلغ من هذه الفقرة القصيرة، الكبيرة بمضمونها، واهتزَّ المشاهدون لهذا الموقف، فزينب لم تصرخ، ولم تبكِ، إنّما قصدت جسد أخيها؛ لتدعو الله أن يتقبل من هذا البيت الطاهر قربان العقيدة، وفداء الإيمان...
(اللهمَّ تَقَبَّلْ منّا هذا القربان).. وهذه الكلمة التي سمّرت قائد الجيش الأموي عمر بن سعد، وأذهلته، وأفقدته وعيه، وحتى ذلك الفظّ الجلف شمر بن ذي الجوشن فقد أشاح بوجهه عنها، ومهما حاول المشاهدون بالتظاهر باللامبالاة، لكنّ العوامل النفسية بدأت تتصارع في أعماقهم، ولا نقول: إنَّ ضمائرهم تحرّكت، فضمائرهم قد احتضرت منذ تحرّكهم للمعركة)(36).
إنّها كلمة الشكر لله تعالى، والتحدّي للظالمين، وبيان لقيمة العقيدة التي يجب أن يقدم المؤمن من أجلها كلّ شيء، ولو كان ذلك المُقَدَّم دم رسول الله (ص)، فليس هناك من دم أغلى وأقدس من دم الحسين (ع) الذي هو دم رسول الله (ص)؛ لأنَّ الحسين من رسول الله، ورسول الله من الحسين.
(حسين مني وأنا من حسين)(37).
إنَّ امرأة تقف هذا الموقف لا يمكن أن تنهار وهي تؤدي تكليفها الذي أناطه الله بها على لسان جدها (ص)، إنَّها زينب، وما أدراك ما زينب، إنها بنت علي (ع)، وشقيقة الحسين (ع)، حاملة الراية من بعده؛ لتكمل رسالته في ثورته الخالدة التي خلد الإسلامُ سليماً، ناصعاً بخلودها .
ولو انتقلنا من هذا الموقف الرهيب إلى موقف أرهب، حيث تمرّ زينب (ع) وهي ترعى النساءَ والأطفالَ وإماماً عظيماً تريد أن تحفظه من كيد الغادرين، في هذا الحال تمرّ على الأجساد المقطّعة الرؤوس، والرؤوس منصوبة على الرماح نصب عينيها، فترى الإمام السجاد (ع) يجود بنفسه(38) من شدّة الألم، وهول المنظر، وفظاعة الفاجعة، التي شاهدها بأمّ عينه، وهو مقيّد على الجمال، هنا زينب ترقب هذه الحالة التي أخذت الإمام (ع)، وهي حالة وجدانية تصيب الإنسان من شدّة الحزن... وليس هي حالة جزع كما وصفها الشيخ القرشي فالجزع يتنافى مع شخصية المعصوم (ع)، لكن قد يظهر عليه الحزن العميق والأسى الشديد كما أصيب النبي يعقوب (ع) بحزنه على ولده يوسف، فلا عجب إذا كان الإمام زين العابدين (ع) يجود بنفسه، وهي أعلى درجات الحزن، ولكن لا تدخله في الجزع، وإنّما القلب يحزن، والعين تدمع، ولا يقول ما يغضب الرب كما جاء عن جده المصطفى (ص) (39).
وحين رأت الحوراء زينب (ع) تلك الحالة قد ظهرت على الإمام (ع) بادرت إليه مسلّية, وهي تقرأ (ع) ما يستبطن هذا المشهد المروّع من أسرار لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم، فقالت:
(ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وأخوتي... فوالله إنَّ ذلك لعهد من رسول الله (ص) إلى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق أُناس من هذه الأمّة لا تعرفهم فراعنة هذه الأمّة، وهم معروفون في أهل السماوات، إنَّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرِّقة فيوارونها, وهذه الجسوم المضرّجة، وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء, لا يدرس أثره, ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام, وليجتَهِدَنَّ أئمة الكفر, وأشياع الضلالة في محوه, وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً، وأمره إلا علوّاً)(40).
والأحداث التي مرّت عبر التاريخ على مرقد الحسين (ع) منذ العهد الأموي مروراً بالحكم العباسي, وإلى اليوم من محاولة المحو والتطميس لهذا الرمز المقدس يؤكد صحّة ما نطقت به الحوراء زينب (ع) قبل ألف وأربعمائة سنة, فقد قام هارون العباسي والمتوكل بهدم المرقد الشريف في سنة 236هـ ، وما قامت به الوهابية والصليبية الحاقدة على يد حزب البعث في سنة 1991م كما سيأتي في بحث سر الخلود في ثورة الحسين (ع) من هذا الكتاب.
ولعل الحوراء زينب (ع) في حديثها تشير إلى حديث أم أيمن الذي روي في كامل الزيارات وبحار الأنوار(41).
قالت زينب (ع): (فلما ضرب ابن ملجم (لعنه الله) أبي (ع)، ورأيت عليه أثر الموت منه، قلت له: يا أبة حدثتني أم أيمن بكذا وكذا وقد أحببت أن أسمعه منك, فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن)(42).
وهذا الحديث الطويل يؤكد ما قلناه: إنَّ الحسين (ع) هو ذخيرة الله في الأرض لإحياء شريعته, وإنَّ زينب (ع) أُعِدَّتْ إعداداً خاصاً من قبل رسول الله (ص)، وأمير المؤمنين (ع)، وأخويها (ع)؛ لمواصلة ثورة الحسين (ع), وحفظها من التشويه الإعلامي، (وكان أمراً في غاية الأهمية أن يصل صوته للأمة كلّها، وأن تعرف تفاصيل المعركة، وما دار فيها من أمور وحوادث، وما فعله الحسين (ع) وقاله, وما فعله أصحابه، وما فعله أعداؤه أيضاً, إذ كيف تتفاعل هذه الأمّة مع حدث لم تعرف تفاصيله، وكأنها تشهده، وكيف يتمّ الأمر دون شهود حقيقيين عاشوا الأحداث وشهدوها، ليرووا للأمة كلّ تفصيلاتها بدقّة وصدق بعيداً عن التلفيقات والأكاذيب الأموية)(43).
وهذا ما لم يستطع المشفقون على الحسين (ع) أن يعوه حين حاولوا أن يثنوه (ع) عن الخروج، ولما عجزوا عن إقناع سيد الشهداء بالتراجع, أو الفرار إلى أماكن نائية عن السلطة سألوه (ع) عن علّة حمل النساء معه فأجابهم: بـ(إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا)(44)؛ لتواصل هؤلاء النسوة حركة التوحيد في السبا, ويكشفن المخطط الأموي الذي كان يهدف لمحو عقيدة التوحيد, ودفن محمد وآل محمّد إلى الأبد كما أكّد معاوية ذلك للمغيرة بن شعبة حيث قال له: (وإنَّ ابن أبي كبشة [رسول الله] ليصاح به كلّ يوم خمس مرات: (أشهد أن محمداً رسول الله)، فأيّ عمل يبقى؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك! لا والله إلا دفناً دفنا)(45).
ولا بدَّ أن نشير أنَّه كان من المستحيل على أيّ أحد أن يقوم بالدور الذي قامت به العائلة النبوية، واقتحمت قلاع الظلم ومعسكرات الضلال؛ لتبليغ كلمة الله تعالى كما في خطابات الإمام السجاد وزينب (ع) في أهل الكوفة والشام بحضور يزيد، (وهل في القدرة والإمكان لأحد أن يدمغ خصمه بتلك الكلمات، وهي على الحال الذي عرفت؟! ثمّ لم تقنع منه بذلك، حتى أرادت أن تمثّل له وللحاضرين عنده ذلّة الباطل، وعزّة الحقّ، وعدم الاكتراث واللامبالاة بالقوّة والسلطة، والهيبة، والرهبة، أرادت أن تُعَرِّفَهُ خِسَّةَ قدره، وضِعة مقداره، وشناعة فعله، ولؤم فرعه، وأصله)(46).
ولنتجاوز موقف زينب (ع) على الأجساد الطاهرة إلى موقف آخر قلب المقاييس الطاغوتية، وأفسد الموازين الأموية، وقلب السحر على الساحر، فحوّل الذلة المزعومة بالسبي إلى عزّة رسالية، أفرغت على لسان ربيبة الوحي، ألا وهو استعراض الأسرى في شوارع الكوفة (مقرّ عزّها، وعاصمة أبيها، كان سبي زينب الخطوب وعقيلة بني هاشم، وتدخلها بجملة ربائب الخدر من آل الرسول، وحولها يتامى وذراري أبيها علي (ع)، على محامل غير مجللة بالغطاء, وهنَّ لا يملكن من السواتر غير الحياء، يسوقهن الجيش المنتصر أمام الركاب كالإماء, وأهل الكوفة في عَبرة وعِبرة من هذا المشهد الغريب، يضجون ويعجون مما جرى على آل الرسول، وفيهم من يناولون الأطفال بعض الخبز، والتمر رأفة، ورحمة. فحري بالحرة الهاشمية سليلة الرسول أن تصرخ بهم وتقول: (إنَّ الصدقة محرَّمة علينا أهل البيت)، ونساء الأزقة والسطوح باكيات على هؤلاء)(47).
وظنّ ابن زياد بعمله هذا أنَّه يذل حملة رسالة الله، إلا أنَّ زينب قد أفسدت عليه فرحته, وقلبت النصر المزعوم إلى ندامة وحسرة، وجعلته هو وسيده يزيد يتمنى لو أخفى جريمته الشنعاء.
قال بشير بن حذيم الأسدي: (نظرتُ إلى زينب بنت علي يومئذٍ، ولم أرَ خفرة قطّ أنطق منها كأنما تنطق عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وتُفرغ عنه، أومأت إلى الناس أن اسكتوا! فارتدّت الأنفاس, وسكنت الأجراس، فقالت:
الحمدُ لله، والصلاة على أبي محمّد رسول الله، وعلى آله الطيبين الأخيار آل الله, وبعد: يا أهل الكوفة، ويا أهل الختل، والخذل، والغدر! أتبكون؟ فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، أتتّخذون أيمانكم دخلاً بينكم؟ وهل فيكم إلا الصلف، والطنف، والشنف، والنطف(48)، وملق الإماء, وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة، أو كقصة(49) على ملحودة! ألا ساء ما قدَّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون وتنتحبون؟ إي والله, فابكوا كثيراً, واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها, وشنارها, ولن ترحضوها بغسل بعدها أبداً.
وأَنّى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء, وسيد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم, ومفزع نازلتكم, ومنار حجتكم، ومدرة(50) ألسنتكم، ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً! فلقد خاب السعي, وتبّت الأيدي, وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضربت عليكم الذّلة والمسكنة. ويلكم، يا أهل الكوفة، أتدرون أيّ كبد لرسول الله (ص) فريتم، وأيّ دم له سفكتم، وأيّ كريمة له أبرزتم, وأيّ حريم له أصبتم, وأيّ حرمة له انتهكتم؟ ((لقد جئتم شيئاً إدّاً * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا))(51)، إنَّ ما جئتم بها لصلعاء، عنقاء، سوداء، فقماء، خرقاء، شوهاء، كطلاع الأرض, وملاء السماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دماً؟ ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى, وأنتم لا تنصرون، فلا يستخفنّكم المهل فإنَّه عز وجل لا يحفزه البدار، ولا يخاف فوت الثار، كلا إنَّ ربكم لبالمرصاد، فترقبوا أوّل النحل(52) وآخر صاد(53))(54).
فماذا كانت نتيجة هذا الخطاب الملتهب؟ لقد حرّك الضمائر، وأيقظ الغافلين، وهزَّ عروش الظالمين، وأسقط كلّ الحسابات التي توقّعوها، فقد حسبوا أنّهم بقتل الحسين (ع) سيدفنون الإسلام معه إلى الأبد، وإذا بالنتيجة جاءت بالعكس تماماً؛ فـ(إنَّ موكب سبايا كربلاء خلال مسيرة الرجوع الملحمية، سجَّل صوتاً إعلامياً واضحاً ومؤثراً, وجعل الأمة كلّها تتعاطف مع قضية الحسين (ع)، وتستجيب له وتعلن العداوة للنظام الأموي، وإن جاء ردّ الفعل متبايناً ومتأخراً، بفعل القمع والتضليل الأمويين)(55).
قال بشير: (فوالله، لقد رأيتُ الناس يومئذٍ حيارى، كأنَّهم كانوا سكارى، يبكون ويحزنون، ويتفجّعون ويتأسّفون، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم)، قال: (ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة، كان واقفاً إلى جنبي، قد بكى حتى اخضلّت لحيته بدموعه، وهو يقول: صدقتِ، بأبي وأمي، كهولكم خير الكهول, وشبّانكم خير الشبان، ونساءكم خيرُ النسوان, ونسلكم خير نسل، لا يخزى ولا يبزى(56))(57).
وبعد أن ألقت الحوراء خطابها الملتهب ضجّ الناس بالبكاء والحنين والنوح، ونشر النساء شعورهن، ووضعن التراب على رؤوسهن، وخمشن وجوههنّ، وضربن خدودهن، ودعون بالويل والثبور، وبكى الرجال فلم يرَ باكية وباكٍ أكثر من ذلك اليوم(58). ثم إنَّ الإمام زين العابدين (ع) أومأ إلى الناس أن اسكتوا، فسكتوا، فقام قائماً، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي (ص)، ثمّ صلى عليه، ثم قال: (أيّها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه بنفسي، أنا عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، أنا ابن من انتهكت حرمته، وسلبت نعمته، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذُحل ولا ترات، أنا ابن من قُتل صبراً، وكفى بذلك فخراً .
أيها الناس، فأنشدكم الله هل تعلمون أنّكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه، وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة، وقاتلتموه، فتباً لما قدّمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم، بأيّة عين تنظرون إلى رسول الله (ص) إذ يقول لكم: قتلتم عترتي وانتهكتم حرمي، فلستم من أمتي)(59).
وهكذا كُشِفَتْ الحقيقة للناس أجمع, وعلى رؤوس الأشهاد، حقيقة آل محمد (ص) التي حاول بنو أمية أن يشوّهوها، وحقيقة الحكم الأموي، والمنهج القائم عليه، وأنَّه منهج بعيد عن الإسلام والإنسانية بُعد السماء عن الأرض.
والموقف الأعنف والأشدّ إدخال حرائر آل محمد (ص) على العتل الزنيم عبيد الله بن زياد, وهو منتفخ متغطرس على كرسيه, وكان يتوقع أن يرى على أسراه الذلّ والانكسار, والخوف, والانهزام, والانهيار النفسي بعد تلك الجولة المرهقة، وفوق ذلك كلّه وضع رأس الحسين (ع) بين يديه, وهو ينكث بقضيب بين ثنيَّتيه ساعة، وحين رأى تلك الصورة البشعة زيد بن أرقم, قال له: (اُعْلُ بهذا القضيب عن هاتين الثنيَّتين، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شَفَتَيْ رسول الله (ص) على هاتين الشفتين يقبّلهما), ثم انفضح الشيخ يبكي؛ فقال له ابن زياد: (أبكى الله عينيك! فوالله لولا أنّك شيخ قد خَرِفْتَ وذهب عقلُك لضربتُ عنقك), قال: (فنهض فخرج... وهو يقول:... أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة, وأمَّرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فرضيتم بالذلّ، فبعداً لمن رضي بالذلّ!).
قال الراوي: (فلما دُخل برأس الحسين (ع) وصبيانه وأخواته ونسائه على عبيد الله بن زياد لبست زينب ابنة فاطمة (ع) أرذل ثيابها، وتنكّرت، وحفَّت بها إماؤها، فلما دخلت جلست, فقال عبيد الله بن زياد: مَن هذه الجالسة؟ فلم تكلمه، فقال ذلك ثلاثاً، كلّ ذلك لا تكلّمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة، قال: فقال لها عبيد الله: الحمد لله الذي فَضَحَكم، وقَتَّلَكم، وأكذَبَ أحدوثتَكم!).
فردّت عليه الحوراء (ع) بقوّة وردع بلا خوف ولا تردّد, قائلة: (الحمد لله الذي أكرمنا بمحمّد (ص)، وطهّرنا تطهيراً، لا كما تقول أنت، إنما يفتضح الفاسق، ويكذَّب الفاجر).
وأراد أن يشفي غيضه من عنف الردّ الذي لم يكن يتوقعه من امرأة أسيرة تحت سيطرته فقال: (فكيف رأيتِ صنع الله بأهل بيتك؟)
فقالت: (ما رأيت إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتبَ الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينَك وبينَهم، فتحاجّون إليه، وتخاصمون عنده، فانظر لمن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أمّك يا ابن مرجانة).
ولما رأى الردّ بهذه القوّة الرادعة استشاط غضباً وهمَّ بها، إلا أن عمرو بن حريث هدّأه، وقال له: (إنّها هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها!).
ورغم ذلك قال: (قد أشفى الله نفسي من طاغيتك، والعُصاة المَردة من أهل بيتك).
وهنا أخذ الحزن زينب الحوراء (ع)، فقالت: (لَعَمري لقد قتلْتَ كَهْلي، وأبرْتَ أهلي، وقطّعْتَ فرعي، واجتثْتَ أصلي، فإن يَشْفِك هذا فقد اشتفيت).
فما كان من ابن زياد إلا البذاءة والانحطاط فقال: (هذه شجاعة(60)، قد لَعمري كان أبوك شاعراً شجاعاً), قالت: (ما للمرأة والشجاعة، إنّ لي عن الشجاعة لشغلاً ولكنْ نَفْثي ما أقول)(61).
(وكان جواب زينب مفحماً مسكتاً, لم يملك له ابن زياد ردّاً أو إجابة, لقد ذكّرته بأولئك الذين كان يتحدّث عنهم بتلك الاستهانة, فهم آل البيت أكرمهم الله بمحمد (ص), وأنهم المُطهّرون الذين أذهب الله عنهم الرجس بشهادة من الله وإرادة منه، وفي هذا كفاية لهم، لا كما يدّعي ابن زياد الفاسق الفاجر، هو وأميره يزيد، فإذا ما كان لأحد أن يفتضح بفعله وتصرفه، فهو من كان على شاكلتهما ومن أمثالهما)(62).
ولما حطّمت زينب (ع) كبرياء ابن زياد, وردعته بقوة لم يكن يتصور أن أحداً يردّ عليه بهذه الصراحة والقوة, حاول التنفيس عن حقده والتعبير عن حقارته وشماتته, وماذا يملك هؤلاء غير الظفر والناب, وإذا به يلتفت إلى الإمام علي بن الحسين (ع)، فقال له: (ما اسمك؟)
قال (ع): (أنا عليّ بن الحسين).
قال: (أولم يقتل الله علي بن الحسين!) فسكت .
فقال له ابن زياد : (ما لك لا تتكلم!).
قال (ع): (قد كان لي أخ يقال له أيضاً عليّ، فقتله الناس).
قال: (إن الله قد قتله). فسكت عليّ بن الحسين (ع).
فقال له: (ما لك لا تتكلم!).
قال (ع): ( ((الله يتوفى الأنفس حين موتها)) ((وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله)) ).
قال: (أنت والله منهم، ويحك انظروا هل أدْرَكَ؟ والله إنّي لأحسبه رجلاً).
فكشف عنه مُريّ بن معاذ الأحمريّ، فقال: (نعم قد أدرَك)، فقال: (اقتله).
فقال علي بن الحسين (ع): (من تُوَكّل بهؤلاء النسوة؟) وتعلّقت به زينب عمته، فقالت: (يا ابن زياد، حسبُك منّا، أما رويتَ من دمائنا! وهل أبقيت منّا أحداًّ!)، فاعتنقته, فقالت: (أسألك بالله إن كنتَ مؤمناً إن قتلتَه لمّا قتلتَني معه!)، وناداه علي بن الحسين (ع) فقال: (يا ابن زياد، إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهنّ رجلاً تقيّاً يصحبهنّ بصحبة الإسلام)، فنظر إليها ساعة، ثم نظر إلى القوم فقال: (عجباً للرحم! والله إنّي لأظنها ودّت لو أنّي قتلتُه أني قتلتُها معه، دعوا الغلام، انطلق مع نسائك)(63).
تلك هي السياسة الأموية قائمة على أساس الإرهاب والإرعاب بالقتل والسجن والتشريد, وهذا شأن كلّ الطغاة على طول خطّ التأريخ، وهذا ما واجهته الحركة الإسلامية منذ عهد الأمويين وإلى اليوم، وكأن التأريخ يعيد نفسه, وتتكرر نفس الأساليب الوحشية مع الفارق في قدرة التحمل بين آل محمد (ص) وبين شيعتهم...
ورغم ذلك الرعب والوحشية، فقد جعل ابن زياد (لعنه الله) العائلة النبوية في وضعٍ يترقبون القتل بين الفينة والأخرى, وهم في السجن, فقد روى عوانة بن الحكم الكلبيّ:
(لما قتل الحسين وجيء بالأثقال والأسارى حتى وردوا بهم الكوفة إلى عبيد الله, فبينا القوم محتسبون إذ وقع حجر في السجن، معه كتاب مربوط, وفي الكتاب: (خرج البريد بأمركم في يوم كذا وكذا إلى يزيد بن معاوية، وهو سائر كذا وكذا يوماً، وراجع في كذا وكذا، فإن سمعتم التكبير, فأيقنوا بالقتل، وإن لم تسمعوا تكبيراً هو الأمان إن شاء الله).
قال: (فلما كان قبل قدوم البريد بيومين أو ثلاثة, إذا حجر قد ألقي في السجن ومعه كتاب مربوط وموسَى, وفي الكتاب: أوصوا واعهدوا فإنما يُنتظر البريد يوم كذا وكذا، فجاء البريد، ولم يسمع التكبير، وجاء الكتاب بأن سرّح الأسارى إليّ)(64).
ويمكن من خلال هذا النص أن نتصور الحالة المأساوية لنساء وأطفال, وإمام عليل بحيث وصلت المأساة إلى أنَّ الباب لا يفتح عليهم, وحتى إيصال الخبر يلقى إليهم من الأعلى؛ فقد (كان ترقّبُ الموتِ عاملَ قلقٍ كبيرٍ، ولعلّه كان شكلاً من أشكال الموت البطيء، فأيّ قيمٍ عليا، وأيّة موانع تمنع يزيد من إصدار أوامره بالإجهاز عليهم داخل ذلك السجن بعد أن أقدم على جريمته الكبرى بقتل الحسين (ع) وأصحابه؟)(65).
ونحن نستشفّ تدخل اليد الغيبية في هذه المعركة الحامية, والمأساة التي صنعت تاريخ الإسلام من جديد, هذا التدخل يتجلّى في حماية هذه العائلة مع تحدّيها بصلابة منقطعة النظير, وقوّتها المعنوية، وعنفها في الردّ على الطغاة, وحفظها من الإبادة، وكشف الجريمة على أيدي المجرمين أنفسهم, وإلا كان بإمكانهم أن يحجزوا الإمام السجاد (ع) والنساء والأطفال, ويدفنوهم إلى الأبد, ويخفوا جريمتهم النكراء, وتمرّر على الأمة في غفلتها المطبقة, ويبقى ما كان على ما كان, ويدفنون الإسلام مع الحسين (ع) وأهل بيته, ولعلّ هذه هي دلالة قول الإمام الحسين (ع) لمن سأله عن حكمة حمل الأطفال والنساء: (إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا)(66)، وقوله (ع): (وقد شاء [الله تعالى] أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرَّدين, وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيّدين, وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً)(67).
((يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون))(68).
والعجب العجاب أنّ ترتيب أمر أهل بيت الوحي في هذه المأساة ترك ليدير أمره ابن مرجانة، فأمر برأس الحسين (ع)، فطيف به في سكك الكوفة؛ ليرعب الناس وليشفي غيظه من آل رسول الله (ص) ، ثم صعد المنبر, وقال:
(الحمد لله الذي أظهر الحقَّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين وأشياعه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب)، وحين سمع ذلك عبد الله بن عفيف الأزدي, قام إليه, وقال: (يا ابن مرجانة، إنَّ الكذابَّ أنت وأبوك, ومن استعملك وأبوه، يا عدو الله أتقتلون أبناء النبيين, وتتكلمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين!)، فغضب ابن زياد, ثم قال: (مَنْ هذا المتكلّم؟)، فقال: (أنا المتكلم يا عدو الله، تقتل الذّرية الطاهرة التي قد أذهب الله عنها الرجس, وتزعم أنّك على دين الإسلام؟ وا غوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقمون من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان رسول رب العالمين؟).
فقال ابن زياد: (عليَّ به)، فبادر إليه الجلاوزة من كل ناحية؛ ليأخذوه، فقامت الأشراف من الأزد من بني عمه؛ فخلّصوه من أيدي الجلاوزة, وأخرجوه من باب المسجد, وانطلقوا به إلى منزله, فقال ابن زياد: (اذهبوا إلى هذا الأعمى أعمى الأزد... فائتوني به)، ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبد الله بن عفيف، فكسروا الباب، واقتحموا عليه، فصاحت ابنته: (أتاك القوم من حيث تحذر), فقال: (لا عليك ناوليني سيفي)، فناولته إياه فجعل يذب عن نفسه, وهو يقول:
أقسم لو يفسح لي عن بصري***ضاق عليك موردي ومصدري
وأخذ أسيراً، وأدخل على ابن زياد، فقال ابن زياد: (يا عدوَّ الله، ما تقول في عثمان بن عفان؟).
فقال: (يا عبد بني علاج، يا ابن مرجانة - وشتمه - ما أنت وعثمان؟ أساء أم أحسن، وأصلح أم أفسد، والله تبارك وتعالى ولي خلقه، يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق، ولكن سلني عن أبيك وعنك, وعن يزيد وأبيه), فقال ابن زياد: (لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت غصّة بعد غصّة)، فقال عبد الله بن عفيف:
(الحمد لله رب العالمين، أما إني قد كنت أسأل الله ربي أن يرزقني الشهادة من قبل أن تلدك أمك، وسألت الله أن يجعل ذلك على يدي ألعن خلقه وأبغضهم إليه، فلما كُفَّ بصري يئست من الشهادة، والآن فالحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها, وعرفني الإجابة منه في قديم دعائي).
فقال ابن زياد: (اضربوا عنقه)، فضربت عنقه, وصلب في السبخة(69).
ثم اختار ابن زياد فريقاً من أشدّ أعداء آل محمد يقودهم شمر بن ذي الجوشن، ومخفر بن ثعلبة، وأبو بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن ظبيان في جماعة من أهل الكوفة, وأمرهم بحمل السبايا والرؤوس إلى دمشق, وإيصالها إلى مقر الخلافة اليزيدية بشكل استعراضي تعبيراً عن النصر الذي حققه .
ويبدو أنَّ خطة وضعت من مقر حكومة يزيد؛ لنشر الرعب وتحطيم أيّة حالة ثورية في النفوس... وقد لاقى أهل بيت النبوة (ع) ألواناً من العذاب والأذى ما لم يخطر على بال, وكان أشدَّها على حرائر الرسالة هو عرضهنَّ على الناس دون أن يرعى في ذلك ديناً ولا إنسانية.
ولما كان حمل الرؤوس أمراً غير مألوف فإنّ أنظار الناس تتوجه إلى ذلك، مما دعا منظمي الموكب أن يضعوا الرؤوس وسط الموكب؛ ليُعَرّض النساء إلى مشاهدة المتفرجين, وقد روي أن أم كلثوم قالت لشمر: (إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل النظّارة, وتقدَّمْ إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل، وينحونا عنها, فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا)، ولخبثه ولؤمه (أمر بضد ما سألته بغياً منه وعتوّاً، وسلك بهم على تلك الصفة حتى وصلوا باب دمشق حيث يكون السبي)(70).
وهكذا استمر إلى أن أُدخلوا على يزيد, وهو متغطرس على عرشه, فأمر بالرأس الشريف أن يصلب على باب داره، و(أمر أن يدخلوا أهل بيت الحسين (ع) داره، فلما دخلت النسوة دار يزيد لم تبقَ امرأة من آل معاوية إلا استقبلتهن بالبكاء والصراخ والنياحة والصياح على الحسين (ع)، وألقين ما عليهن من الحلي والحلل، وأقمن المأتم عليه ثلاثة أيام)(71).
وحتى زوجة يزيد (لع) هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز لما سمعت الخبر تقنَّعت بثوبها، وخرجت فقالت ليزيد: (أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله (ص)؟ مصلوب على فناء بابي؟) قال: (نعم فأعولي عليه، وحدّي على ابن بنت رسول الله)(72).
ثم أدخل نساء الحسين عليه والرأس بين يديه، وكان ينكث بقضيب من خيزران ثنايا الحسين (ع)، ويتمثل بأبيات ابن الزبعرى(73):
ليت أشياخي ببدر شهدوا***جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهلوا واستهلوا فرحاً***ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم***وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا***خبر جاء ولا وحي نزل
لست من خندف إن لم انتقم***من بني أحمد ما كان فعل
تلك هي الحقيقة الأموية انكشفت لكلّ ناظر بعد أن تقنّعت وراء اسم الإسلام خمسين سنة, وهنا برزت بنت علي (ع)؛ لتسطر أعظم ملحمة كشفت عن الوجه القبيح الذي أخفاه الشرك الأموي، ولا عجب من بنت فاطمة بنت رسول الله (ص)؛ فهي (جديرة بنسبها الشريف في تلك الرحلة الفاجعة التي تهدّ عزائم الرجال.. كانت كأشجع وأرفع ما تكون حفيدة محمد, وبنت علي, وأخت الحسين، وكتب لها أن تحفظ بشجاعتها وتضحياتها بقيه العقب الحسيني من الذكور.. ولولاها لانقرض من يوم كربلاء)(74).
لقد دخلت الحوراء (ع) في معركة حامية مع يزيد حطّمت كبرياءه, وكشفت كفره, وكفر من نصَّبه, ومن المواقف الحادّة بين يزيد والحوراء في مجلسه عندما قال أحد الحاضرين ليزيد: (هب لي هذه الجارية، - يعني فاطمة بنت الحسين (ع) -)، فأخذت بثياب عمتها زينب بنت علي بن أبي طالب... فقالت زينب للشامي: (كذبت والله ولؤمت، والله ما ذلك لك ولا له)، فغضب يزيد, ثم قال: (كذبتِ، إنَّ ذلك لي، ولو شئت أن أفعل لفعلت، فردّت عليه بحجة رسالية دامغة قائلة: (كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملّتنا, وتدينَ بغيرها)، فغضب يزيد واستطار، ثم قال: (إيّاي تستقبلين بهذا؟! إنما خرج من الدين أبوك وأخوك)، قالت زينب (ع): (بدين الله، ودين أبي, ودين أخي، اهتديتَ أنت وجدّك وأبوك إن كنتَ مسلماً)، قال يزيد: (كذبت يا عدوة الله)، فقالت زينب: (أنت أمير تشتم ظالماً، وتقهر بسلطانك)، فكأنه استحى، فسكت(75).
تلك هي لغة السياسة الأموية، ولم تكن لغة يزيد لتختلف عن لغة عبده ابن زياد إن لم يكن أسوأ, وكان يظن أن يجد الخنوع والذلّ والانكسار غالباً على بنات الرسالة، ولكنه فوجئ بهذا الرد العنيف من قبل الحوراء زينب (ع)، وهكذا أثبتت الحوراء (أنَّها كانت بمستوى رسالة أخيها وثورته.. وأنها لم تكن مجرد امرأة محزونة مكروبة أثقلها هول المصاب وعظم الجريمة، بل كانت امرأة قوية ذات موقف حازم وثابت، وقد ساهمت بلفت الأنظار إلى ثورة الحسين (ع) ضد الانحراف الأموي المتسارع، وعملت على تهديم ما بنته دولة الظلم, وظلّت رمزاً للمرأة الرسالية المؤمنة الواعية التي تدرك واجباتها, وما ينبغي عليها القيام به في كلّ ظرف وفي كل وقت)(76).
ومما يدلّك على ذلك خطابها حين سمعت يزيد ينشد أبيات ابن الزبعرى وهو ينكث ثنايا الحسين (ع) حيث تصدّت له بخطابٍ حماسي, ثوري بليغ أخرس الألسن، وحيَّر العقول, وأذهل النفوس, قالت سلام الله عليها:
(الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله سبحانه حيث يقول: ﭽ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﭼ
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض, وآفاق السماء, فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى أنَّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامةً؟! وأنَّ ذلك لعِظَم خطرك عنده؟! فشمخت بأنفك, ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً، حين رأيت الدّنيا لك مُسْتوسِقَةً، والأمور متَّسِقَةً، وحين صفا لك ملكنا, وسلطاننا, فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله عز وجلّ : ﭽ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﭼ
أمن العدل يا ابن الطّلقاء تخديرك حرائرك, وإماءك, وسوقك بنات رسول الله سبايا؟! قد هتكت ستورهنَّ, وأبديت وجوههنَّ، تحدو بهنَّ الأعداء من بلد إلى بلد, ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمناقل, ويتصفّح وجوههنَّ القريب والبعيد، والدنيء والشريف, ليس معهنَّ من رجالهنَّ ولي, ولا من حماتهنَّ حمي؟ وكيف يرتجي مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟! وكيف يستبطأ في بُغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشّنف, والشّنآن, والإحن, والأضغان؟! ثم تقول غير متأثّم ولا مستعظم:
لأهلوا واستهلوا فرحاً***ثم قالوا: يا يزيد لا تشل
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله (ع) سيّد شباب أهل الجنة، تنكثها بمخصرتك, وكيف لا تقول ذلك؟ وقد نكأت القرحة, واستأصلت الشأفة، بإراقتك دماء ذريّة محمّد (ص), ونجوم الأرض من آل عبد المطّلب، وتهتف بأشياخك، زعمت أنّك تناديهم! فلتردنَّ وشيكاً موردهم، ولتودَّنَّ أنّك شُللت وبُكمت, ولم يكن قلت ما قلت, وفعلت ما فعلت .
اللهم خذ بحقّنا, وانتقم من ظالمنا, واحلل غضبك بمن سفك دماءنا, وقتل حماتنا.
فوالله ما فريت إلا جلدك, ولا حززت إلا لحمك, ولتردنَّ على رسول الله (ص) بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيته, وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته, حيث يجمع الله شملهم ويلمُّ شعثهم, ويأخذ بحقّهم ﭽ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭼ
حسبك بالله حاكماً, وبمحمّد (ص) خصيماً، وبجبريل ظهيراً, وسيعلم من سوّى لك, ومكّنك من رقاب المسلمين, بئس للظالمين بدلاً, وأيكم شر مكاناً, وأضعف جنداً.
ولئن جرت عليَّ الدَّواهي مخاطَبَتُكَ, إنّي لأستصغر قدرك, وأستعظم تقريعك, وأستكبر توبيخك, لكنَّ العيونَ عبرى, والصّدورَ حرّى .
ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشّيطان الطّلقاء! فهذه الأيدي تنطف من دمائنا, والأفواه تتحلّب من لحومنا, وتلك الجثث الطواهر الزّواكي تنتابها العواسل, وتعفرها أمهات الفراعل, ولئن اتخذتنا مغنماً؛ لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلا ما قدَّمَتْ يداك, وما ربّك بظلام للعبيد, فإلى الله المشتكى, وعليه المعوّل .
فكِدْ كيدَكَ, واسعَ سعيَك, وناصبْ جهدَك, فوالله لا تمحو ذكرنا, ولا تميت وحينا, ولا تدرك أمدنا, ولا ترحض عنك عارها. وهل رأيك إلا فندٌ وأيامك إلا عددٌ, وجمعك إلا بدد, يوم ينادي المناد: ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة, ولآخرنا بالشهادة والرحمة . ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب, ويوجب لهم المزيد, ويحسن علينا الخلافة، إنَّه رحيمٌ ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل)(77).
وهذا الخطاب من روائع الأدب الثوري في الإسلام حيث كشف لنا عن قوة شخصية الحوراء زينب (ع) في جميع نواحيها الفكرية، والبلاغية، والنفسية، والعمق العلمي والدراية الدقيقة بمخططات الأعداء, وما كانوا يهدفون إليه، (ثم إنَّ هذه الخطبة التأريخية القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة, وجرأتها النادرة، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الأخلاقية الرفيعة السامية, وسيبقى هذا الأدب الحي صارخاً في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر، وتعاقب الأجيال، وفي كل ذكرى لواقعة الطفّ الدامية المفجعة)(78).
ويمكن أن نستنتج من الخطاب ما يأتي:
1- لقد كشفت الظنّ الزائف ليزيد - بل لجميع الطغاة على طول التاريخ حسبانهم أن ما حقّقوه من غلبة على أعدائهم بالظلم، والعدوان كرامة وقوة وعظمة... وهو في حقيقته ضعف، وخسارة؛ لأنه تجاوز على حدود العقل والشرع والمنطق السليم، واستشهدت بقوله تعالى: ((ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين))(79).
أي أنّهم وقعوا في مسلسل سنة الاستدراج, وهي سنة تلقي بالإنسان في الهاوية إن لم يلتفت لنفسه.
2- كشفت عمق الجريمة الأموية في هتك حرمات العائلة النبوية من خلال الاستعراض العام لحرائر آل محمد (ص) من بلد إلى بلد، وهي جريمة لا تدانيها جريمة أخرى، وهي سبي بنات رسول الله (ص), وهذا ما لم تعرف له الإنسانية مثيلاً في سابق عهدها.
3- أعادت للأذهان أن ما أقدم عليه يزيد هو امتداد لإقدام جدّته هند, وجدّه أبو سفيان في حرب الرسول (ص), وأن هذه الجريمة هي امتداد لتلك الجريمة التي أقدمت عليها جدّته حين مضغت كبد حمزة عم الرسول ... وأنَّ هذا العداءَ اليوم نابعٌ من ذلك, حين نظر أبو سفيان إلى رسول الله (ص) بالعداء والبغض والأحقاد, التي هي امتداد للأحقاد الجاهلية... فيزيد وأبوه في حربهم لآل رسول الله (ص) في الحقيقة هو بقاؤهم على جاهليتهم, وكفرهم، وتستّرهم بالإسلام, وتسلّقهم على عرش الخلافة... وأنَّ كل ما أقدم عليه يزيد هو لأحقاد جاهلية متأصّلة في نفوس معاوية ويزيد وجميع السائرين في ركابهم.
4- ثم تُعْلِم يزيد بقصر مدته, وما سيقع فيه من ندم وحسرة يوم يقف بين يديّ الله, ويتمنى لو أنّه انشلت يداه, وبكم لسانه لما سيلاقيه من عذاب الله الأليم.
5- ثم أوضحت حقيقة إلهية أنّ كل جريمة، أو فعل قبيح يقدم عليه الإنسان إنما يضرّ بها نفسه, ويحرق بها مستقبله, فلا يحيق المكر السيئ إلا بأهله, ولهذا تخاطب يزيد قائلة: (فوالله ما فريت إلا جلدك، ولا حززت إلا لحمك)، وإنَّ الموت الحقيقي قد حلَّ بك وبأضرابك وأسلافك، وإنَّ الحياة الخالدة منحت للذين قتلتهم ومثلَّت بأجسادهم ورفعت رؤوسهم على الرماح, وأكدت ذلك باستشهادها بقوله تعالى: ((ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون))(80).
6- ورغم ما أقدمت عليه يا يزيد من جريمة شنيعة, فإنَّ مصيرَك إلى بؤس وعذاب؛ لأنّك خاصمت الله ورسوله (ص), ومن كان الله خصمه أفلج حجته، وأهلكه في الدنيا والآخرة, وذلك هو الخسران المبين.
7- ثم تستصغر قدر يزيد, وتستحقره, وتهونه, وتهينه بعبارة دامغة رائعة فتقول: إنّني أكبر من أن أخاطبك, وأنت أحقر من أن أقَرِّعَك، وأوبخك؛ لأنّك أصغر وأحقر من أن توبّخ, فحتى التوبيخ والتقريع في حقّك كثير, فما أنت إلا كالأنعام بل أضلّ سبيلاً، وهل تنتفع الأنعام بالتوبيخ والتقريع... والحقّ أنّنا لا نجد عبارة تحقير وتصغير لطاغوت متغطرس على سريره أدقّ, وأبلغ, وأعمق من قولها (ع):
(ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك، إني لاستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكنَّ العيون عبرى، والصدور حرى).
8- ثم تبدي عجبها واستغرابها؛ لتسلّط حزب الشيطان المجرم على الأولياء من حزب الله تعالى النجباء الأطهار الأزكياء, ولا تزال أيدي المجرمين ملطّخة بدماء الأطهار الأبرياء, وها هي جثث الطاهرين ملقاة على أرض المعركة تنتابها الوحوش, ورغم ذلك كلّه لا تحسب يا يزيد أنّك فزت وانتصرت, ولا تتصور أنّك غنمت بقتلنا وسبينا؛ فإنّك سوف تجدنا خصماءك وغرماءك بين يدي الله تعالى, وستجد أعمالك الإجرامية شاخصة أمامك...
9- ثم تتحداه أن يحقق أهدافه التي يصبو إليها, وهي محو ذكر أهل البيت (ع)، وإماتة وحيهم... فإنّه أضعف من ذلك, ولن يستطيع لا هو, ولا سواه, ولا يمكن أن يبلغ مداهم ولا تذهب عنه ما جنته يداه أبداً.
10- ثم تقول له: إنّ رأيك ضعيف هزيل، وعمرك قصير, وأيامك معدودة، وأعدادك لا محال مبددة... فلا تغترّ بما تملك فما دولتك إلا كظلّ زائل...
11- ثم تحمد الله وتشكره على النعم العظيمة التي أفاضها على آل محمد (ص) حيث ختم لأولهم - وهو رسول الله (ص) - بالسعادة والمغفرة في الدنيا والآخرة, ولآخرهم وهو الحسين (ع) (على احتمال) بالشهادة والرحمة...
وتختم خطابها بالتوسل بالله تعالى بأن يكمل لها ولهم المزيد من الثواب, ويحسن قيامها بخلافة الحسين (ع) في أداء دورها الذي أناطه رسول الله (ص) بها.

الهوامش:
(1) محمد نعمة السماوي، موسوعة الثورة الحسينية: 7/178.
(2) القرشي، السيدة زينب رائدة الجهاد في الإسلام: 41 .
(3) صحيح الترمذي: 2/308، نقلاً عن كتاب السيدة زينب للقرشي: 68-69 .
(4) النقدي، زينب الكبرى: 41 .
(5) المصدر نفسه.
(6) زينب الكبرى: 38 .
(7) السيد الخوئي، معجم رجال الحديث: 23/191.
(8) محمد بن عبد الله بن جعفر أمه الخوصاء بنت حفصة بن ثقيف...راجع إبصار العين في أنصار الحسين (ع): 77 .
(9) ابن الأثير، أسد الغابة: 7/132-133، ط/دار إحياء التراث العربي.
(10) السيد جواد شبر، أدب الطف: 1/240.
(11) زينب الكبرى: 48 .
(12) أدب الطف: 1/239.
(13) زينب الكبرى: 89 .
(14) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين: 95 .
(15) ديوان السيد رضا الهندي وأبنائه: 84 .
(16) الشيخ الطبرسي، الاحتجاج: 2/348، وبحار الأنوار: 45/164 .
(17) زينب الكبرى: 56 .
(18) المصدر نفسه: 57 .
(19) أدب الطف: 1/243.
(20) معجم رجال الحديث: 23/190.
(21) زينب الكبرى: 57 .
(22) المصدر نفسه: 59 .
(23) السيد الأمين، أعيان الشيعة: 7/140.
(24) محمد جواد مغنية، الحسين وبطلة كربلاء: 191-192.
(25) بنت الشاطئ، السيدة زينب عقيلة بني هاشم (ع): 158 .
(26) ينظر: المصدر نفسه: 159-161 .
(27) موسوعة الثورة الحسينية: 5/392 .
(28) ديوان السيد رضا الهندي وأبنائه: 73 .
(29) النقدي، زينب الكبرى: 54-55، عن كتاب السيدة زينب لمحمّد علي أحمد المصري .
(30) السيد ابن طاووس، اللهوف في قتل الطفوف :50، ولواعج الأشجان للسيد الأمين: 103 .
(31) تاريخ الطبري: 5/421 والإرشاد للشيخ مفيد: 2/94 .
(32) موسوعة الثورة الحسينية: 5/390.
(33) زينب الكبرى: 103 .
(34) المصدر نفسه: 103-104 .
(35) موسوعة الثورة الحسينية: 7/188-189.
(36) محمد بحر العلوم، في رحاب السيدة زينب: 148-149.
(37) صحيح سنن الترمذي: 3/539 ، ح/3775 .
(38) قال ابن منظور في لسان العرب 3/137: (وأجاده: قتله. وجاد بنفسه عند الموت يَجُودُ جَوْداً وجُؤوداً: قارب أن يقضي؛ يقال: هو يجود بنفسه إذا كان في السياق، والعرب تقول: هو يجود بنفسه، معناه يسوق بنفسه، من قولهم: إنَّ فلاناً لَيُجاد إلى فلان، أي يُساق إليه. وفي الحديث: (فإذا ابنه إبراهيم (ع) يجود بنفسه) أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به).
(39) ينظر: مسكّن الفؤاد عند فقد الأحبة والأولاد للشهيد الثاني: 93 .
(40) ابن قولويه، كامل الزيارات: 445، وبحار الأنوار: 45/179-180 .
(41) ينظر: كامل الزيارات: 445-448، وبحار الأنوار: 45/179-183 .
(42) كامل الزيارات: 448، وبحار الأنوار: 45/183، والشيعة في أحاديث الفريقين لمرتضى الأبطحي: 46.
(43) موسوعة الثورة الحسينية: 5/386 .
(44) اللهوف في قتلى الطفوف: 40 .
(45) راجع تفصيل الرواية في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 5/130 .
(46) نبذة من السياسة الحسينيّة، رسالة للإمام محمد الحسين آل كاشف الغطاء منشورة في مجلة تراثنا، العدد المزدوج 79-80 : 365-366 .
(47) السيد هبة الدين الحسيني الشهرستاني، نهضة الحسين (ع): 143 .
(48) الأول: الوقاحة، والثاني: فساد الأخلاق، والثالث: الكراهية، والرابع: النجاسة .
(49) القصة: وهي الجص .
(50) مدره: كنبر المقدم في اللسان .
(51) مريم: 89-90 .
(52) أي: ((أتى أمر الله)).
(53) أي: ((ولتعلمن نبأه بعد حين)).
(54) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 2/45-47.
(55) موسوعة الثورة الحسينية: 5/387.
(56) يبزى: أي لا يقهر، من بزاه يبزوه قهره .
(57) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 2/47، والاحتجاج للطبرسي: 2/348، ومثير الأحزان لابن نما: 86 ، مع اختلاف بالعبارات.
(58) اللهوف في قتلى الطفوف: 91-92 ، وبحار الأنوار: 45/112، ولواعج الأشجان للسيد الأمين: 205.
(59) اللهوف في قتلى الطفوف: 92 ، بحار الأنوار: 45/112-113 .
(60) في رواية أخرى: هذه سجاعة.
(61) تاريخ الطبري: 5/456-457، وبحار الأنوار: 45/115-116.
(62) موسوعة الثورة الحسينية: 7/195.
(63) تاريخ الطبري: 5/458 ، ونحن إذا تأملنا في هذه الرواية نجد فيها إضافات دُسَّت فيها لأجل الحطّ من صمود العائلة النبوية، وإلا لا يمكن أن يقبل التخضع من آل محمد (ص) لهذا العتل الزنيم, وفي الرواية ما يشعر بذلك!
(64) تاريخ الطبري: 5/463 .
(65) موسوعة الثورة الحسينية: 7/199 .
(66) اللهوف في قتلى الطفوف: 40 ، بحار الأنوار: 44/364، وينابيع المودة لذوي القربى للقندوزي : 3/60.
(67) بحار الأنوار: 44/331-332 .
(68) التوبة: 32 .
(69) اللهوف في قتلى الطفوف: 95-98 ، وبحار الأنوار: 45/119-121.
(70) مثير الأحزان لابن نما: 97، واللهوف في قتلى الطفوف: 102-103، وبحار الأنوار: 45/127.
(71) الخوارزمي، مقتل الحسين (ع): 2/81 ، وتاريخ الطبري: 5/462 .
(72) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: 62/85, وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي (ع) لابن الدمشقي :2/293، وبحار الأنوار: 45/143.
(73) اللهوف في قتلى الطفوف: 105 ، وكتاب الفتوح لابن أعثم: 5/129، باختلاف طفيف.
(74) العقاد، أبو الشهداء: 2/262.
(75) الإرشاد للشيخ المفيد: 2/121 ، والاحتجاج للطبرسي: 2/353-354، وتاريخ الطبري: 5/461-462 .
(76) موسوعة الثورة الحسينية: 7/206-207 .
(77) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 45/133-135، وبلاغات النساء لابن طيفور: 23 مع اختلاف طفيف .
(78) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 3/381.
(79) آل عمران: 178 .
(80) آل عمران: 169 .

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com