موقع الصراط ... الموضوع : جاذبية الحسين (ع)
 
الأحد - 21 / صفر / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  جاذبية الحسين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 8 / شعبان / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً)) (مريم: 96)
من العناصر الأساسية في شخصية القائد المؤمن الجاذبية، وهي سرٌّ من أسرار النفوس الكبيرة التي تتّسم بأبعاد روحية خاصة، وفكرية واسعة، وأفق اجتماعي بعيد، وهدفية بينة واضحة، وأخلاقية سامية تمنح المتحلي بها هيبة تأخذ بمجامع القلوب، وبتعبير أدق: الجاذبية هي مغناطيسية القلوب، وسحر النفوس تنجذب إليها، وتتعلق بها، وتنشد إليها انشداداً تلقائياً دون أن تكتنفها منفعة أو مصلحة.
وكانت هذه السمة بارزة في شخصية رسول الله (ص) بحيث كانت هيبته تهيمن على الداخل عليه فيرتعد، فيقول رسول الله (ص) له: (هون عليك فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد)(1).
وهكذا كان أمير المؤمنين (ع)، يقول صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : (كان فينا كأحدنا، لين جانب، وشدة تواضع، وسهولة قياد، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسياف الواقف على رأسه)(2).
والحسين (ع) تجلت هذه الظاهرة في حياته وبعد شهادته، فحين وصل إلى مكة أقبل الناس عليه، يقول ابن كثير: (فعكف الناس على الحسين، يفدون إليه، ويقدمون عليه، ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه ...)(3).
ويقول العلايلي: (ومما لا خلاف فيه بين الرواة أن الحسين (ع) كان محبباً إلى كل نفس، ومصطفى بين كل قبيل، وزادت جاذبيته إلى الناس أنهم غدو يقدسونه تقديساً وينظرون إليه بالنظر الذي هو فوق اعتبارات الناس)(4).
وسحر جاذبية الحسين كانت تشدّ الناس إليه، وتسيطر عليهم، ولا عجب من ذلك؛ فإنه ربيب رسول الله (ص) وأبيه أمير المؤمنين (ع)، وهو خير خلق الله بعد جده وأبيه، وخليفة رسول الله، جسّد الإسلام في قوله وفعله، وتخلّق بأخلاق الله تعالى، حتى أصبح مظهراً من مظاهر رحمة الله في الأرض.
وهذه الجاذبية هي التي جذبت إليه زهير بن القين الذي قضى حياته عثماني الهوى، وخرج من الكوفة؛ لئلا يبتلي بحربه، ولكن ما أن يلتقيه الحسين (ع) حتى يبعث فيه الحياة الرسالية، وتثور في نفسه روح التضحية والفداء ويعود مستبشراً قد أشرق وجهه، وقد صمم على المضي معه، والاستشهاد تحت رايته.
وتستمر هيبة الحسين (ع) مسيطرة على النفوس حتى وهو صريع يعاني من جراح السيوف وطعن الرماح، وقد وصف عظيم هيبته بعض الجلادين من شرطة ابن زياد فقال: (لقد شغلنا نور وجهه، وجمال هيبته عن الفكرة في قتله) كما يصف الكعبي:
ومجرح ما غيرت منه القنا***حسنا ولا أخلقن منه جديدا
قد كان بدراً فاغتدى شمس الضحى***مذ ألبسته يد الدماء برودا
بل وأكثر من هذا حتى المجرم ابن زياد لما جيء إليه برأس الحسين، قال: (ما رأيت مثل هذا حسناً)، وعندما عرض رأس الحسين (ع) على يزيد، قال: (ما رأيت وجها قط أحسن منه !)، فقال له بعض من حضر : (إنه كان يشبه رسول الله (ص)، وراح يقول : ما رأيت أحداً قط أحسن، ولا أملأ للعين من الحسين)(5).
ولم تتوقف جاذبية الحسين حتى بعد أن اختفى جسداً تألق روحاً، وفكراً، ورمزاً لكل ثوار الحق في العالم، وألقى الله في قلوب الناس- أعداء ومحبين- حبه، وإحياء ذكره حتى في بيوت أعدائه وقاتليه، يقول الطبري : (ثم أمر [يزيد] بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة، معهن ما يصلحهن وأخوهن معهن علي بن الحسين (ع) في الدار التي هن فيها. قال : فخرجن حتى دخلن دار يزيد فلم تبقَ من آل معاوية امرأة إلا استقبلتهن تبكي وتنوح على الحسين فأقاموا عليه المناحة ثلاثاً )(6).
(ثم أدخل نساء الحسين (ع) على يزيد، فصاح نساء آل يزيد، وبنات معاوية، وأهله وولولن، ثم إنهن أدخلن على يزيد، فقالت فاطمة بنت الحسين، وكانت أكبر من سكينة : أبنات رسول الله سبايا يا يزيد ! فقال يزيد : يا ابنة أخي أنا لهذا كنت أكره، قالت : والله ما ترك لنا خرص )(7).
وأظن أن هذا الأخير غير صحيحة فليس من المعقول أن تطالب بحلية سلبت، ولا تُقرّع يزيد وتوبخه، وما قيمة الحلي الذي سلبه جلاوزة يزيد حتى تطالب به، مع أنهن لما رأين اللطف من الرجل الذي أرسله يزيد، لإيصالهن إلى المدينة جمعن حليهن وأرسلنه إليه، (يقول الحارث بن كعب : قالت لي فاطمة بنت علي (ع) : قلت لأختي زينب قد وجب علينا حق هذا ؛ لحسن صحبته لنا، فهل لك أن نصله ؟ فقالت : والله ما لنا ما نصله به إلا أن نعطيه حلينا، فأخذت سواري ودملجي أو سوار أختي ودملجها فبعثنا بها إليه واعتذرنا، وقلنا : هذا بعض جزائك ؛ لحسن صحبتك إيانا، فقال : لو كان الذي صنعته للدنيا كان في دون هذا رضاي، ولكن والله ما فعلته إلا لله، وقرابتكم من رسول الله (ص) )(8).
فكيف يعقل أن بنات الرسالة تطالب بحليها مع أنها تتبرع به لمن أحسن لها... ثم يقول الطبري: (ثم أخرجن فأدخلن دار يزيد بن معاوية فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم )(9).
هكذا أراد الله أن يجعل من قتل الحسين (ع) حركة في التأريخ الإنساني، ويفرض وجوده . ويغرس حبه حتى في قلوب أعدائه ... وبهذه الإرادة الإلهية استمرت حركة الحسين رغم ضغط الطغاة، ومحاولتهم إطفاء نور الله بمختلف الأساليب حتى هدموا قبر الحسين (ع) عدت مرات إلا أنه استمر إلى اليوم ناراً محرقة للظالمين، وصاعقة تتحدى الطغاة تحرك الضمائر والعقول والنفوس... فقد سلك بنو أمية أساليب مختلفة لتشويه نهضته المباركة، منها أنهم جعلوا يوم عاشوراء يوم بركة يحتفلون به كما تقدم ذكره.

الهوامش:
(1) الريشهري، ميزان الحكمة: 4/3226.
(2) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 1/ 25.
(3) ابن كثير، البداية والنهاية: 8/162.
(4) العلايلي، الإمام الحسين (ع): 118 .
(5) القرشي، حياة الإمام الحسين (ع): 1/37-38 .
(6) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 4/353.
(7) المصدر نفسه: 355 .
(8) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 54/ 146.
(9) الطبري، تاريخ الأمم والملوك: 4/355.

المصدر: كتاب الإمام الحسين (ع) شمس لن تغيب
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com