موقع الصراط ... الموضوع : شهر رمضان؛ أجواؤه - معطياته
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  شهر رمضان؛ أجواؤه - معطياته  
   
  كتب بتاريخ : الجمعة - 1 / رمضان / 1436 هـ
     
  بقلم آية الله العلامة السيد محمد حسين فضل الله (قدس سره)
-1-
fadllolah نحن الآن في شهر رمضان، نعيش عمرنا في واحة طيبة خضراء، نستروح جوها الندي المنعش، ونتفيأ ظلالها الوارفة المخضلَّة، في نشوة روحية طاهرة، ونتنفس في أسحارها الطيبة أنفاس الهدوء والطمأنينة، عندما ينطلق الإنسان مع ربه في مناجاة شاعرية عذبة، واقفة بين الخوف والرجاء واثقة بعفو الله ورحمته.
((أدعوك يا رب راهباً راغباً راجياً خائفاً.. إذا رأيت – مولاي - ذنوبي فزعت، وإذا رأيت كرمك طمعت، فإن عفوت فخير راحم، وإن عذبت فغير ظالم)).
وهكذا تسمو النفس الإنسانية أمام ربها في روحانية الدعاء وقدسية الموقف، فتطمأن وتهدأ، ويتحول قلقها من مصيرها المجهول إلى اطمئنان وثقة وإيمان بعفو الله ورحمته ورضوانه.
وعندها تشيع المحبة والوداعة والصفاء في أجواء النفس.. لتنسكب في مجتمعها أخوة ومودة وإخلاصاً.
وهكذا يرتفع هذا الجو الروحي اللذيذ بإنسانية الإنسان، ويشعرها بمسؤوليتها عن المعاني الطيبة التي يشيعها هذا الجو الروحي في نفوس المؤمنين، فلا يشوهها بخطيئة، ولا يلوثها بجريمة.
قلنا: إننا نعيش عمرنا، في واحة، تستريح بها النفس من عناء المادة، ويسترجع بها الإنسان أنفاسه من سيره الطويل المجهد.
ولكنها ليست الواحة التي يخلد الإنسان فيها إلى الاسترخاء والخمول والكسل.
بل الواحة التي تتفتح فيها الروح على آفاق جديدة من الحياة الروحية الكريمة، والجمال النفسي الطاهر، والخير، والإيمان، والسلام، والكفاح. من أجل أن يطهر الإنسان روحه من حيوانية الغريزة.. إلى إنسانية القيمة، في إطار إنساني رائع، لا يشوه القيم، ولكنه يركزها في عمليات الإبداع.
كل ذلك في طريقة طبيعية عملية، ككل وسائل الإسلام التي تحقق غاياته وأهدافه.

-2-
وكان الصوم وسيلة من وسائل الإسلام لتحقيق أهدافه وغاياته.
ومن أعظم أهداف الإسلام تربية الإرادة.. أن يملك الإنسان أن يقول نعم، وأن يقول: لا .
عندما تدهمه شهوته، أو تدعوه عادته، أو يسخره ظالم، أو مستهتر، لخدمة أغراضه وشهواته.. أن يكون حراً في حياته؛ فلا تستعبده رغبة، ولا تقهره شهوة، ولا يملك مصيره إنسان.. أياً كان ذلك الإنسان.. أن يكون سيد نفسه.. يملك أن يريد، ولا يريد.
ووظيفة الإرادة في حياتنا هي وظيفة الضابط الذي يكبح جماح الغريزة، ويخفف من غلواء الحيوانية النهمة التي تعيش في عروقنا ودمائنا فتستثير شهواتنا وغرائزنا.
وكان لا بد للإسلام من سبل وطرق عملية لتربية هذه الإرادة ورياضتها.
وكان الصوم أحد هذه الوسائل، وإحدى هذه الطرق، ففي الصوم حدٌّ من طغيان الجسم على الروح، والمادية على الإنسانية، والعبودية على الحرية، ورياضة للإنسان.. أن يقول: لا ، عندما تدهمه شهوته إلى الأكل أو الشرب أو الاستمتاع باللذات، أو تدعوه عادته إلى ذلك.
وليلاحَظ بدقة نوعية الأمور التي فرض الله-عز وجل-على الإنسان أن يمتنع عنها، وشدة علاقته بها في حياته اليومية ومدى سيطرة العادة والحاجة الذاتية فيها، ليعرف قوة مثل هذه الرياضة وطبيعتها العملية، وأثرها في تربية الإرادة، فإن رياضة النفس فيما هو من ضروريات الحياة.. تجعل الإنسان أقوى على ترويض نفسه عما هو دون ذلك.
وهنا ندرك كيف يكون الصوم طريقاً للكفاح، فإن الكفاح في حياتنا إرادة للخير، وانطلاق لتحقيق تلك الإرادة.
وكان الصوم إلى جانب ذلك عبادة لله تعالى.. كبقية العبادات.. يلتقي فيها الإنسان بربه، فتتلاشى إرادته وتذوب إزاء إرادة الله سبحانه.
ولكنها لا تذوب لتموت، بل لتحيا، ولتعود-بإيمانها وخضوعها لخالقها-أقوى ما تكون على مواجهة الأحداث في ميادين الصراع، ولتحقق في هذا التلاشي-الذي هو مثال العبودية الحقة-لله- مبدأ قوة الإنسان، ونقطة الانطلاق لحريته؛ لأن الإخلاص لله في العبادة، وإطاعته فيما يأمر به، وينهى عنه، يمثل في جوهره، وحقيقته التحرر من الخضوع لأية قوة-مهما كانت-وراء قوة الله.
وهذا هو ما تعبر عنه الآية الكريمة: ((إياك نعبد وإياك نستعين)).
وبذلك كانت العبادة، وكان الصوم، وسيلة عملية لتحرر الإنسان من عبوديته لأخيه الإنسان، ومن عبوديته لعادته وشهوته.
هذه هي بعض القضايا التي يمكن أن نستفيدها من الصوم-حسب فهمنا- له. ولكننا لن نستطيع هذه الاستفادة إذا اعتبرنا الصوم-في حياتنا-مجرد عادة كبقية العادات أو مجرد عبء ثقيل-كبقية الأعباء-، أو اعتبرناه حرماناً للإنسان وحداً من حريته، لا مجالاً لاسترداد الإنسان حرية إرادته، وحرية تفكيره.
إننا إن فعلنا ذلك، فنظرنا إليه كما ننظر إلى أية عادة من عاداتنا التي نؤديها دون إدراك لضرورتها فلن نستطيع أن نأخذ منه شيئاً؛ لأنه لا يستطيع حينئذ أن يعطينا شيئاً، حيث يصبح عادةً كبقية العادات التي نحتاج إلى الكثير الكثير من الجهد لإصلاحها وإعادتها إلى مجالها الطبيعي كأداة للخير لا للشر.

-3-
والحديث عن شهر رمضان.. يجرنا إلى الحديث عن بعض النماذج الحية في مجتمعنا المسلم، وكيف تعيش في شهر رمضان حياتها العملية؟
هذه النماذج التي قد نجد في بعضها صورة للجهل الأعمى بالدين وأهدافه.
(1) في مجتمعنا هذا.. نلمح الكثيرين يحيون اللهو والعربدة والخلاعة-في سائر أيام السنة- حتى إذا جاء شهر رمضان لبسوا المسوح، واتجهوا للعبادة والاستغفار والدعاء، فإذا أقبل العيد عادوا إلى حالتهم الأولى، ومنشدهم ينشد:
رمضان ولى هاتها يا ساقي *** مشتاقة تهفو إلى مشتاق
كأن للعبادة موسماً خاصً كبقية الأشياء التي يكون لها مواسم، ثم تفقد معناها في خارج وقت الموسم.
هؤلاء الناس يفهمون الدين مجرد طقوس وتقاليد وعادات موقتة بأوقات معينة، ونستطيع أن نلمح في حالتهم الصورة الحية للشخصية المزدوجة.
(2) وفي مجتمعنا هذا.. يعود شهر رمضان- عند الكثيرين منا – مجالاً للسهر والسمر واللهو البريء وغير البريء، فلا تشعر- وأنت في هذا الجو- أنك تعيش في هذا الشهر العظيم الذي أعده الله تعالى ليكون مجالاً لتركيز الشخصية الإسلامية.
هؤلاء الناس لا يعيشون حياتهم إلا على سبيل اللهو والهزل ولا يطيقون السير على الأسس الجدية العملية.
(3) وفي مجتمعنا هذا.. يصوم الكثيرون، ويمسكون –طيلة النهار- عن الأكل والشرب واللذات الأخر، فإذا جاء وقت الإفطار، اندفعوا يعبون من تلك اللذات التي يحسبون أنهم حرموا منها طيلة النهار، فيحاولون التعويض عما فاتهم منها.. غير مدركين لمغزى الصوم، أو الإمساك.
هؤلاء الناس لا يصومون لما في الصوم من ارتفاع بإنسانيتهم، وتطهير لأجسامهم، وتحرير لإرادتهم، بل إنما يصومون لإسقاط الواجب الذي لا يدركون فائدته ووجه الحاجة إليه، تماماً، كما يمتنع الناس عن الزنا مثلاً؛ لأن القانون يحرم ذلك، لا لأن قيمه ومثله ووعيه لمفاسده، تفرض عليه ذلك.
(4) وفي مجتمعنا هذا.. تتنوع المأكولات، وتتميز عن بقية أيام السنة، عندما يحل هذا الشهر العظيم، وتتعدد الموائد إكراماً للصائمين، ولكنها لن تستقر إلا في بطون الوجهاء والأغنياء والمفطرين.
أما الصائمون والفقراء والمغمورون من عباد الله الصالحين فقد لا ينالهم منه إلا القليل القليل.
هؤلاء الناس يجدون في هذا الشهر فرصة طيبة للأكل وملء البطون ، والجاه والشهرة.
هذه بعض النماذج.. نعرضها ونقدمها (هدية) لمن يعلقون على ما يكتب عن الصوم وفوائده. بأنهم لا يلمسون هذه الفوائد في حياتهم عندما يصومون.
إننا نقدم هذه النماذج لهم.. مكتفين بأن نقول لهم: إن وجود مثل هذه النماذج في حياتنا كفيل بالجواب عن هذا التعليق وعن فقداننا لفوائد الصوم في حياتنا العملية، وكيف أصبح عندنا مجرد عادة ميتة.. مجرد تقليد من تقاليدنا الكثيرة التي نؤديها من غير حرارة.. من غير إيمان.

-4-
وفي هذا الشهر.. وفي كل ليلة.. لم يزل المسلمون يرددون في دعاء الافتتاح الفقرات المباركة:
((اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة.
اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه، اللهم المم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، وكثر به قلتنا، وأعز به ذلتنا، واغنِ به عائلنا، واقض به عن مغرمنا، واجبر به فقرنا، وسد به خلتنا، ويسر به عسرنا، وبيض به وجوهنا، وفك به أسرنا، وأنجح به طلبتنا، وأنجز به مواعيدنا، واستجب به دعوتنا، وأعطنا به سؤلنا، وبلغنا به من الدنيا والآخرة آمالنا، واعطِنا به فوق رغبتنا، يا خير المسؤولين وأوسع المعطين.. اشف به صدورنا وأذهب به غيظ قلوبنا، واهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وانصرنا به على عدوك وعدونا، إله الحق آمين يا رب العالمين)).
إنها الدعوات الحارة الخالصة.. تنطلق مع خفقات قلوب المؤمنين، بآمالهم وآلامهم في العصر الحاضر.. وفي كل عصر يعيث الظلم فيه بمقدرات المسلمين، ويتلاعب بأحكامهم ومبادئهم.
إنها الدعوات المؤمنة بإسلامها وضرورته للحياة.. كقاعدة للفكر والعاطفة.. والحياة.
حقق الله الآمال، وأجاب الدعوات إنه سميع الدعاء قريب مجيب وهو ولي التوفيق.

المصدر: قضايانا على ضوء الإسلام
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com