موقع الصراط ... الموضوع : خلافة الإمام الحسن (ع) وظروفها-1
 
الجمعة - 10 / جمادي الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  خلافة الإمام الحسن (ع) وظروفها-1  
   
  كتب بتاريخ : الخميس - 14 / رمضان / 1436 هـ
     
  محاضرة للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره)
اُلقيت يوم السبت 12/ رجب/ 1388هـ-
السيد الصدر قلنا(1): إنّه بعدما خرّ الإمام علي (عليه السلام) صريعاً في المسجد كانت بذرة التناقض [في‏] التجربة الإسلاميّة -التي تزعّم قيادتها لإعادة كامل الصيغة الإسلاميّة إلى الحياة- بدأت تستفحل وتشتدّ. هذه البذرة هي التي سمّيناها في ما سبق بـ-«الشكّ»، ودرسنا الظروف الموضوعيّة والنفسيّة والتاريخيّة التي كوّنت هذا الشك. ونقصد من هذا الشكّ: الشكَّ في القائد، في نظريّة القائد واُطروحته التي يكافح من أجلها ويحارب على أساسها.
وكان هذا الشكّ -على ما أوضحنا في ما سبق‏(2)- شكّاً مصطنعاً ولم يكن شكّاً حقيقيّاً، أي: بالرغم من أنّه كان يعيش وجدانات أكثر القطّاعات التي دخلت في حكم الإمام علي (عليه السلام)، [إلّا أنّه‏] لم يكن شكّاً بحكم المنطق أو بحكم [سيرة الإمام‏] علي (عليه السلام)، وإنّما كان شكّاً مستوحىً من إرهاق هؤلاء وانخفاض أنفاسهم [بسبب‏] خطّ الجهاد الطويل المتواصل.

اقتناع الاُمّة بالقضيّة شرط نجاحها:
وما من رسالةٍ وقائدٍ يحمل‏(3) اُطروحةً رساليّةً تكون فوق مصالح الأفراد وفوق حدود وجوداتهم، ما من رسالةٍ وقائدٍ يحمل رسالةً من هذا القبيل يمكن أن ينجح في خطّ عمله ما لم يحصل على اقتناع الاُمّة بالاُطروحة والقضيّة.
القضيّة التي [هي‏] أكبر من مصالح هذا الفرد بالذات وذاك الفرد بالذات لا يمكن أن تضمن نجاح مصلحة هذا الفرد بالذات وهذا الفرد بالذات؛ فالمصالح المحدودة المقيّدة قد تتعارض مع قضيّة كبيرة. وهذه القضيّة الكبيرة جدّاً -أيّ قضيّة كبيرة جدّاً تطرح على المسرح السياسي أو الاجتماعي- لا يمكن أن تنجح إلّا إذا حصلت على اقتناعٍ من الاُمّة بصحّتها ونبلها وواقعيّتها وضرورة تطبيقها.
وهنا لا يلزم أن يحصل هذا الاقتناع من الاُمّة ككلّ، بل يكفي أن يحصل هذا الاقتناع لدى جزءٍ مهمٍّ من الاُمّة، ثمّ يُحصِّل هذا الجزء باقي الأجزاء، فيكسبها بالتدريج إلى الاقتناع، كما وقع في أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله): [في أيّام النبي (صلّى الله عليه وآله)](4) كان هناك اقتناع من قبل جزءٍ من الاُمّة، وكان هناك استسلام وتجميد من قبل أجزاء اُخرى سمّاها القرآن بـ-«المنافقين»؛ الجزء المنافق من الاُمّة كان جمّد مهمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله)(5)، والجزء المقتنع من الاُمّة هو الطليعة التي تحمل بيدها الرسالة، وتحارب من أجلها، وتبذل دمها في سبيل تحقيق الأهداف.

تحوّل الشكّ بعد عهد الإمام علي (عليه السلام) كيفيّاً وكميّاً:
هذا المنطق كان يقضي على التجربة التي خلّفها الإمام عليٌّ بأن تعيش حالة مضطربة من التناقض؛ لأنّ هذا الاقتناع -الذي هو شرطٌ ضروريٌّ في إنجاح أيّ اُطروحة رساليّة تتعدّى حدود ومصلحة الأفراد- لم يكن متوفّراً في أواخر عهد الإمام علي (عليه السلام)؛ بحكم الظروف التي كان يعيشها الإمام.
وهذا الشكّ كان قد بدأ من عهد الإمام علي (عليه السلام)، واستمرّ بعده حينما تولّى الإمام الحسن (عليه السلام) مقاليد الحكم، غير أنّه تحوّل من شكّ سلبيٍّ على الأكثر إلى شكٍّ إيجابيٍّ على الأكثر:
1- كان هذا الشكّ في عصر الإمام علي (عليه السلام) شكّاً سلبيّاً إذا استثنينا قصّة الخوارج، هذا الشكّ في اُطروحة الإمام كان شكّاً سلبيّاً، يعني أنّه كان ينعكس على مستوى سلبي لا على مستوى إيجابي، ينعكس على مستوى التخاذل، والتميّع، والتثاقل عن الزحف، والتلكّؤ في تلبية الأوامر العسكريّة التي كان يصدرها الإمام علي (عليه السلام) بالالتحاق بخطّ الجهاد(6)، فكان ينعكس في مواقع سلبيّة على الأكثر، بينما أخذ هذا الشكّ ينعكس بعد الإمام عليٍّ انعكاساً إيجابيّاً.
2- ومن ناحيةٍ اُخرى أيضاً اتّسع نطاقه، فشمل قطّاعاتٍ أكثر من المجتمع الذي كانت تحكمه التجربة.
يعني: طرأ على هذه التجربة:
أ- تحوّلٌ كيفيٌّ ينعكس إيجابيّاً على الأكثر، كما كان ينعكس سلبيّاً على الأكثر.
ب- وتحوّلٌ كيفيٌّ جعله يطغى ويشتدّ بالتدريج في الجماهير التي كان من المفروض أن تساهم في مواصلة العمل والجهاد في إنجاح التجربة.

أرضيّة بذرة الشكّ في عهد ما بعد الإمام علي (عليه السلام):
أمّا لماذا طغى هذا الشكّ كيفيّاً وكميّاً بعد الإمام علي (عليه السلام)؟ فهذا هو السؤال الذي يجب أن يجاب عنه. والجواب ينحصر في النقاط التي ذكرناها في أبحاثنا السابقة(7).
هذا الشكّ بدأ في عهد الإمام علي (عليه السلام)، وكان فحوى هذا الشكّ ومضمونه هو [تشكيك‏] الإنسان العراقي المجاهد تحت لواء الإمام عليٍّ (عليه السلام) في أن تكون معركة الإمام عليٍّ (عليه السلام) مع معاوية هي معركة الإسلام مع الجاهليّة في قالبها الجديد.
هذا المفهوم الذي كان يعطيه الإمام علي (عليه السلام) بقوله، بوجوده، بسلوكه، بكلّ جوانبه‏(8) ومشاعره.. هو أنّ معركته مع معاوية كانت معركة بالصيغة الإسلاميّة الكاملة الشاملة للحياة مع الجاهليّة، ولكن بالثوب الجديد وعلى مستوى جديد؛ لأنّ الجاهليّة بالأمس لم تكن تقتنع إلّا بإنكار الصيغة الإسلاميّة رأساً، بإنكار النبوّة رأساً، ولكن بعد ذلك، وبعد أن سيطر الإسلام على مقاليد كسرى وقيصر ومَلَك المعمورة، بعد هذا أصبحت الجاهليّة بإزاء أمرٍ واقعٍ استشعرت في مقابله [بالخطر](9)، فعدّلت من موقفها: فبينما كانت تريد أن تنكر الإسلام ككلّ، بدأت تحاول أن تنكر جزءاً من الإسلام، وهو الجزء الذي يتعارض مع واقع مصالحها السياسيّة والاجتماعيّة وفهمها لأساليب الحياة وتقييمها للسلوك.
هذه المعركة كان يعطيها الإمام لا بقوله فقط، بل بسلوكه ووجوده وتصديقه بهذا المفهوم. استطاع الإمام علي أن [يصنع‏] المعجزة في سبيل أن يجعل شعباً يواكب هذا المفهوم ويقتنع به، وهو شعبٌ لم يعِش أيّام الرسالة الاُولى، ولم يعِش قضيّة الإسلام على عهد النبوّة.
شعب العراق دخل الإسلام منذ سنين‏(10)، ولم تكن أكثر القواعد الشعبيّة التي اعتمد عليها الإمام علي (عليه السلام) قد عاشت أكثر أيّام الإسلام الاُولى، أيّام الوحي الاُولى، مع هذا كسب الإمام هذا الاقتناع إلى درجةٍ ما وإلى وقتٍ ما.
ثمّ بدأ الشكّ في ذلك، [بدأ] الشكّ في قضية عليٍّ (عليه السلام) مع معاوية: هل هي قضيّة الإسلام مع الجاهليّة بثوب جديد؟ أو هي قضيّة صراع بين شخصين، بين اُسرتين، بين اتجاهين كانا يتحاربان قبل الإسلام واستأنفا الحرب بعد الإسلام؟
كان هاشم مع اُميّة، كان عبد المطلب مع اُمويٍّ آخر(11)، كان محمّد مع أبي سفيان، كان عليٌّ مع معاوية، هل هذه الحرب هي استمراريّة لاتجاهين تاريخيّين وعلاقة تاريخيّة متأخّرة بين هاتين القبيلتين؟
هذا الشكّ بدأ يوجد وينمو في عصر الإمام علي (عليه السلام)، لكن هل المنمّي له هو [الإمام علي (عليه السلام)] أو سياسة الإمام علي (عليه السلام)؟
بل هو الإرهاق الشعبي، انقطاع النفس، رغبة الشعب، حبّ السلامة.. هذا هو الذي نمّى هذا الشكّ.

عوامل طغيان الشكّ كيفيّاً وكميّاً بعد الإمام علي (عليه السلام):
هذا الشكّ بدأ يشتدّ ويقوى بعد الإمام علي (عليه السلام)؛ فإنّ موت الإمام كان [مثيراً] لعوامل عديدة، هذه العوامل العديدة أدّت إلى تنمية هذا الشكّ كيفيّاً وكميّاً.

1 - العامل الأوّل: الفراغ الذي خلّفه رحيل الإمام علي (عليه السلام):
أوّل هذه العوامل: لحظة الفراغ؛ فالإمام علي (عليه السلام) ملأ المركز السياسي للتجربة، وكان كلّ إنسان في التجربة مشدوداً بواقع حياته إلى الاعتراف بسلطته وشرعيّته وأحقيّته.
ثمّ فُقد الإمام في لحظة مفاجئة من دون سابقِ تمهيدٍ أو إعدادٍ لهذا الخطّ. وهذا الاغتيال الذي أودى بحياة هذا الإمام العظيم أدّى بالمسلمين الذين عاشوا في كنف التجربة التي تزعمّها الإمام علي (عليه السلام) إلى أن يعيشوا لحظة فراغٍ سياسي‏(12).
حينما انطفأت الشعلة، حينما خلت الساحة من الإمام، أخذوا يحسّون بأنّهم يفقدون اختيارهم، بأنّهم أصبحوا في مركز لا بدّ لهم [فيه من‏] أن يفكّروا من جديدٍ في أنّ أيّ الطريقين لا بدّ أن يختاروا! [بينما كانت‏] استمراريّة الحاكم تمنع من أن يشعروا بأنّهم في موقفٍ يتيح لهم التفكير من جديد.
إنّ انطفاء الشعلة وخلوّ الساحة من الإمام القائد (عليه السلام) أدّى بهؤلاء إلى أن أصبحوا يشعرون بأنّهم في موقفٍ جديد، و[أنّ عليهم أن‏] يدرسوا قضيّتهم الجديدة، ويدرسوا -على ضوء مصالحهم- الاتجاهَ والسلوكَ الذي يجب أن يُطبَّق بالنسبة إلى مستقبلهم.

العامل الثاني: نظرة الاُمّة إلى كيان الحسن (عليه السلام) بوصفه الكيان الطارئ:
إنّ الإمام الحسن (عليه السلام) حينما تسلّم مقاليد الحكم كان هناك كيانٌ سياسيٌّ قائمٌ يحكم في العالم الإسلامي، وهذا الكيان يتمثّل في حكم الشام الذي كان يقوده معاوية.
كان هناك كيانان سياسيّان حاكمان في العالم الإسلامي:
أحدهما: يقوده الإمام الحسن (عليه السلام).
والآخر: يقوده معاوية.
وهذا الكيان الذي يقوده معاوية اكتسب في نظر معاوية وأهل الشام شرعيّة ثوب الخلافة بعد التحكيم في أعقاب معركة صفّين. ولهذا أخذ معاوية يعيش مع قاعدته كما يعيش الخليفة مع رعيّته.
والإمام علي (عليه السلام) كان استمراريّة لوجودٍ سياسيٍّ أسبق وخلافة شرعيّة أسبق زمنيّاً من هذا الكيان السياسي القائم بالشام.
لكن بعد أن خلا الميدان من الإمام علي (عليه السلام) وجاء الحسن (عليه السلام) يتسلّم مقاليد الحكم، كان في الذهنيّة العامّة والتصوّر العام للإنسان العادي المسلم بأنّ هناك شيئاً يملأ الفراغ إلى حدّ ما، فلا بدّ من التفكير من جديد؛ لأنّه من اللازم بناء كيانٍ سياسيٍّ جديد، أو الالتحاق بهذا الكيان القائم‏(13).
مثل هذا التفكير لم يكن موجوداً في أيّام الإمام علي (عليه السلام)، بل إنّ هذا الكيان السياسي القائم في الشام طرأ في أيّام علي (عليه السلام)، بينما الآن كيان الحسن (عليه السلام) يعتبر في ذهن‏(14) الإنسان العادي هو الطارئ على الكيان السياسي.
فقد استغلّ معاوية هذه النقطة في كتابه إلى الإمام الحسن (عليه السلام) حيث قال ما مضمونه: «قد تمّت الخلافة لي ولزمتك منذ يوم التحكيم، وأنت الآن لا بدّ لك أن تدخل في ما دخل الناس»(15).
معاوية يتكلّم بلغة الخليفة، بينما لم يكن يمكنه أن يتكلّم بلغة الخليفة في عهد عليٍّ (عليه السلام)؛ لأنّه هو الذي شقّ عصا الطاعة عليه (عليه السلام)، فلو تكلّم لم يكن مثل هذا الكلام قادراً على أن يزرع الشكّ قدرةَ كلامه مع الإمام الحسن (عليه السلام) [على فعل ذلك‏].
فهذا العامل الثاني [يثير الشكّ‏] في أذهان العاديّين غير الواعين في أنّه: هل من الضروري الحفاظ [على هذا الكيان‏]؟ أو هل من الضروري بناء هذا الكيان إلى جانب ذلك الكيان؟ أو بالإمكان الانسحاب من ذلك الكيان؟

العامل الثالث: الاعتبارات الشخصيّة القائمة في أمير المؤمنين (عليه السلام):
العامل الثالث هو الاعتبارات الشخصيّة القائمة في أمير المؤمنين؛ فالإمام الحسن والإمام علي (عليهما السلام) في منطق العصمة سواء، وفي منطق النصّ الإلهي سواء، ولكنّهما في منطق الجماهير وقتئذٍ لم يكونا سواء. ونحن نعلم بأنّ التجربة والحكم الذي كان يمارسه الإمام علي (عليه السلام) لم يكن قائماً على أساس نصٍّ إلهيٍّ أو [على أساس‏] العصمة، وإنّما كان استمراراً لخطّ السقيفة، غاية الأمر [أنّ‏] هذه الجماهير التي أخطأت حظّها في المرّة الاُولى وفي المرّة الثانية وفي المرّة الثالثة، أصابت حظّها في المرّة الرابعة. فهذه التجربة كانت تقوم على أساس مفهومٍ جماهيري، لا على أساس نظريّة العصمة والنصّ الإلهي.
وهنا يدخل في تقييم الحاكم اعتبارات كثيرة كانت الجماهير تعيشها؛ فالجماهير كانت تعيش اعتباراتٍ عديدةً عن الإمام عليٍّ (عليه السلام)، ولا تعيش مثل هذه الاعتبارات عن الإمام الحسن (عليه السلام):
أ- فمن ناحية [نجد] أنّ الإمام [عليّاً (عليه السلام)] سوابقه من أيّام الرسول، صحبته الطويلة، مواقفه العظيمة في الأيّام الاُولى من الإسلام، سلطته الروحيّة والعلميّة في آفاق الصحابة، كلّ هذا يجعل من الإمام علي (عليه السلام) رجلاً عظيماً في أنظار المسلمين، رجلاً أهلاً لِأنْ تُسلَّم إليه مقاليد الاُمور، حتّى في اللحظة الحرجة. أمّا الإمام الحسن (عليه السلام)، فلصغر سنّه وعدم وجود تاريخٍ مماثلٍ لديه من هذا القبيل لم يكن يملك القدرة على الإخضاع النفسي -على إخضاع المسلمين نفسيّاً- بالشكل الذي كان يتاح للإمام [علي‏] (عليه السلام).
بـ- من ناحيةٍ اُخرى، فإنّ البيعة التي حصل عليها الإمام علي (عليه السلام) كانت أوضح شرعيّةً -في نظر الجماهير التي تؤمن باتجاه السقيفة- من بيعة الإمام الحسن (عليه السلام)؛ لأنّ بيعة الإمام علي (عليه السلام) تمّت في المدينة، وتمّت على يد الصحابة، ولم يختلف في ذلك إلّا قليلون، والباقون كلّهم بايعوا الإمام عليّاً (عليه السلام) وكانوا القاعدة الاُولى لبيعته، وكان هناك عددٌ كبير من الصحابة لا يزال موجوداً على المسرح الاجتماعي والسياسي.
كلُّ هذا يعطي لحاكميّة الإمام علي (عليه السلام) البهاء والشرعيّة والقدرة على التأثير والنفوذ والإخضاع لنفوس الآخرين، ومثل هذا لم يكن متوفّراً للإمام الحسن (عليه السلام).

العامل الرابع: شبهة وراثة الخلافة:
من عوامل تعميق الشكّ هو أنّ الحسن (عليه السلام) تسلّم مقاليد الحكم عقيب أبيه مباشرة، فاستوحى الإنسان العادي الضعيف غير الواعي من هذا العمل قرينةً جديدةً على ذلك التصوّر الخاطئ.
الإنسان الذي يفترض أنّ معركة عليٍّ (عليه السلام) مع معاوية [هي‏] معركة اُسرة مع اُسرة، معركة عشيرة مع عشيرة، لا معركة رسالة مع رسالة.. الإطار القَبَلي للمعركة، هذا الإطار عزّزه أنّ الحسن (عليه السلام) تولّى الإمامة والخلافة بعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام).
طبعاً، هذا التعزيز لم يكن [ليوجد] لو افترضنا أنّ الجماهير المسلمة كانت واعية، وكانت تعيش نظريّة الإسلام عن الإمام حقيقةً. ولكن، حيث إنّ الجماهير لم تكن واعية، وكانت هي جماهير السقيفة التي قالت: «من ينازعنا سلطان محمّد»(16)، هذه الجماهير كانت تحمل تلك الروح، ولهذا استوحت وتصوّرت أنّ تسلّم الإمام الحسن (عليه السلام) مقاليد الحكم عقيب استشهاد الإمام علي (عليه السلام) قرينةٌ على أنّ القصّة قصّة بيت في مقابل بيت، وليست قصّة رسالة في مقابل رسالة.
والذي منع الإمامَ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) من الإعلان الرسمي والسياسي على مستوى الجماهير عن [خلافة] الإمام الحسن (عليه السلام) له في المركز السياسي هو تفادي مثل هذا التصوّر. ولهذا أوصى إلى الحواريّين -الذين يؤمنون بالنظريّة الإسلاميّة الصحيحة للإمامة- بإمامة الحسن (عليه السلام)، وعرّفهم بأنّ الحسن (عليه السلام) هو الإمام، وهو الحجّة من قبل الله والوصيّ من بعده‏(17)، إلّا أنّه -بوصفه حاكماً ورئيساً للدولة- لم يعلن إعلاناً رسميّاً سياسيّاً أنّ الحسن (عليه السلام) هو الذي يتسلّم الأمر من بعده.

العامل الخامس: تردّد الاُمّة في سريان الشكّ إلى القائد نفسه:
من عوامل تعمّق الشكّ في نفوس المسلمين هو: أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) -لظروفٍ سوف نشرحها(18)- لم يكن قد تسرّع للإعلان عن عزمه على الحرب مع معاوية والاشتباك المسلّح معه.
عدم إعلان الإمام الحسن (عليه السلام) وعدم تسرّعه في الإعلان عن عزمه على الاشتباك المسلّح مع معاوية استغلّه معاوية، وأشاع على أساسه أنّ الحسن (عليه السلام) يفكّر في الصلح‏(19).
كانت هذه الإشاعة قائمة على أساس هذه النقطة، وكانت لهذه الإشاعات مساهمة كبيرة جدّاً في توسيع نطاق الشكّ عند المسلمين، وتردّدهم في أن تكون هذه القضيّة التي يحاربون من أجلها قضيّةً يَشُكّ فيها القائد نفسُه.

تعمّق الشكّ واتّساع رقعته نتيجة العوامل الخمسة:
هذه العوامل الخمسة أدّت إلى توسيع نطاق الشكّ، هذا الشكّ المصطنع بعد وفاة الإمام [علي (عليه السلام)] في تسلّم الإمام الحسن (عليه السلام) مقاليد الحكم والزعامة -والذي اشتدّ على أساس هذه العوامل- تحوّل -كما قلنا- كيفيّاً من طاقة سلبيّة إلى طاقة إيجابيّة، وتحوّل كمّيّاً من شكٍّ يعيشه بعض الأفراد والجماعات إلى شكٍّ تعيشه الجماهير في مختلف قطّاعات هذا المجتمع الذي كان يحكمه الإمام الحسن (عليه السلام).
هذا الشكّ يبدو بكلّ وضوح ومنذ اللحظة الاُولى لتسلّم الإمام الحسن (عليه السلام) مقاليد الحكم، أو منذ اللحظة الاُولى التي [فجع‏] فيها الإمام (عليه السلام) باستشهاد أبيه إلى اللحظة الأخيرة التي تمّ فيها تسليم الأمر لمعاوية. في كلّ هذه الفترة القصيرة -منذ اللحظة الاُولى إلى اللحظة الأخيرة- نحن نجد الشواهد تلو الشواهد والدلائل تلو الدلائل على هذا الشكّ -المرير، المتزايد، المتنامي في نفوس الجماهير- في القائد، وفي الاُطروحة، وفي الأهداف، وفي الرسالة.

ظروف بيعة الإمام الحسن (عليه السلام):
الإمام علي (عليه السلام) يستشهد، ويعلن الإمام الحسن (عليه السلام) عن وفاة الإمام العظيم، ولم يعلن عن مسألة الخليفة لتعيين ما يملأ به الفراغ السياسي الذي تركه الإمام علي (عليه السلام)، [بل‏] يذهب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المسجد يؤبّن الإمام عليّاً، [يقرّظ](20) أباه وينعاه، وفي هذا [التقريظ] يحاول أن يدفع الشكّ بقدر ما يمكن لكلماتٍ أن تدفع الشكّ. أراد أن يستعرض صورةً ملخّصةً عن هذا الإمام العظيم الذي خرّ شهيداً في المسجد بين المسلمين، أراد أن يقدّم بين المسلمين صورةً موجزةً عن هذا الرجل النظيف الذي لم يعش لحظةً إلّا لرسالته ولإسلامه.
بعد أن ألقى [الخطبة] التي أراد فيها أن يدفع الشكّ -بقدر ما يمكن لخطبةٍ أن تدفع الشكّ- عن الإمام عليّ (عليه السلام)، بعد هذا وقف ساكتاً يتأمّل ليرى ماذا سيكون ردّ الفعل؟ ماذا يكون موقف المسلمين من هذه اللحظة، من مل‏ء الفراغ، من القضيّة المطروحة الآن؟ وهي قضيّة مل‏ء الفراغ الذي تركه الإمام علي (عليه السلام).. لمن يتوجّه المسلمون الآن؟
كلّ المسلمين سكتوا، لم يقم أحد، لم يجب أحد، لم يُبرِز أحدٌ شيئاً، هؤلاء المسلمون المجتمعون في المسجد، هؤلاء هم الاُمناء على التجربة، هم أصحاب علي، هم قادة هذا المجتمع، هم الطليعة التي كان بها يصول وبها يكافح وبها يجاهد هذا الإمامُ العظيم، كلّهم سكتوا، لم يجب [أحد]، لم يقل [أحدٌ] شيئاً أبداً. قام ابن عمّه عبدالله بن عبّاس فقدّم اُطروحة خلافة الإمام: قال بأنّ عليّاً (عليه السلام) إن كان قد ذهب فهناك ابنه الحسن (عليه السلام) سوف يواصل طريقه، سوف يسير في خطّه، سوف يحمل اللواء، سوف نسير في كنفه.
حينما قدّم هذا الشعار أو هذه الاُطروحة بدؤوا: شخصٌ [يقوم‏] من زاوية المسجد، وشخصٌ من زاوية اُخرى، وهكذا.. فاستجابوا مع هذا الشعار وبويع الإمام (عليه السلام)(21).

لماذا قَبِل الإمام الحسن (عليه السلام) بأنْ يُبايَع في ظلّ تنامي مرض الشكّ؟
وهنا قد يقول القائل: إنّ الإمام الحسن لماذا قبل أن يبايَع وهو يشعر بهذا الشكّ المتزايد المتنامي؟ هذا الشكّ الذي يُعجز القيادة عن إنجاح أهدافها والوصول إلى أغراضها. لماذا وافق أن يبايَع وأن يتسلّم زمام الحكم في لحظةٍ يائسة؟
والجواب: أنّه لو لم يقبل بذلك، لو أنّه رفض أن يبايَع، لو أنّه لم يتسلّم مقاليد الحكم بعد الإمام علي (عليه السلام)، لقيل بأنّ هذا الشكّ الذي يعيشه المسلمون يتسرّب إلى نفس القادة أنفسهم، إلى الحسن (عليه السلام) نفسه، وبأنّ الحسن (عليه السلام) أصبح يعيش هذا الشكّ في صحّة هذه المعركة، في ضرورة هذه المعركة، في أهميّة هذه المعركة، فكان لا بدّ لكي يثبت الإمام الحسن (عليه السلام) أنّ القادة لا يزالون يؤمنون بقضيّتهم واُطروحتهم على المستوى الذي [كانوا] يؤمنون به من الساعة الاُولى [أن‏] يبادر ويقبل البيعة التي عرضها المسلمون وقتئذٍ، ويتحمّل المسؤوليّة، مسؤوليّة الحكم.
وهكذا كان‏(22)، تحمّل (عليه الصلاة والسلام) مسؤوليّة الحكم بالرغم من هذا الشكّ؛ لأجل أن لا يُتّهم القائد بأنّه أيضاً بدأ يشكّ.

الحسن (عليه السلام) يعتزم تأخير المعركة بهدف التفرّغ للقضاء على الشكّ:
أنا اُقدّر وأظنّ أنّ الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) حينما تسلّم مسؤوليّة الحكم كان عازماً على أن لا يُسرع في خوض معركة مسلّحة مع معاوية بن أبي سفيان، كان يودّ أن تؤجّل المعركة المسلّحة إلى أمدٍ طويل؛ وذلك لكي يصفّي -أو لكي يحاول أن يصفّي- هذا الشكّ في الداخل، لكي يتفرّغ للظروف الداخليّة وللمجتمع الذي يحكمه، ويحاول أن يخفّف من حدّة هذا الشكّ، ويقضي على بعض منابعه، ويعالج بعض أسبابه، وينعش من جديد نفسيّة الفرد المسلم في داخل هذا المجتمع، حتّى إذا استطاع في نهاية الشوط أن يكسب درجةً معقولةً من الاقتناع بالقضيّة والاُطروحة، حينئذٍ يبدأ معركته المسلّحة مع معاوية بن‏ أبي سفيان، وهذا هو الذي جعله لا يعلن عزمه على الحرب منذ اللحظة الاُولى.
جاءه بعض خواصّه، طلبوا منه الإعلان السريع عن الحرب، والسفر السريع إلى ميدان القتال قبل أن يتقدّم معاوية، وقبل أن يخرج معاوية من بلاده. إلّا أنّه (عليه الصلاة والسلام) رفض ذلك‏(23)، وكان رفضه مرتبطاً -على ما أظنّ- ارتباطاً وثيقاً بالظروف النفسيّة التي يعيشها المجتمع الإسلامي الذي يحكمه وقتئذٍ. كانت هذه الظروف النفسيّة بحاجة إلى علاج أكثر ممّا هي بحاجة إلى حرب، بحاجة إلى توعية أكثر ممّا هي بحاجةٍ إلى قتال، بحاجة إلى إعطاء فرصة جديدة لكي يدرسوا من جديد الاُطروحةَ ونبلَها وأهدافَها وخيراتِها وبركاتِها قبل أن يكلَّفوا بقتال جديد. ولهذا تمهَّل [الإمام الحسن (عليه السلام)] وتريّث في موضوع القتال، إلّا أنّ معاوية بن أبي سفيان لم يتمهّل ولم يتريّث.
معاوية يدخل الحرب ولا يوفّر خياراته الاُخرى:
معاوية بن أبي سفيان بعد مقتل الإمام [علي‏] (عليه الصلاة والسلام) بشهرٍ أو أقلّ أو شهرين أو ثلاثة -على اختلاف التقادير في الروايات‏(24)- خرج مع جيشٍ ليغزو العراق.
معاوية بن أبي سفيان طبعاً كان يقدّر -بفهمه للظروف وقتئذٍ- أنّ الظروف مؤاتية -باعتبار ما خلّفه الإمام علي من فراغات سياسيّة ونفسيّة وفكريّة- لأنْ يوقع ضرراً كبيراً بالمجتمع الذي يحكمه عليٌّ، وأن يحقّق مكسباً سياسيّاً جديداً له، وقد يمكن ارتفاع هذا المكسب إلى درجة تصفية المعركة نهائيّاً.
إلّا أنّه -مع هذا- لم يكن عند معاوية فكرةٌ كاملةٌ عن كلّ الظروف النفسيّة والأبعاد التي يعيشها المجتمع الإسلامي الذي يحكمه الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام).
ولهذا، في نفس الوقت الذي تهيّأ [فيه‏] للمعركة المسلّحة كان يحاول -إلى جانب المعركة المسلّحة- أن يستخدم الوسائل الاُخرى التي بإمكانه أن ينتصر بها على عدوّه.

الإمام (عليه السلام) يستنفر المسلمين للجهاد:
في الرسالتين الأخيرتين المتبادلتين بين معاوية والحسن انتهى النقاش، وقُرّر من قبل الحسن (عليه الصلاة والسلام) [أن يخوض‏] الحرب. خرج الإمام الحسن (عليه السلام) إلى المسجد، أعلن بأنّ «معاوية بن أبي سفيان قد اتّجه مع جيشه لمحاربتكم»، واستنفر المسلمين للجهاد.
إلّا أنّ هذا الشكّ الذي [ذكرناه‏] ظهر من جديدٍ ظهوراً سلبيّاً في تلك اللحظة؛ حيث إنّه لم يُجِب الإمامَ الحسن (عليه الصلاة والسلام) أحدٌ بكلمةٍ سوى شخص واحد، هذا الشخص الواحد هو عديُّ بن حاتم. عديُّ بن حاتم (رضوان الله عليه) قام وقال لهؤلاء المسلمين بأنّ «هذا الإمام يأمر وأنا اُطيع، وليس على الجندي إلّا أن يطيع، وهذه دابّتي بباب المسجد، سوف أركبها وأخرج إلى النخيلة ولا أرجع إلى بيتي»، وخرج، وكان أوّل من خرج للجهاد، وتبعه ألف من عشيرته‏(25).
يقول في (البحار): [جهّز](26) (عليه الصلاة والسلام) جماعة معه، وخرج إلى النخيلة، وبقي عشرة أيّام في النخيلة، واستخلف ابن عمّه‏(27) على الكوفة لكي يعبّئ باقي القوى المقاتلة، فلم يَرِدْ أحد(28).
بقي الإمام الحسن عشرة أيّام في النخيلة ينتظر عسكراً، ينتظر جيشاً، فلم يرد جيش، فيضطرّ الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) إلى أن يرجع إلى الكوفة مرّةً اُخرى، رجع مرّةً اُخرى ليعبّئ بنفسه جيشاً(29).
عبّأ جيشاً، تقول كثيرٌ من الروايات: إنّه يبلغ اثني عشر ألفاً(30)، واتّجه هذا الجيش إلى مسكن، واتّجه هو مع أربعة آلاف أو ستّة آلاف إلى المدائن‏(31).

الخيانات والتراجعات في جيش الإمام (عليه السلام):
هذا الجيش الذي عبّأه وبلغ اثني عشر ألفاً واتّجه إلى مسكن وقعت فيه ثلاث خيانات متتالية:
الخيانة الاُولى: خيانة الكندي:
الخيانة الاُولى كانت على يد شخصٍ من مُرّة(32) هذا الشخص كان هو طليعة هذا الجيش قبل أن يتكامل، أرسله مع أربعة آلاف.
يقول صاحب (البحار): فراسله معاوية بن أبي سفيان قبل أن يصل إلى مسكن، وأعطاه كذا وكذا مقداراً من المال، فرّ هو مع الصفوة من أصحابه وخونته‏(33) إلى معاوية بن أبي سفيان‏(34).
الخيانة الثانية: خيانة المرادي:
ثمّ أرسل أربعة آلافٍ اُخرى مع شخصٍ آخر أيضاً قبل أن يصل إلى مسكن، فرّ مع بعض الخونة إلى جيش معاوية بن أبي سفيان‏(35).
الخيانة الثالثة: خيانة عبيدالله بن عبّاس:
ثمّ أرسل ابن عمّه عبيد الله بن عباس مع اثني عشر ألف نسمةٍ على أكثر الروايات، ووصل إلى مسكن، وهناك تعلمون بأنّه ترك المعسكر وذهب إلى خطّ معاوية بن أبي سفيان‏(36).
كان لمثل هذه التراجعات، لمثل هذه الخيانات المتلاحقة المتتابعة أثرُها المشؤوم في تلك النفوس المليئة بالشكّ، المليئة بالتردّد.
أنتم تصوّروا نفوساً كانت بصورة مسبقة مليئةً بالشكّ والتردّد والتريّث‏(37)، ثمّ تقع مثل هذه الخيانات الناتجة عن مثل ذلك الشكّ، فسوف يتعمّق -لا محالة- هذا الشكّ. هذا الشكّ كلّما يتّخذ صورةً إيجابيّةً يكون لهذه الصيغة الإيجابيّة ردُّ فعلٍ نفسيٌّ في الشُكّاك؛ بحيث يزيد [درجة](38) الشكّ عندهم أكثر.
وهكذا كان، فعاش جيش الإمام الحسن في مسكن وهو يفقد بالتدريج القوى المقاتلة، حتّى بلغ عدد الهاربين من جيش الإمام الحسن في مسكن ثمانية آلاف من اثني عشر ألفاً، بقي من اثني عشر ألف واحد أربعةُ آلاف، والإمام الحسن كان وقتئذٍ في المدائن، وتصل إليه الأخبار، وتنعكس هذه الأخبار على جيشه في المدائن أنّه فرّ اليوم مئة، فرّ خمسمائة، فرّ ألف، فرّ ألفان، فرّ ثلاثة آلاف، إلى أن وصل الفارّون إلى ثمانية آلاف‏(39).

رُسُل معاوية إلى الإمام الحسن (عليه السلام):
معاوية بن أبي سفيان أرسل في هذه اللحظات الحرجة العصيبة ثلاثةً من أصحابه -أحدهم المغيرة بن شعبة، واثنين آخرين لا أتذكّر اسمهما(40)- أرسلهم إلى الإمام الحسن (عليه السلام) برسالة(41). ماذا كان في هذه الرسالة؟
كان في هذه الرسالة مجموع الكتب التي وصلت إلى معاوية بن‏ أبي ‏سفيان من أصحاب الإمام الحسن في الكوفة، هذه الكتب تقول لمعاوية: «أقدم، فلك السمع والطاعة، وسوف نسلّم لك الحسن يداً بيد»(42). هذه الكتب أرسلها معاوية إلى الإمام الحسن ليقرأها بنفسه، محاولاً بذلك أن يكسر من تصميم الإمام الحسن على مواصلة الخطّ ومواصلة الجهاد والمعركة.
دخل هؤلاء الثلاثة على الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) بعد أن حاولوا أن يستقطبوا أنظار الجيش. وبطبيعة الحال هناك‏(43) وفدٌ مفاوضٌ من [قِبَل‏] معاوية يأتي إلى الحسن، بطبيعة الحال سوف ينعكس هذا الوفد، وسوف تشخص الأبصار إلى نتائج مباحثات هذا الوفد مع الإمام الحسن.
يدخلون على الإمام الحسن، يعرضون عليه الكتب، كتب الخونة من أصحابه، هؤلاء الذين أعماهم ذاك الشكّ الذي تكلّمنا عنه‏(44)، فكتبوا إلى معاوية هذه الكتب.
الإمام الحسن يقرأ هذه الكتب واحداً بعد الآخر، ثمّ بعد هذا توجد رسالة من معاوية بن أبي سفيان إلى الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) يقول له بأنّه: «إن شئت أن تحقن الدماء وأن توقف القتال، ولك الأمر من بعدي»(45).
الإمام الحسن بعد أن ينهي قراءته لهذه الكتب لا يعطي أيّ كلمة فاصلة في الموضوع، وإنّما يتّجه إلى هؤلاء الثلاثة فيعظهم، يذكّرهم الله والنار وأيّام الله، يذكّرهم بأنّ هذه اللحظات هي جزءٌ قصيرٌ جدّاً من عمرهم، يجب أن يقيّموها على أساس الشوط الطويل الذي يعيشونه، يقف منهم كواعظٍ فقط، ثمّ يسكت‏(46).
وإنّما يسكت لأنّه يحاول أن يقوم بآخر تجربة مع قاعدته الشعبيّة، ليرى أنّه: هل بقي في هذه القاعدة الشعبيّة أيُّ قدرة على مواصلة المعركة مهما كلّف الثمن؟
يخرج هؤلاء من عند الإمام الحسن، فيحاولون أن يكذبوا على الإمام الحسن، فنشروا في الجيش وهم [يصرخون‏](47) أنّ الله قد فرّج عن هذه الاُمّة، وقد حقنت الدماء بابن رسول الله؛ حيث إنّ ابن رسول الله استجاب للصلح‏(48).
بطبيعة الحال كان لهذا الإنشاء -هذا الإخبار الكاذب، الذي كان إنشاءً- مفعولٌ كبيرٌ جدّاً في التخدير، وفي إضعاف العزائم والهمم، وفي توسيع نطاق الشكّ الذي تكلّمنا عنه.
بعد هذا يخرج الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام)، يقف خطيباً، يقول بأنّ معاوية -لا أحفظ العبارة بالضبط، لكن ما معناه هذا- دعانا إلى ما لا يكون فيه خيرنا ولا خيركم، فماذا أنتم فاعلون؟».
وكأنّهم كلّهم يعرفون أنّ هذا الشي‏ء ليس فيه خيره ولا خير [الناس‏](49)، فصاحوا بصوتٍ واحد: «الصلح! الصلح!»(50).

ضرورة انحسار الإمام عن المعركة:
كانت هذه اللحظة هي اللحظة التي أحسّ فيها الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) بأنّ بقاء التجربة الإسلاميّة الصحيحة العلويّة أصبح شيئاً متعذّراً غير ممكن، وأنّ انحساره عن الميدان أصبح شيئاً ضروريّاً لأجل الإسلام نفسه؛ وذلك لأنّ هذه التجربة لا يمكن أن تعيش مع هذا الشكّ، فلا بدّ وأن يُقضى على هذا الشكّ ثمّ تُستأنف التجربة.
ولم يكن بالإمكان أن يُقضى على هذا الشكّ المرير المستعصي إلّا بأن ينحسر عليٌّ عن المعركة، و[ينحسر] خطُّ عليٍّ عن المعركة، ثمّ تنكشف اُطروحة معاوية وأهداف معاوية.
بعد هذا يرى المسلمون باُمّ أعينهم -هؤلاء الذين كانوا يعيشون الحسّ أكثر ممّا يعيشون العقل، يعيشون عيونهم أكثر ممّا يعيشون عقولهم‏(51)- يرون بعيونهم أنّ المعركة التي كان يقودها الإمامُ عليٌّ مع معاوية هي معركة الإسلام مع الجاهليّة، لا معركة شخصٍ مع شخص، ولا مصلحة مع مصلحة، ولا عشيرة مع عشيرة، كان لا بدّ -في منطق التجربة- من أن يُحارَب هذا الشكُّ ثمّ تُستأنف التجربة.
ولم يكن بالإمكان -وليس بالإمكان اليوم، وليس بالإمكان في أيّ يوم- أن تنجح تجربة رساليّة يقودها قائدٌ يحمل بيده رسالةً هي أكبر من وجودات الأشخاص وأكبر من مصالحهم الخاصّة، ما لم يكسب مسبقاً الاقتناعَ بصحّة هذه الرسالة وبأهدافها وبضرورتها، ولم يكن بإمكان التجربة السياسيّة وقتئذٍ -وهي مواصِلةٌ وجودَها في المعركة- أن تكسب هذا الاقتناع.
هذا الاقتناع الذي لم يستطع الإمام عليٌّ أن يكسبه ولم يستطع أن يحول دون فقدانه بالتدريج،لم يستطع الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام) أن يكسبه، أو أن يحول دون تفاقم فقدانه بالتدريج، ولهذا كان من الضروري أن ينحسر ظلُّ الإمام عليٍّ عن ميدان الحكم لكي تتكشّف اُطروحه معاوية، وبعد ذلك يعرف المسلمون أنّ هذه الاُطروحة التي جاهد في سبيلها عليٌّ هي اُطروحة وجودهم وعقيدتهم ورسالتهم ومصالحهم الحقيقيّة غير المنظورة لهم، وعندئذٍ يكون بالإمكان استئناف العمل من جديدٍ على أساس اقتناعٍ مسبق.
هذا خلاصة ما [أردنا أن نقوله في‏] الإمام الحسن (عليه الصلاة والسلام)، وأنا تعبت كثيراً، وهناك بقيّة، وحيث إنّي تعبت [فـ-]-لهذا أكتفي بهذا المقدار.

الهوامش:
(1) في المحاضرات: الحادية عشرة والثانية عشرة من هذا الكتاب، وسيقوله (قدّس سرّه) في المحاضرتين التاسعة والعاشرة المتأخّرتين زماناً. وما يأتي من أوّل المحاضرة إلى أواسط بحث (لماذا قَبِل الإمام الحسن (عليه السلام) أن يبايع؟) سقط من المحاضرة الصوتيّة وأثبتناه من (غ) و(هـ-).
(2) في المحاضرات نفسها.
(3) في (غ) و(هـ-): «يحسن»، وما أثبتناه للسياق، ويؤيّده ما يأتي.
(4) ما بين عضادتين كرّرناه للسياق.
(5) كذا في (غ)، وفي (هـ-): «بالمنافقين، الجزء المناقض. وكان محمّد والجزء المقتنع...».
(6) قال الإمام علي (عليه السلام): «فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الحرّ قلتم: هذه حمارّة القيظ، أمهلنا يسبّخ عنّا الحرّ. وإذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء قلتم: هذه صبارّة القرّ، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد. كلّ هذا فراراً من الحرّ والقرّ؛ فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون فأنتم واللّه من السّيف أفرّ» نهج البلاغة: 70، الخطبة 27.
(7) في المحاضرات نفسها التي أشرنا إليها في بداية هذه المحاضرة.
(8) كذا في (غ)، وفي (هـ-): «جوارحه».
(9) ما بين عضادتين أضفناه للسياق.
(10) بدأ المسلمون بفتح العراق سنة 12 هـ- ، فراجع: تاريخ الاُمم والملوك (الطبري) 343 :3؛ الفتوح 72 :1.
(11) وهو: حرب بن اُميّة.
(12) أعدنا صياغة هذا المقطع وفق مراده (قدّس سرّه) ؛ لأنّ العبارة في (غ) و(هـ-) شديدة الاضطراب.
(13) يقصد (قدّس سرّه): أنّه عند مجي‏ء الإمام الحسن (عليه السلام)، كان كيان معاوية السياسي - بنظر المسلم العادي غير الواعي- يملأ فراغ الحكم إلى حدٍّ ما ويفي بالغرض الذي يتصوّره. وقد جعل بروز الإمام الحسن (عليه السلام) على المسرح هذا المسلمَ العادي يعيد التفكير في مستلزمات الاستجابة له (عليه السلام)؛ لأنّ الاستجابة تستلزم بناء كيانٍ جديد، بينما كان هذا المسلم العادي وغير الواعي يملك خياراً آخر أقلّ كلفة بالنسبة له، يتمثّل بالالتحاق بكيان معاوية القائم قبل كيان الحسن (عليه السلام). ومن هنا نشأت حالة الشكّ في ضرورة الالتحاق بركب الحسن (عليه السلام).
(14) في المحاضرة الصوتيّة: «أذهان».
(15) « إلى أن اختار رجلاً واخترنا رجلاً ليحكما بما يصلح عليه أمر الاُمّة وتعود به الألفة والجماعة، وأخذنا على الحكمين بذلك عهد الله وميثاقه، وأخذا منّا مثل ذلك على الرضا بما حكما، ثمّ إنّهما اتّفقا على خلع أبيك فخلعاه، فكيف تدعوني إلى أمر إنّما تطلبه بحقّ أبيك وقد خرج أبوك منه؟ فانظر لنفسك أبا محمّد ولدينك، والسلام» الفتوح 286 :4؛ وقريبٌ منه: شرح نهج البلاغة 25:16.
(16) الإمامة والسياسة 25 :1، 29؛ تاريخ الاُمم والملوك (الطبري) 220 :3.
(17) «عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت أمير المؤمنين (عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن وأشهد على وصيّته الحسين ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمّ دفع إليه الكتاب والسلاح» الكافي 297 :1، الحديث 1؛ معاني الأخبار: 306، الحديث 1.
(18) قريباً، تحت عنوان: الحسن (عليه السلام) يعتزم تأخير المعركة بهدف التفرّغ للقضاء على الشكّ.
(19) «وكان معاوية يدسّ إلى عسكر الحسن من يتحدّث أنّ قيس بن سعد قد صالح معاوية وصار معه، ويوجّه إلى عسكر قيس من يتحدّث أنّ الحسن قد صالح معاوية وأجابه» تاريخ اليعقوبي 214:2؛ وانظر كذلك: مقاتل الطالبيّين: 73.
(20) في (غ) و(هـ-): «يقرّر.. التقرير»، ونحتمل بشدّة أن يكون الصادر منه (قدّس سرّه) ما أثبتناه.
(21) مقاتل الطالبيّين: 62؛ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 7 :2 - 9؛ شرح نهج البلاغة 30 :16. وفي الأوّل: «ابن عبّاس»، وفي الثاني والثالث: «عبدالله بن العبّاس»، غير أنّ في: صلح الحسن (عليه السلام): 58 نقلاً عن (شرح نهج البلاغة ط.ق 11 :4): «عبيد الله بن العبّاس»؛ باعتبار أنّ عبدالله بن العبّاس لم يكن بالكوفة يومئذٍ. وفي: الحدائق الورديّة في مناقب الأئمّة الزيديّة 1:166 أنّ القائل: «قيس بن سعد بن عبادة».
(22) إلى هنا ينتهي مقدار ما أثبتناه من (غ) و(هـ-)، وما يأتي أثبتناه من المحاضرة الصوتيّة.
(23) «وإذا بكتاب عبدالله بن عبّاس قد ورد عليه من البصرة وإذا فيه: لعبد الله الحسن أمير المؤمنين من عبدالله بن عبّاس: أمّا بعد، يا ابن رسول الله! فإنّ المسلمين ولّوك أمرهم بعد أبيك رضي الله عنه، وقد أنكروا أمر قعودك عن معاوية وطلبك لحقّك، فشمّر للحرب وجاهد عدوّك» الفتوح 283:4؛ «قال جندب: ..قلت له: إنّ الرجل سائرٌ إليك، فابدأ أنت بالمسير حتى تقاتله في أرضه وبلاده وعمله» مقاتل الطالبيّين: 68.
(24) «وأقام الحسن بن علي بعد أبيه شهرين، وقيل: أربعة أشهر... وأقبل معاوية لمّا انتهى إليه الخبر بقتل علي، فسار إلى الموصل بعد قتل علي بثمانية عشر يوماً» تاريخ اليعقوبي 214 :2.
(25) «ثمّ استقبل الحسن بوجهه فقال: أصاب الله بك المراشد، وجنّبك المكاره، ووفّقك لما يحمد ورده وصدره، فقد سمعنا مقالتك، وانتهينا إلى أمرك، وسمعنا منك، وأطعناك في ما قلت وما رأيت، وهذا وجهي إلى معسكري، فمن أحبّ أن يوافيني فليوافِ. ثمّ مضى لوجهه، فخرج من المسجد ودابته بالباب، [فركبها] ومضى إلى النّخيلة» مقاتل الطالبيّين: 70؛ شرح نهج البلاغة 39 :16؛ بحار الأنوار 50 :44، أمّا ما ذكره (قدّس سرّه) من أنّ ألف فارس من عشيرته تبعوه فليس مثبتاً فيها، ولم نجده في غيرها، وأغلب الظنّ أنّ منشأ الخطأ هو أنّ الشيخ آل ياسين (رحمه الله) بعد نقله موقفَ عدي قال: «وفي طي‏ء ألف مقاتل لا يعصون لعديٍّ أمراً» صلح الحسن (عليه السلام): 101. ولكنّه ليس ناظراً إلى ما نحن فيه، بل إلى قول عديٍّ للإمام علي (عليه السلام) في قصّة الخوارج: «يا أمير المؤمنين! معي ألف رجل من طي‏ء لا يعصونني، وإن شئت أن أسير بهم سرت» تاريخ اليعقوبي 195 :2.
(26) المقطع الصوتي هنا غير واضح، وهو يبدو: <وازن> أو: «وآذن»، وفي (غ) و(هـ-): <جهّز>، ولكنّه حتماً ليس كذلك، وقد أثبتناه لمناسبته السياق. (27) هو المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب.
(28) ما أفاده (قدّس سرّه) من: صلح الحسن (عليه السلام): 101، وقد يُفهم خلافه: «وسار الحسن (عليه السلام) في عسكر عظيم حتّى نزل دير عبد الرّحمن، فأقام به ثلاثاً حتّى اجتمع النّاس» شرح نهج البلاغة 39 :16 - 40؛ بحار الأنوار 51 :44 عنه. نعم، «ركب معه من أراد الخروج وتخلّف عنه خلقٌ كثير» الخرائج والجرائح 574 :2.
(29) «ثمّ إنّ الحسن أخذ طريق النخيلة، فعسكر عشرة أيّام فلم يحضره إلّا أربعة آلاف، فانصرف إلى الكوفة، فصعد المنبر ..» بحار الأنوار 44 :44، نقلاًً عن: الخرائج والجرائح 574 :2. وكان خروجه هذا بعد الخيانات التي سيتحدّث (قدّس سرّه) عنها بعد قليل. أمّا خروجه الذي كان بعد خروج عدي بن حاتم إلى النخيلة فما ذكرناه في الهامش السابق.
(30) تاريخ الاُمم والملوك (الطبري) 159 :5؛ البداية والنهاية 14 :8، وهذا ليس مجموع الجيش كما يأتي، بل هو ما أرسله (عليه السلام) مع عبيد الله بن العبّاس، فراجع: مقاتل الطالبيّين: 71.
(31) ورد أنّه (عليه السلام) خرج في أربعين ألفاً، فراجع: الفتوح 286 :4؛ تجارب الاُمم 572 :1؛ البدء والتاريخ 235 :5. وما ذكره (قدّس سرّه) مبنيٌّ على ما ذكره خاله الشيخ آل ياسين (رحمه الله) في مقام تمحيص الروايات المختلفة؛ حيث خلص إلى أنّ مجموع عديد الجيش -ما عدا جيش المدائن نفسها- يبلغ قرابة عشرين ألفاً موزّعين على من سار إلى مسكن ومن سار إلى المدائن، فراجع: صلح الحسن (عليه السلام): 123 - 124.
(32) بل من كندة.
(33) يقصد (قدّس سرّه) أنّهم خونة بلحاظ الإمام الحسن (عليه السلام)، لا بلحاظ الكندي نفسه.
(34) «فلمّا توجّه إلى الأنبار ونزل بها وعلم معاوية بذلك بعث إليه رسلاً، وكتب إله معهم أنّك إن أقبلت إليَّ اُولِّك بعض كور الشام والجزيرة غير مُنفِسٍ عليك، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم، فقبض الكندي عدوّ الله المال وقلب على الحسن، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصّته وأهل بيته» بحار الأنوار 43 :44 - 44، الحديث 4.
(35) «فبعث إليه رجلاً من مراد في أربعة آلاف.. فلمّا توجّه إلى الأنبار أرسل معاوية إليه رُسُلاً وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه، وبعث إليه بخمسة آلاف درهم، ومنّاه أيّ ولاية أحبَّ من كُوَر الشام والجزيرة، فقلب على الحسن وأخذ طريقه إلى معاوية» بحار الأنوار 44 :44.
(36) «ثمّ دعا عبيدالله بن العبّاس بن عبد المطّلب فقال له: يا ابن عمّ! إنّي باعثٌ إليك اثني عشر ألفاً.. وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثمّ تصير إلى مسكن، ثمّ امض حتى تستقبل بهم معاوية» شرح نهج البلاغة 40 :16.
(37) قال الشيخ المفيد (رحمه الله): «ثمّ خفّ معه أخلاط من الناس: بعضهم شيعةٌ له ولأبيه (عليه السلام)، وبعضهم محكّمة [ خوارج‏] يؤثرون قتال معاوية بكلّ حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبيّة اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين» الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 10 :2.
(38) ما بين عضادتين مشوّش في المحاضرة الصوتيّة، وقد أثبتناه من (غ) و(هـ-)، وإن كان ليس كذلك حتماً.
(39) الظاهر أنّه (قدّس سرّه) قد استفاده من صلح الحسن (عليه السلام): 147، وهو مستفاد من: «أرسل إلى عبيد الله بن عبّاس وجعل له ألف ألف درهم، فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه» تاريخ اليعقوبي 214 :2.
(40) هما: عبد الله بن عامر بن كريز وعبد الرحمن بن اُم الحكم.
(41) تاريخ اليعقوبي 215 :2.
(42) «وكتب جماعةٌ من رؤساء القبائل إلى معاوية بالطاعة له في السرّ، واستحثّوه على السير نحوهم، وضمنوا له تسليم الحسن (عليه السلام) إليه عند دنوّهم من عسكره أو الفتك به... فكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح، وأنفذ إليه بكتب أصحابه التي ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه» الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 2:12، 13.
(43) مراده (قدّس سرّه): «وبطبيعة الحال، عندما يكون هناك..»، ومراده (قدّس سرّه) من انعكاس الوفد: انعكاس قدومه.
(44) في ثنايا هذه المحاضرة.
(45) تلفيقٌ منه (قدّس سرّه) بين عدّة مصادر، وقد جاء في الكتاب: «ثمّ الخلافة لك من بعدي؛ فأنت أولى الناس بها، والسلام» مقاتل الطالبيّين: 68؛ شرح نهج البلاغة 37 :16. لكنّ الظاهر أنّ هذا الكتاب كان قبل استنفار الإمام الحسن (عليه السلام) قومه للجهاد؛ حيث برز موقف عدي بن حاتم المتقدّم، ولم نجد ما يشير إلى أنّه وصله مع وفد معاوية.
(46) لم نعثر على هذه الموعظة في مصدر، والظاهر أنّه (قدّس سرّه) قد استفاده من: صلح الحسن (عليه السلام): 161 الذي يعتمد على (تاريخ اليعقوبي)، ولكنّها ليست في الأخير؛ إذ فيه: «وأتوه وهو بالمدائن نازلٌ في مضاربه، ثمّ خرجوا من عنده» تاريخ اليعقوبي 215 :2.
(47) المقطع الصوتي هنا غير واضح، ويبدو أنّه: <يستصرخون>، وفي (غ) و(هـ-): <يستطرقون>، ولكنّه ليس كذلك حتماً، ولعلّ مراده (قدّس سرّه): ما أثبتناه؛ بقرينة ما يأتي: «وهم يقولون ويُسمعون الناس».
(48) «ثمّ خرجوا من عنده وهم يقولون ويسمعون الناس: إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكّن به الفتنة وأجاب إلى الصلح» تاريخ اليعقوبي 215 :2.
(49) المقطع الصوتي هنا غير واضح، وما أثبتناه من (غ) و(هـ-)، ولكنّه حتماً ليس كذلك، وفيها جميعاً: «أنّ هذا الشي‏ء الذي ليس فيه»، بإضافة «الذي».
(50) «ألا وإنّ معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عزّ وجلّ بظبي السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى. فناداه النّاس من كلّ جانب: البقيّة البقيّة! وأمضى الصّلح» الكامل في التاريخ 406 :3؛ أسد الغابة في معرفة الصحابة 491 :1؛ ديوان المبتدأ والخبر (ابن خلدون) 649 :2.
(51) وهذا مُقتضى طبيعة البشر كما تقدّم منه (قدّس سرّه) في المحاضرة الاُولى من هذا الكتاب.

المصدر: كتاب أئمة أهل البيت (ع) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية (محاضرات الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر رحمه الله)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com