موقع الصراط ... الموضوع : غزوة بدر الكبرى<br> نظرة في مشاورة النبي (ص) أصحابه
 
السبت - 10 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  غزوة بدر الكبرى
نظرة في مشاورة النبي (ص) أصحابه
 
   
  كتب بتاريخ : السبت - 16 / رمضان / 1436 هـ
     
  بقلم جعفر صادق القاضي
ها هي السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، وها هو النبي (ص) يهاجر من مكة إلى المدينة، وها هم أهل المدينة يخرجون لاستقبال رسولهم الكريم (ص)، الذين آمنوا به، ووعدوه نصرتهم في كل حرب يخوضها.
وما إن تشرفت أرض يثرب بوطء قدمي رسول الله (ص)، قام الرسول العظيم (ص) بأمور إصلاحية كثيرة، كان من أهمها أن آخى بين المهاجرين والأنصار، زيادة في التآلف والتوادد، ولكي لا يشعر المهاجر بغربة خارج وطنه، ولا يشعر الأنصاري بحرج من الغريبين على وطنه.
ومضت مدة على وجود النبي (ص) والمسلمين في المدينة، وكان كفار قريش يشعرون حينها بالغيظ والحنق فكتبوا إلى عبد الله بن أبي سلول ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج قائلين لهم: (إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عدداً، وإنا نقسم بالله، لتقتلنه، أو لتخرجنه، أو لنستعن عليكم العرب، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم، ونستبيح نساءكم).
فلما بلغ ذلك ابن أُبَي ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا، فاجتمعوا، وأجمعوا لقتال النبي (ص).
فلما بلغ ذلك رسول الله (ص) وأصحابه لقيهم في جماعة، فقال: (لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم).
فلما سمعوا ذلك من النبي (ص) تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر(1).
وفي السنة الثانية، في السابع عشر من شهر رمضان المبارك، كانت حرب بدر الكبرى بين المسلمين ومشركي مكة.

استشارة النبي (ص) أصحابه:
تذكر الروايات التأريخية استشارة النبي (ص) أصحابه في حرب قريش، فقد طلب منهم المشورة في الإقدام أو الإحجام.. فقام أبو بكر، فقال: يا رسول الله، إنها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، وما ذلت منذ عزت، ولم تخرج على هيئة الحرب!
فقال له رسول الله (ص): اجلس، فجلس، فقال رسول الله (ص): أشيروا عليّ.
فقام عمر، فقال مثل مقالة أبي بكر، فأمره النبي بالجلوس فجلس!
ثم قام المقداد (رضي الله عنه)، فقال: يا رسول الله، إنها قريش وخيلاؤها، وقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا، وشوك الهراس لخضناه معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: (قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها، فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون)، ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والله لنقاتلن عن يمينك وشمالك، ومن بين يديك، ولو خضت بحراً لخضناه معك، ولو ذهبت بنا برك الغماد لتبعناك.
وسرعان ما أشرق وجه النبي (ص) من هذا الموقف المشرف الخالد، ودعا له، وسرّ لذلك، وضحك(2).
وبعد أن سمع النبي (ص) رأي المهاجرين، -الذين كان على وجوه بعضهم الخوف، وكانوا يتفادون مقاتلة قريش بأي ثمن، ولكن المقداد (رضي الله عنه) ردَّ عليهم مقالتهم-توجه إلى الأنصار وقال-كما يقول في ذلك المؤرخون-: أشيروا عليّ، فقام سعد بن معاذ، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، كأنك أردتنا؟!
فقال: نعم.
فقال: فلعلك قد خرجت على أمر قد أمرت بغيره؟
فقال: نعم.
فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إنا قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق من عند الله، فمرنا بما شئت.. والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك، ولعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر على بركة الله.
فسر النبي (ص) وأمرهم بالمسير، وأخبرهم بأن الله تعالى قد وعده إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله وعده.
ثم قال: والله لكأني أنظر إلى مصرع أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة... إلى آخر كلامه، وقد تحقق-بالفعل-ذلك كله.

ولنا هنا بعض النقاط التي أحببنا توضيحها:

لماذا يستشير النبي؟
قد يكون من المعقول إذا سألنا عن سبب استشارة النبي (ص) أصحابه، فواضح أن النبي يمثل الكمال المطلق في العقل والرأي، إذ (لا ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) ولكن ما هو السر في ذلك؟
إن من الواضح أن النبي (ص) لم يكن بحاجة إلى رأي أحد، ولكن سبب الاستشارة كان لأن المسلمين هم من سيخوضون أعباء الحرب، ويعانون من نتائجها، في حال الانتصار أو الهزيمة.
(ثم إنه يستخرج بذلك دخائل نفوسهم، ويتميز المنافق من المؤمن، والجبان من الشجاع، والذي يفكر في مصلحة نفسه من الذي يفكر من منطلق التكليف الشرعي، ويعرف أيضاً الذكي والغبي، والعدو من الولي، والضعيف من القوي...)(3).

آراء المشيرين:
قد تقدم أن النبي (ص) عندما استشار أصحابه، أشار عليه ثلاثة من المهاجرين قد مثلوا رأيهم، وأنصاري واحد كان كافياً في تمثيل استعداد الأنصار لمواقف كهذه.
فأما المشيران الأولان فقد مثّلا رأي جمع من المهاجرين، الذين كانوا يميلون إلى الراحة، وحياة الاسترخاء، فتكلما وفق هواهم، مما أثار النبي (ص) متوجهاً إلى غيرهم؛ لأنه لم يكن ينسجم مع ما يهدف إليه (ص)، وهذا الموقف في الحقية لم يعجب الكثيرين من المؤرخين، فبعض أضرب عن رأيهم تماماً، وبعضهم ذكر أنهما قالا فأحسنا!
ولكن (مشورة المقداد (رضي الله عنه) كانت هي السليمة والمنسجمة مع المنطق، ومع الأهداف السامية التي كان يرمي إليها الرسول الأعظم (ص)... ولذلك فقد استحق المقداد مدح النبي (ص)، ودعاءه له)(4).
وتوجه النبي (ص) ليعرف بذلك رأي الفرقة الثانية من المسلمين، وكلام قصير لسعد بن معاذ أثبت فيه جاهزيتهم لأي إشارة من النبي (ص)، فكان بذلك سروره (ص).

هل أشاروا بالفعل؟
ثم إنه يتضح لأدنى متأمل، أن سعد بن معاذ، والمقداد (رضي الله عنه) لم يشيرا عليه لا بالحرب ولا بالسلام، بل إن كل ما قالاه هو انقياد وتسليم لأي أمر يقوم به رسول الله (ص) وكان هذا منهما كمال الإيمان ومنتهى الإخلاص، مع وعي شديد لما قاما به.
فهما كانا يريدان أن يشيرا على رسول الله (ص) كما أمرا بذلك، وبالفعل فقد فعلا ولكن وفق تعاليم الآية الكريمة: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم).

وأين علي (ع)؟
وفي خضم هذه الأحداث والمواقف، وفي أثناء هذه التداعيات الخطيرة، لا نجد أمير المؤمنين (ع) يتخذ موقفاً معيناً، ولا يعطي رأياً خاصاً.. فأين أمير المؤمنين عن كل هذه الأمور؟
ولكن، لا يخفى أن أمير المؤمنين (ع) ما كان ليتقدم بين يدي رسول الله (ص)، وكان قد رأى أن واجبه الشرعي والمصلحة العامة كانت تقضي به إلى السكوت، حتى لا يقال إن النبي (ص) لا يتبع إلا رأي ابن عمه، وإنه هو وابن عمه (صلوات الله عليهم) قد أوردهم هذا العذاب والهلاك، في حال فشل الغزوة، فكان النبي (ص) يريد أن يكون الخيار منهم أنفسهم، وفي كمال الوعي من أمير المؤمنين (ع).
على أنه-في كل الأحوال- فإن أمير المؤمنين (ع) هو نفس رسول الله (ص) بنص آية المباهلة: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم..).
وختاماً: نسأل الله أن يوفقنا في هذا الشهر الفضيل، ويتقبل صيامنا وقيامنا وأن يعيده علينا في كل سنة بالأمن والأمان، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة حري جدير.

الهوامش:
1- المصنف للصنعاني: 5/358-359 .
2- تاريخ الخميس: 1/373، السيرة الحلبية: 2/150، عن الكشاف ومغازي الواقدي: 1/48 .
3- الصحيح من سيرة النبي الأعظم: 5/286.
4- الصحيح من سيرة النبي الأعظم: 5/289.

المصدر: مجلة ينابيع العدد 52
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com