موقع الصراط ... الموضوع : في رحاب عيسى (ع) روح الله -4<br> عيسى (ع) في القرآن
 
الجمعة - 11 / محرم / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  في رحاب عيسى (ع) روح الله -4
عيسى (ع) في القرآن
 
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 17 / رمضان / 1436 هـ
     
  الكاتب: الشيخ جميل الربيعي
لقد ذكر القرآن الكريم عيسى (ع) في مواضع كثيرة من آياته الكريمة، حدد فيها خصاله وفضائله الجليلة سواء التي اكتسبها بنفسه في كدحه إلى الله، أو التي خصه الله تعالى بها، نَمُر عليها مع ذكر الآيات ففيها عبرة لمن اعتبر، ولمن وجه وجهه إلى الله، طالباً القرب منه تعالى، محاولاً نيل رضاه تعالى، ومن هذه الخصال :
أولاً : إنه عبدٌ لله شرفه الله بعبوديته أولاً ؛ ليجعله مؤهلاً لحمل رسالته فما من نبي ولا رسول إلا وأتخذه عبداً قبل أن يتخذه رسولاً، فعن رسول الله (ص): (فإن الله تعالى قد اتخذني عبداً قبل أن يتخذني رسولاً)(1).
العبودية أول كلمة نطق بها عيسى(ع) وهو في المهد صبياً : ((قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً)) (مريم:30) لئلا ينبهر القوم بتلك المعجزة فيتخذونه إلها من دون الله فاثبت عبوديته لله تعالى أولا ، ونبوته ثانيا، ثم دعى قومه إلى عبادة ربه بقوله : ((يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)) (المائدة:72)
وفي آية أخرى : ((إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) (آل عمران:51) .
وهذا هو نهج جميع أنبياء الله ورسله في الدعوة إلى عبادة الله تعالى يقول تعالى : ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)) (النحل:36) وأكد عبوديته لله تعالى في تبليغ رسالته إلى بني إسرائيل، وأنكر عليهم ادعاء الألوهية له بقوله : ((وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) (المائدة:116-117)
ومن خلال حياة هذا النبي العظيم يتبين لنا عِظَم العبودية لله تعالى، وإنها منطلق التحرر من جميع أنواع الطاغوت، سواء كان طاغوت الهوى والنفس، أو الشيطان، أو السلطان الغاشم، وذلك لأن العبد الحقيقي لله تعالى : (تندك إرادته في إرادة الله تعالى فلا يريد إلا ما يرده سبحانه)(2).
ثانيا: وكان رسولاً إلى بني إسرائيل كما قال تعالى : ((وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ ألاكمه وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)) (آل عمران:49)
حيث دعاهم إلى الله تعالى، بعد أن أثبت لهم قدرته ونبوته بما جاء به من بآيات وبراهين رسالية، ولكن مدلول الآية هل يدل على أن رسالته محصورة في بني إسرائيل أم إلى عامة البشرية ؟ وقد اختلف المفسرون فمن قائل : خص بني إسرائيل لأنه كان رسولاً إليهم ... أو لأن المراد ببني إسرائيل من لم تنقطع نسبته الفطرية من الأنبياء، فإنهم المنتفعون به والمرسل إليهم حقيقة(3).
ومن قائل إن الله أرسله إلى بني إسرائيل الذين تمردوا على الله، وكذبوا رسله وقتلوهم وواجهوهم بمختلف التحديات الصعبة، فلابد من مواجهتهم بأسلوبٍ يقهر تمردهم(4)، وقد يكون هذا الوجه هو الأدق، كما أشار آخرون بأن الآية تعتبر أن رسالة عيسى (ع) موجهة إلى بني إسرائيل، وهذا لا يتنافى مع كونه من أولي العزم، لأن أولو العزم هم الأنبياء الذين جاءوا بدين جديد، وإن لم يكن عالميّ الرسالة(5).
وعالج العلامة الطباطبائي (قده) الإشكال بين خصوصية بعثة عيسى (ع) إلى بني إسرائيل، وعالمية رسالته، حيث قال (رحمه الله): قوله تعالى((وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيل)) ظاهره أنه (ع)كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة كما هو اللائح من الآيات في حق موسى (ع) وقد مر في الكلام على النبوة في ذيل قولـه تعالى : ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ)) الآية (البقرة:213) إن عيسى (ع) كموسى من أولي العزم وهم مبعوثون إلى أهل الدنيا كافة . لكن العُقدة تنحل بما ذكرناه هناك في الفرق بين الرسول والنبي أن النبوة هي منصب البعث والتبليغ والرسالة هي السفارة الخاصة التي تستتبع الحكم والقضاء بالحق بين الناس إما بالبقاء والنعمة أو بالهلاك كما يفيده قولـه تعالى : ((وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْط)) (يونس:47) .
وبعبارة أخرى النبي هو الإنسان المبعوث لبيان الدين للناس والرسول هو المبعوث لأداء بيان خاص يستتبع رده الهلاك، وقبولـه البقاء والسعادة كما يؤيده بل يدل عليه ما حكاه الله سبحانه من مخاطبات الرسل لأممهم كنوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم (ع).
وإذا كان كذلك لم تستلزم الرسالة إلى قوم خاص البعثة إليهم، وكان من الممكن أن يكون الرسول إلى قوم خاص نبيا مبعوثا إليهم وإلى غيرهم كموسى وعيسى (ع). وعلى ذلك شواهد من القرآن الكريم كرسالة موسى إلى فرعون، قال تعالى : ((اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى)) (طـه:24) وإيمان السحرة لموسى، وظهور قبول إيمانهم، ولم يكونوا من بني إسرائيل قال تعالى : ((قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى))(طـه:70) ودعوة قوم فرعون قال تعالى : ((وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ)) (الدخان:17) ونظير ذلك ما كان من أمر إيمان الناس بعيسى فلقد آمن به (ع) قبل بعثة النبي (ص) الروم وأمم عظيمة من الغربيين كالإفرنج والنمسا والبروس وإنجلترا وأمم من الشرقيين كنجران، وهم جميعهم ليسوا من بني إسرائيل، والقرآن لم يخص فيما يذكر فيه النصارى - نصارى بني إسرائيل خاصة بالذكر بل يعمم مدحه أو ذمه الجميع)(6).
إذن وإن كانت الآية تخص بني إسرائيل برسالته عيسى (ع) إلا أنه لا يمنع أن تمتد رسالته إلى بقية الأمم كما هو الواقع في زمانه، وبعد أن رفعه الله إليه، وإن حرفت رسالته .
ثالثاً: وكانت من أولي العزم الخمسة، وأرسله الله بشرع، وكتاب هو الإنجيل قال تعالى : ((وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً)) (الأحزاب:7)
اختلف المفسرون في معنى أولو العزم فمن قائل إن جميع الأنبياء هم أولو عزيمة وصبر وحصر بعضهم عددهم بثمانية عشر المذكورين في سورة الأنعام 83 - 86 . وقالوا آخرون أنهم ستة(7) وغيرها من الأقوال، والذي دلت عليه روايات أهل البيت هم خمسة وهم أصحاب شرائع، وقد عدهم القرآن على ترتيب زمانهم : نوح ثم إبراهيم، ثم موسى ثم عيسى (ع) لكن قدم ذكر النبي (ص) وهو آخرهم زماناً لفضله وشرفه وتقدمه على الجميع(8).
وجاء في روايات كثيرة تفسير أولي العزم كما في قول الإمام السجاد، عندما ســـئل : ما معنى أولي العزم ؟ فقال (ع) : (بعثوا إلى شــــــــرق الأرض وغـــربها، جنها وانسها)(9).
وعن الإمام الصادق (ع) : (سادة النبيين والمرسلين خمسة، وهم أولو العزم من الرسل، وعليهم دارت الرحى : نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وآله، وعلى جميع الأنبياء)(10).
وعن ســماعة ابن مهران قال : قلت لأبي عبد الله (ع) قول الـلـــه عـــــز وجــــــل : ((فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)) (الأحقاف:35) فقال : نوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم، قلت : كيف صاروا أولي العزم ؟ قال : لان نوحا بعث بكتاب وشريعة، وكل من جاء بعد نوح أخذ بكتاب نوح وشريعته ومنهاجه، حتى جاء إبراهيم (ع) بالصحف وبعزيمة ترك كتاب نوح لا كفرا به فكل نبي جاء بعد إبراهيم (ع) أخذ بشريعة إبراهيم و منهاجه وبالصحف حتى جاء موسى بالتوراة وشريعته ومنهاجه، وبعزيمة ترك الصحف وكل نبي جاء بعد موسى (ع) أخذ بالتوراة وشريعته ومنهاجه حتى جاء المسيح (ع) بالإنجيل، وبعزيمة ترك شريعة موسى ومنهاجه فكل نبي جاء بعد المسيح أخذ بشريعته ومنهاجه، حتى جاء محمد (ص) فجاء بالقرآن وبشريعته ومنهاجه فحلاله حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، فهؤلاء أولو العزم من الرسل (ع))(11).
وعلى هذا الأساس قيل إن أولي العزم من الرسل من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمهم وهم خمسة أولهم نوح (ع) وآخرهم محمد (ص).
وعلى كل حال فإن أولي العزم كما في فحوى الآية أنهم هم الذين صبروا على أذى قومهم وتكذيبهم وتحملوا في سبيل الله الكثير من العناء كالقتل والسجن والتشريد ... الخ . ليغيروا واقع المجتمع البشري وينشروا رسالة الله تعالى في الأرض ليعبدوا الناس لله عز وجل . وإن كان جميع الأنبياء عملوا على ذلك إلا أن الخمسة أولي العزم الذين استفاضت الروايات بذكرهم قد تحملوا أكثر من غيرهم كما أنهم أصحاب شرائع، وكتب سماوية ؛ أرادوا أن يحكموها في الواقع الاجتماعي ؛ لينقلوا الإنسانية من عبادة العبيد إلى عبادة الله .
4 – سماه الله بالمسيح عيسى بن مريم كما في قول الملائكة لمريم : ((إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)) (آل عمران:45) أما وجه هذه التسمية فقد اختلف المفسرون فيها فقيل : لأنها مسح بتطهير من الذنوب أو لأنه يمسح رؤوس اليتامى أو لأنه يمسح عين الأعمى فيصير بصيراً وقيل لا يمسح على ذي عاهة إلا يبرأ، وقيل : لأن جبريل (ع) مسحه بجناحيه حين ولادته لتكون له عوذة من الشيطان وقبل لأنه تكون في رحم أمه من دون أن يمسها بشر .
وعلى كل حال هذا اللقب يوحي بالقداسة والطهارة والخلوص لله تعالى حيث طهره الله تعالى من الأرجاس العادية والمعنوية وجعله آية للناس ورحمة .
يقول السيد السبزواري في مواهب الرحمن : (إن هذا اللقب أو التسمية إنما هي من الله تعالى من حين ولادته، وأنه يلازم البركة والخير اللذين عرف بهما عيسى بن مريم ولعل السر في ذلك كله هو : نبذ العادة التي كانت متبعة عند الإسرائيليين في الزعيم الروحاني عندما يمنحه للزعامة الروحانية من هو قبله، حتى صار لقباً للزعيم الروحاني وأصبح وساماً للزعامة الروحانية، كالتتويج للملك، فالآية المباركة ترشد إلى الإعراض عن هذه العادة وأن المسيح الذي يكون مباركاً هو عيسى بن مريم الذي سماه الله تعالى به لا غيره)(12).
وخلاصة القول أن هذا اللقب يدل على علو منزلته ودرجته عند الله تعالى فذكره بلقبه ليفيد علو درجته، ثم ذكره باسمه الخاص، وكلمة يسوع التي استعملت في الأناجيل فهي الصيغة الهيلينية لكلمة ((يشوع)) وهو بالعبرانية يعني : هو الخلاص(13).
5 – وكان كلمة لله وروحاً منه كما في قوله تعالى : ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً)) (النساء:171)
فهو كلمة من الله تعالى حين خلقه بقوله ((كن فيكون)) وإن كان كل شيء يخلق كذلك وفق الأسباب الطبيعية التي لم يخضع لها خلق عيسى كما فهم الناس ولذا تخصيصه بالكلمة توحي بالأهمية الكبرى التي تجلت فيها عظمة الله تبارك وتعالى وأرادته في إيصال رسالته إلى عباده جاء في بعض التفاسير (فإنه يعني بالكلمة الرسالة التي أمر الله ملائكته أن يأتي بها بشارة من الله تعالى التي ذكرت في قوله تعالى:((إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَة)) (آل عمران: 45) يعني برسالة منه وبشارة من عنده) .... وقال الجبائي :ذلك مجاز وارد بالكلمة أنهم يهتدون بعيسى، كما يهتدون بكلامه، وكذلك يحيون في دينهم كما يحي الحي بالروح فلذلك سماه روحاً)(14).
وعلى كل حال فإن وصف عيسى بالكلمة لان وجوده انطلق من كلمة الإيجاد المتمثلة في قوله تعالى (كن) المعبر عن إرادته سبحانه من تحليل الأسباب الطبيعية خلافا للناس الآخرين مع أن الجميع خاضعون لإرادة الله وقدرته التكوينية(15).
وأما كونه روحا فقد اختلف فيه المفسرون فيه على أقوال ستة كما في مجمع البيان وهي: (إنه إنما سماه روحا ؛ لأنه حدث عن نفخة جبرائيل في درع مريم، بأمر الله تعالى، وإنما نسبه إليه، لأنه كان بأمره . وقيل : إنما أضافه إلى نفسه تفخيما لشأنه كما قال : الصوم لي وأنا أجزي به، وقد يسمى النفخ روحا، ويحيي به الناس في دينهم، كما يحيون بالأرواح، عن الجبائي، فيكون المعنى أنه جعله نبيا يقتدي به ويستن بسنته، ويهتدي بهداه، أو انه إنسان أحياه الله بتكوينه بلا واسطة من جماع، أو نطفة كما جرت العادة بذلك، أو إن معنى(ورحمة منه)، كما قال في موضع آخر :
(وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) أي : برحمة منه، فجعل الله عيسى رحمة على من آمن به، واتبعه ؛ لأنه هداهم إلى سبيل الرشاد، أو معناه : روح من الله خلقها فصورها، ثم أرسلها إلى مريم فدخلت في فيها فصيرها الله تعالى عيسى.
ومعنى الروح ها هنا جبرائيل، فيكون عطفا على ما في كلمة ألقاها من ضمير ذكر الله وتقديره : ألقاها الله إلى مريم وروح منه أي : من الله أي جبرائيل ألقاها أيضا إليها)(16).
وقد أيد النصارى النص القرآني في عصر نزوله، كما في جواب جعفر ابن أبي طالب لملك الحبشه النجاشي الذي سأله (ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر " ع " نقول فيه ما جاء به نبيا (ص): انه عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فاخذ منها عودا " فقال ما عدا عيسى بن مريم)(17).
وأخيراً غلا المسيحيون في عيسى (ع) وقالوا : إن طبيعته وكنهه طبيعة إلهية وكنهه إلهي لكونه كلمة الله وروحه؛ ولهذا قالوا : (إن المسيح طبيعة واحدة اجتمع فيه اللاهوت والنا سوت،وقال آخرون له طبيعتان لا طبيعة واحدة إن اللاهوت طبيعة وحدها، والنا سوت طبيعة وحدها التقتا بالمسيح)(18).
وقد فند القران هذه الأباطيل وأثبت البشرية، والعبودية، وجميع السمات ((مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ)) (المائدة:75) ومن هنا فـ(ليست الكلمة، أو الروح في الآية تعبيراً عن الجزء الإلهي أو الحقيقة الإلهية؛ لأن طبيعة الله لا تتجزأ فهي بسيطة كل البساطة، ولا يمكن أن تنتقل من مكان إلى آخر، بل المراد بها مظهر قدرة الله، وسر إيداعه فيما أقامه على جسد آدم الهامدة الجامدة الخالي من الروح كما أفاضها على مريم الخالية عن أسباب الولادة الطبيعية)(19).
6 – وكان من أصحاب الميثاق الغليظ، فكل الأنبياء والمرسلين أخذ الله الميثاق عليهم كما في قوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ ِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ)) (آل عمران:81)
والميثاق هنا أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادته وتقواه، وان يتواصلوا مع مسيرة الأنبياء الآخرين في تصديق بعضهم بعضاً، وأن يقتدي بعضهم بالبعض الآخر في تحمل الأعباء الرسالية في تبليغ الرسالة؛ لهداية الناس، وتربيتهم، وتزكيتهم، وتعليمهم والصبر على الأذى في جنب الله ... هذا على جميع الأنبياء، وأما الميثاق والعهد المؤكد الذي أخذه من الخمسة أُلو العزم فهو أشد وأثقل، وأكثر مسؤولية؛ لأنهم أصحاب كتاب وشريعة (وقد خص الله نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، (ع)؛ لأنهم يتميزون بالشمول الذي لا يملكه الآخرون . كما يمتلكون الامتداد الزمني في امتداد الرسالة إلى آماد بعيدة ((وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً)) وهو نوع من المواثيق القوية المؤكدة التي تحتاج إلى كثير من الجهد والرعاية والعناية بالالتزام الفكري والعملي للوصول إلى النتائج الكثيرة في هذا الخط الكبير)(20).
وعيسى بن مريم (ع) كان من أولئك الخمسة الذين تحملوا الكثير من الأذى والاضطهاد؛ لتبليغ رسالة الله، وتعبيد الناس له تعالى.
7 – وهو أيضاً من شهداء الأعمال كما في قوله تعالى : ((وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)) (النساء:159) وقوله تعالى عن لسانه (ع) :  وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ  (المائدة:117)
وشهادته (ع) على بني إسرائيل لابد أن تكون بما بلغهم من رسالة الله، فتمردوا وعصوا حتى ادعوا قتله ؛ ليكشف كل جرائمهم، وشهادة على ما تقدم في الآيتين في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا كما يقول المفسرون عندما يبعثه الله، أو يظهره في آخر الزمان فيرونه رأي العين، فيواجهون الحقيقة في ظروف لا يمكنهم معها الإنكار، وأما في الآخرة فسوف يكون عليهم شهيداً في يوم القيامة كما يشهد كل نبي على أمته(21).
وعن أبي حمزة الثمالي : أن الحجاج قال لـــــه : (آية من كتاب الله قد أعيتني قولـه: ((وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِه)) الآية، والله ! إني لآمر باليهودي والنصراني، فيضرب عنقه، ثم أرمقه بعيني، فما أراه يحرك شفتيه، حتى يحمل . فقلت : أصلح الله الأمير ! ليس على ما أولت . قال : فكيف هو ؟ قلت : إن عيسى بن مريم ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، ولا يبقى أهل ملة يهودي، أو نصراني أو غيره إلا وآمن به قبل موت عيسى، ويصلي خلف المهدي . قال : ويحك أنى لك هذا ؟ ومن أين جئت به ؟ قال : قلت : حدثني به الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(ع). قال : جئت والله بها من عين صافية)(22).
8 - وكان مبشراً بالرسول الخاتم (ص) كما في قوله تعالى: ((وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)) (الصف:6)
وهو تأكيد لحركة التواصل بين خط النبوات وتكامل في التشريع الإلهي الذي تدرج في النزول حسب تطور المجتمع البشري؛ ليراعي مقتضيات الزمان ففي الوقت الذي يصدق عيسى (ع) بما جاء في التوراة التي أنزلت على موسى (ع) يبشر بقدوم رسول الله (ص) وكأن البشارة جاءت مصداقاً لدعاء أبي الأنبياء إبراهيم (ع) : ((رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) (البقرة:129)
ومن هنا قال رسول الله (ص): (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى (ع) يعني قوله : ((وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد)))(23).
إذن كتب الله تعالى المُنَزِلة على أنبياءه ورسله هي بمثابة كتاب واحد متواصل الحلقات يكمل اللاحق السابق، وينسخ ما فيه مما لا يتلاءم مع زمان النزول كما في قوله تعالى: ((وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) (آل عمران:50) وقوله تعالى حاكياً عن عيسى (ع) : ((قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ)) (الزخرف:63)
وبشارة عيسى بنبوة رسول الله (ص) قد أشير إليها في قولـه تعالى : ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) (الأعراف:157)
وقوله تعالى : ((الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) (البقرة:146) وهكذا (أعلن القرآن الكريم وأصر على أن التوراة التي أنزلت على موسى (ع) والإنجيل الذي أنزل على عيسى قد بشر بنبوة محمد (ص)، وجابه بهذه الحقيقة علماء اليهود والنصارى وتحداهم أن يكذبوا، وما ذكر التأريخ أن أحد منهم كذب وأنكر بل أثبت المنصفون منهم واعترفوا وأسلموا كعبد الله بن سلام وغيره)(24) إلا أن بعض علماء اليهود والنصارى ممن تضررت مصالحهم، وتخوفوا الخطر على مواقعهم الدينية، وقفوا موقفاً سلبياً فكتموا الحق، وحرفوا الكتاب الذي بشر به روح الله عيسى (ع) .
وقد أكد أهل بيت العصمة والطهارة على البشارة بالرسول في كثير من حواراتهم مع علماء اليهود والنصارى نذكر مثالاً لذلك، وهو حوار الإمام الرضا (ع) مع الجاثليق حين سأله : (ما تقول في نبوة عيسى (ع)، وكتابه هل تنكر منهما شيئا ؟ قال الرضا (ع) : أنا مقر بنبوة عيسى، وكتابه، وما بشر به أمته، وأقر به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد (ص) وبكتابه، ولم يبشر به أمته، قال الجاثليق : أليس إنما تقطع الأحكام بشاهدي عدل ؟ قال : بلى، قال : فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية، وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا، قال الرضا (ع) : الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم، قال الجاثليق : ومن هذا العدل ؟ سمه لي، قال : ما تقول في يوحنا الديلمي ؟ قال : بخ بخ ؛ ذكرت أحب الناس إلى المسيح، قال : فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال : إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي وبشرني به أنه يكون من بعده فبشرت به الحواريين فآمنوا به ؟ ! قال الجاثليق : قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح، وبشر بنبوة رجل، وبأهل بيته، ووصيه، ولم يلخص متى يكون ذلك ولم يسم لنا القوم فنعرفهم، قال الرضا (ع) : فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به ؟! قال : سديداً، قال الرضا (ع) لقسطاس الرومي : كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل ؟ قال : ما احفظني له، ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال لــه : ألست تقرأ الإنجيل ؟! قال : بلى لعمري، قال : فخذ على السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته سلام الله عليهم فاشهدوا لي وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي، ثم قرأ (ع) السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي (ص) وقف، ثم قال : يا نصراني إني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل ؟! قال : نعم، ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال : ما تقول يا نصراني هذا قول عيسى بن مريم ؟! فإن كذبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذبت عيسى و موسى (ع)، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل ؛ لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك، قال الجاثليق : لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل وإني لمقر به، قال الرضا (ع): اشهدوا على إقراره)(25).
9- وكان وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين، كما في قولـه تعالى: ((وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ)) والوجيه : هو الكريم على من يسأله؛ لأنه لا يرده لكرم وجهه عنده خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد، فيقال : وَجِه الرجل وجاهة وله جاه عند الناس، وجاهة أي منزلة(26).
لقد رفع الله عيسى (ع) منزلة رفيعة بما منحه من قرب وبركة ومعاجز وآيات باهرة أثبت فيها قدرة الله تعالى، فمنحه شرفا عظيما وكرامة سامية عند الله تعالى جعلته عارفاً بالله وعابدا وداعية حق؛ لتوحيد الله وإنقاذ الناس من عبادة العبيد إلى عبادة الله تبارك وتعالى، ولذا أصبح وجيها في الدنيا عند ذوي القدرة والمعرفة، ومن هنا أفاضت (الملائكة الحديث عن صفاته للإيحاء بأهمية هذا المولود فيما يحققه للحياة من خير وبركة، وفيما يمنحه لأمه من شرف ورفعة ... فستكون له الوجاهة في ما يثيره من قضايا ومواقف وفيما يتوجه إليه الناس نحوه من إيمان وتبجيل وتقديس ... وسيحصل على الوجاهة في الآخرة فيما يرفعه الله من درجات جزاء لجهاده وتضحياته وآلامه القاسية التي تحملها في سبيل الله)(27).
ولعيسى بن مريم (ع) صفات أخرى ذكرها القرآن الكريم هي : أنه من المصطفين كما في قوله تعالى : ((إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)) (آل عمران:33) وكان من المخبتين، ومن الصالحين، مباركا أين ما كان، وكان زكيا وآية للناس، ورحمة من الله، وبراً بوالدته، علمه الله الكتاب والحكمة وجعله نبياً مرسلاً ... الخ .

الهوامش: (1) المتقي الهندي : كنز العمال : 3/652 .
(2) هامش معاني الأخبار : 19 .
(3) تفسير بيان السعادة : 1/263 .
(4) السيد محمد حسين فضل الله : من وحي القرآن .
(5) الشيخ ناصر مكارم شيرازي : الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل : 2/372 .
(6) العلامة الطباطبائي : الميزان : 3/198-199 .
(7) عن ابن عباس وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله (ع) قال : وهم سادة النبيين، وعليهم دارت رحى المرسلين، وقيل هم ستة : نوح صبر على أذى قومه، وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد الولد، وذهاب البصر، ويوسف صبر في البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر والبلوى . (الشيخ الطبرسي : تفسير مجمع البيان : 9/158).
(8) المصدر نفسه : 16/293 .
(9) العلامة المجلسي : بحار الأنوار : 11/33 .
(10) ثقة الإسلام الكليني : الأصول من الكافي : 1/175
(11) ثقة الإسلام الكليني : الأصول من الكافي : 2/18 .
(12) السيد السبزواري – مواهب الرحمن : 5/288 .
(13) محمد بيومي مهران – دراسات تاريخية في القرآن : 3/286.
(14) الشيخ الطوسي التبيان 3/18
(15) السيد محمد حسين فضل الله من وحي القران :7/556
(16) الطبرسي مجمع البيان 3/248 بتصرف، وقريب منه ما في تفسير التبيان للشيخ الطوسي 3/401
(17) ابن معصوم – الدرجات الرفيعة:74
(18) محمد بيومي مهران دراسات تاريخية في القرآن 3/327
(19) السيد محمد حسين فضل الله – من وحي القرآن : 7/555
(20) المصدر نفسه : 8/280
(21) نفس المصدر : 7/375
(22) الشيخ الطبرسي : مجمع البيان 3 / 236
(23) الشيخ الطوسي - التبيان - ج 1 ص 466
(24) محمد جواد مغنية – التفسير الكاشف : 7/214
(25) الشيخ الصدوق - التوحيد : 420، والشيخ الحويزي- نور الثقلين : 5/312
(26) راجع التبيان في تفسير القرآن للطوسي : في تفسير الآية .
(27) السيد محمد حسين فضل الله : من وحي القرآن : 6/10 .

يتبع...
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com