موقع الصراط ... الموضوع : ليلة القدر
 
الثلاثاء - 6 / جمادي الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ليلة القدر  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 18 / رمضان / 1436 هـ
     
  بقلم سكينة الربيعي
قال تعالى: ((إنا أنزلناه في ليلة القدر*وما أدراك ما ليلة القدر*ليلة القدر خير من ألف شهر*تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر*سلام هي حتى مطلع الفجر))
ليلة القدر
معنى القدر:
1- لغة:
قال الراغب في مفرداته: ((وقوله (إنا أنزلناه في ليلة القدر) إلى آخرها، أي: ليلة قيضها لأمور مخصوصة))(1).
وقال الفيومي في المصباح المنير: ((والقدر بالفتح لا غير القضاء الذي يقدره الله تعالى وإذا وافق الشيء الشيء قيل جاء على قدر بالفتح))(2).
2- اصطلاحاً:
ليلة القدر هي ليلة مباركة وهبها الله تعالى لأمة نبيه محمد (ص) بل خير من ألف شهر، فيها تتنزل الملائكة والروح، وفيها نزل القرآن، وفيها تقدر شؤون العباد، (وقد سماها الله تعالى ليلة القدر، والظاهر أن المراد بالقدر التقدير، فهي ليلة التقدير يقدِّر الله فيها حوادث السنة من الليلة إلى مثلها من قابل من حياة وموت ورزق وسعادة وشقاء وغير ذلك، كما يدل عليه قوله في سورة الدخان في صفة الليلة: ((فيها يفرق كل أمر حكيم أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين رحمة من ربك))، فليس فرق الأمر الحكيم إلا إحكام الحادثة الواقعة بخصوصياتها بالتقدير)(3).
يتضح من الآية الكريمة أن ليلة القدر هي في شهر رمضان المبارك، باعتبارها بينت أن نزول القرآن كان فيها، وفي آية أخرى بين الله تعالى أن القرآن نزل في شهر رمضان، ((شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان))(4)، فهي إذن ليلة عظيمة مباركة تحيط بها الملائكة، وتتنزل إلى الدنيا، ومما يزيدها عظمة هو نزول القرآن فيها الذي هو الدستور الإلهي الخالد الذي جعله الله تعالى للبشرية، فأعظم كتاب سماوي نزل في هذه الليلة المباركة، ويذكر المفسرون أن للقرآن نزولين:
(1- نزول دفعي: وهو نزول القرآن بأجمعه على قلب النبي (ص) أو على البيت المعمور أو من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.
2- نزول تدريجي، وهو ما تم خلال (23) سنة من عصر النبوة)(5).
إذن ليلة القدر هي ليلة نزول القرآن وليلة نزول الخير والبركات الإلهية على الإنسان، وكذلك هي ليلة تقدير المصائر البشرية من قبل الله تعالى، والقرآن الكريم عبر عنها بأنها (خير من ألف شهر)، أي أن العمل والعبادة فيها تعادل ألف شهر الذي هو يعادل ثمانين سنة، فليلة واحدة في كل سنة جعل الله تعالى العمل فيها والطاعة والعبادة يعادل عمراً كاملاً يمكن أن يعيشه الإنسان في طاعة لله سبحانه وتعالى، وفي أدعية الصحيفة السجادية ورد عن الإمام السجاد (ع): (ثم فضل ليلة واحدة من لياليه على ليالي ألف شهر، وسماها ليلة القدر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام دائم البركة إلى طلوع الفجر على من يشاء من عباده بما أحكم من قضائه)(6).
فهي ليلة متميزة بالشأن والعظمة بحيث أن العبادة تعدل فيها عبادة ألف شهر، فعن الصادق (ع) حيث قال له بعض الأصحاب: (كيف تكون ليلة القدر خيراً من ألف شهر؟ قال: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر)(7).
وسئل الإمام أبو جعفر (ع) عن (ليلة القدر خير من ألف شهر) أي شيء عنى بذلك؟ فقال: (العمل الصالح فيها من الصلاة والزكاة وأنواع الخير خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، ولولا ما يضاعف الله تبارك وتعالى للمؤمنين ما بلغوا ولكن الله يضاعف لهم الحسنات)(8).

لماذا سميت بليلة القدر؟
ورد في سبب تسمية هذه الليلة بـ (ليلة القدر) كثير من المعاني أو الأسباب التي لأجلها سميت بهذا الاسم منها:
1- لأن هذه الليلة هي ليلة تقدير شؤون العباد لسنة كاملة، قال تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم)(9)، وقد ذكر صاحب تفسير القمي المحدث الكبير علي بن إبراهيم: (إن معنى ليلة القدر أن الله يقدر الآجال والأرزاق وكل أمر يحدث من موت أو حياة أو خطب أو جدب أو خير أو شر، كما قال تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم) سنة إلى سنة)(10).
وعن أبي جعفر الباقر (ع) قال: (يقدر في ليلة القدر كل شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل، خير أو شر، وطاعة أو معصية، ومولود وأجل ورزق، فما قدر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم، ولله (عز وجل) فيه المشيئة)(11).
وبالطبع فإن هذه المسألة لا تنافي حرية واختيار الإنسان، وإنما تتعلق بمسألة علم الله تعالى بخصوص مخلوقاته واستحقاقهم كل حسب قابليته واستعداده وعمله.
2- إنها سميت ليلة القدر لشرفها ومنزلتها وعظمتها (ما قدروا الله حق قدره)(12).
3- لأن القرآن بكل قدره ومنزلته نزل على الرسول الأكرم (ص) بوساطة الملك العظيم في هذه الليلة.
4- إنها الليلة التي قدر فيها نزول القرآن.
5- إنها الليلة التي من أحياها نال قدراً ومنزلة.
6- وقيل أيضاً لأنها الليلة التي تنزل فيها الملائكة حتى تضيق بهم الأرض لكثرتهم(13).

أي ليلة هي ليلة القدر؟
قلنا سابقاً بأن ليلة القدر هي في شهر رمضان المبارك، وهذا الأمر مما لا خلاف فيه، وإنما وقع الخلاف في أنها في أي يوم من شهر رمضان المبارك تكون؟
اختلفت الروايات في تعيين هذه الليلة، وأكثر الروايات تحصرها بين ثلاث ليالٍ من هذا الشهر الفضيل، وهي الليلة التاسعة عشر، وليلة الحادية والعشرين، وليلة الثالثة والعشرين، فقد سئل الإمام الباقر (ع) عن إذا كان يعرف ليلة القدر قال (ع): (كيف لا نعرف والملائكة تطوف بنا فيها)، وفي رواية أخرى: (سئل الإمام (ع) هل: إنها الليلة الحادية والعشرون أو الثالثة والعشرون؟ وعندما أصر في تعيين واحدة من الليلتين لم يزد الإمام على أن يقول: ما أيسر ليلتين فيما تطلب)(14).
فالروايات لم تعين ليلة بالخصوص وإن كان بعضها يؤكد على ليلة ثلاث وعشرين أكثر من غيرها، ولكن بالرغم من ذلك لم تحدد الروايات ليلة معينة، ففي قول معاوية للحسن بن علي (ع): أخبرنا عن ليلة القدر. قال: (نعم، عن مثل هذا فاسأل، إن الله خلق السماوات سبعاً، والأرضين سبعاً، والجن من سبع، والإنس من سبع، فتطلب من ليلة ثلاث وعشرين إلى ليلة سبع وعشرين) ثم نهض(15).
والظاهر أن في إخفاء ليلة القدر بين ثلاث ليالٍ هناك غاية، فالله تعالى إنما أخفاها لعظمتها ولشأنها وأهميتها لأن لا تهمل غيرها من الليالي، فكثير من المور المهمة يخفيها الله تعالى عن خلقه لحكمة إلهية، فقد ورد أنه قيل لأمير المؤمنين (ع): أخبرنا عن ليلة القدر؟ قال: (ما أخلوا من أكون أعلمها، ولست أشك إنما يسترها عنكم نظراً لكم لأنكم لو أعلمكموها عملتم فيها وتركتم غيرها وأرجو أن لا تخطئكم إن شاء الله)(16).

عطاءات ليلة القدر:
وليلة القدر تلك الليلة المباركة العظيمة التي تعادل ألف شهر، والتي نزل فيها القرآن العظيم وحفتها الملائكة، وجعل الله فيها السلام والأمان والخير والبركة، لا بد أن يكون لها عطاء ينير درب الإنسان ويحلق به في معارج الكمال، ومن عطاءاتها:
1- إنها تجعل الإنسان يشمر عن ساعد الجد ليجد في القرب من الله، ويسعى لأن يجعل ليلة كاملة هي في خدمة مولاه يتعبد ويتقرب إليه ويتخلص من مغريات الدنيا ومشاغلها حين يفرغ نفسه ووقته لله تعالى وعبادته فقط، وهذا الأمر من الطبيعي أن يكون له تأثير كبير على روحية الإنسان وتكامله وسيره نحو الله تعالى، خصوصاً وأن ليلة القدر وكما أسلفنا قبل قليل غير محددة بل مخفية بين عدة ليالٍ وهذا مما يقرب الإنسان من الله أكثر وأكثر ويجعله يعيش في رحاب العبودية لله تعالى.
2- وبما أن ليلة القدر هي ليلة تقدير الأرزاق والآجال وكل ما يهم الإنسان لسنته المقبلة، وفي الوقت نفسه هي ليلة طاعة وقرب من الله تعالى فمن الطبيعي أن الإنسان المؤمن عندما يرفع يده إلى الله تعالى يطلب منه كل ما فيه خيره وصلاحه وبذلك سيكون له دور كبير في تقدير شؤونه الحياتية عندما يطلب من الله تعالى الأفضل والأحسن والأكمل.
3- وكذلك هي ليلة تتكرر في كل سنة فليست متوقفة عند سنة واحدة بل في عمر الإنسان في كل سنة تعاد عليه هذه الليلة المباركة ليتزود منها، وهذا يعني أنه في كل سنة تكون له محطة يتزود منها مما يصلحه ويساعده على التكامل وعلى السير نحو الله تعالى.
4- هي ليلة سلام ورحمة وبركة، ففي آخر السورة يعبر القرآن بـ (سلام هي حتى مطلع الفجر)، والسلام يراد منه هنا (إشارة إلى العناية الإلهية بشمول الرحمة لعباده المقبلين إليه وسد باب نقمة جديدة تختص بالليلة ويلزمه بالطبع وهن كيد الشيطان)(17).
وكذلك وردت تفاسير أخرى لمعنى السلام الوارد في الآية الكريمة منها مفعمة بالخير والسلامة والرحمة كما أن الملائكة والروح تتنزل فيها فهي إذن ليلة مفعمة بالسلامة من بدايتها حتى مطلع فجرها.
وقيل أيضاً: إن إطلاق كلمة سلام على تلك الليلة يعني أن الملائكة تسلم باستمرار على بعضها أو على المؤمنين أو إنها تأتي إلى النبي (ص) وخليفته المعصوم تسلم عليه.
إنها على أي حال ليلة ملؤها النور والرحمة والخير والبركاة والسلامة والسعادة من الجهات كلها، وقد سئل الإمام محمد الباقر (ع) عما إذا كان يعرف ليلة القدر، فقال: (كيف لا نعرف والملائكة تطوف بنا)(18).

الهوامش:
(1) مفردات الراغب الأصفهاني: 658 .
(2) المصباح المنير للفيومي: 492 .
(3) تفسير الميزان: 20/379 .
(4) سورة البقرة.
(5) الأمثل: 20/267 .
(6) الصحيفة السجادية.
(7) الكافي: 4/157 .
(8) م.ن: 4/158 .
(9) الدخان: 3/4 .
(10) تفسير القمي: 2/431 .
(11) الكافي: 4/157 .
(12) الحج: 74 .
(13) أخذت هذه النقاط من تفسير الأمثل بتصرف بسيط: 20/270 .
(14) نور الثقلين: 5/625 .
(15) الكافي: 7/241 .
(16) الكافي: 7/241 .
(17) الميزان: 20/381 .
(18) الأمثل: 20/269 .
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com