موقع الصراط ... الموضوع : ّذكرى الإمام أمير المؤمنين (ع)
 
الإثنين - 29 / ربيع الأول / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  ّذكرى الإمام أمير المؤمنين (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 19 / رمضان / 1436 هـ
     
  ذكرى الإمام أمير المؤمنين (ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً)).
يا أمة القرآن الكريم. أيتها الجماهير المسلمة الواعية. يا أبناء محمد (ص) وعلي (ع).
هذه ذكرى الإمام الأعظم أمير المؤمنين (ع) تطل علينا من وراء التأريخ الإسلامي عبر الأجيال والقرون حية نابضة بالحق والإيمان والجهاد.
إنها تعود إلينا حاملة عطر الدم الطاهر الزكي الذي سال على المحراب في خشوع الصلاة وسمو العبادة ليكون رمزاً للدين الذي تلتقي فيه العبادة بالجهاد، وتمتزج فيه الصلاة بالشهادة.
إنها تعود علينا لتبعث في أعماقنا، وحياتنا المعاني العميقة التي تكمن فيها، والقيم الروحية الإسلامية التي تتصل فيها العقيدة بالتضحية والحياة بالعقيدة، وتخلق من واقعنا المرير الذي نعانيه-كمسلمين-واقعاً حياً مضيئاً نابضاً بدم الإيمان.
ذلك هو الهدف الذي عاشت الذكرى لتبلغه وتلك هي الغاية التي نرجو في احتفائنا بهذه الذكرى واحتفالنا بما توحيه وما تعطيه من معانٍ وقيم.
ذلك هو الهدف من هذه الذكرى، وتلك هي الغاية منها، وليس مجرد طقوس نقوم بها، ومصيبة نتلوها لتستدر دموعنا، ولتجدد أحزاننا.
إنها أكبر من ذلك وأعظم؛ لأنها تجدد فينا العزم والقوة للسير في الطريق التي بدأها الإمام، وتعمل على تركيز القيم والمثل التي جاهد دونها، وكافح؛ لأن استشهاد الإمام (ع) لم يكن حادثة محلية أو مجرد جريمة قام بها شخص خارجي ضد إمام المسلمين وخليفتهم حتى يطويها التأريخ فيما يطويه من حوادث وجرائم!
وإنما هي تعبير حي خالد عن الصراع المرير الذي تخوضه قوى الإيمان ضد عصابات الكفر، وصورة حية للتجربة التي بدأها أعداء الله تعالى للقضاء على الإسلام في مكة، ولا تزال تعيش في حياتنا حتى اليوم...

أيها المسلمون:
إن ذكرى الإمام (ع) دليل على انتصار الإسلام الحي النقي الصافي على الكفر والتشويه والتحريف... ولذا كان الاغتيال هو السبيل الوحيد الذي سلكه أعداء الله لمحاربته بعد أن لم يستطيعوا الوقوف أمامه وجهاً لوجه لا بالسيف ولا بالحجة والبرهان.
وإذا لاحظنا ظروف الحادثة ووقائعها سنجد الروح الإسلامي العظيم المتمثل في الإمام (ع) ينطلق صارخاً وهو في روعة الشهادة وقدسيتها بذلك النداء الإيماني الجبار الذي تتجسد فيه كل ما في نفس الإنسان المسلم من طمأنينة ورضى بما قدمه لدينه وإسلامه من تضحيات وزهو بالانتصار المتمثل في الشهادة.
إنه ينطلق في قوة الإيمان وعزته، ليدلل على أن الشهادة والاضطهاد وغيرهما هي الوسام الذي يتوج به أصحاب الجنة الفائزة.
إنه ينطلق ليهيب بنا أن لا نعبأ بما يصيبنا من عصابات الكفر والإلحاد والضلال من اضطهاد وتشريد وتعذيب ما دام الضمير الإيماني مطمئناً داخل نفوسنا وما دامت العقيدة حية في عروقنا ودمائنا، وما دام الجهاد في سبيل الله، هو السبيل الذي نسير فيه.
إن كل هذه المعاني، وكل هذه الصور تجتمع لتنطلق هادرة من الكلمات التي أطلقها الإمام (ع) بعد استشهاده (فزت ورب الكعبة) فقد التقت النهاية بالبداية من نداء الحياة في الكعبة إلى صيحة الإيمان في مسجد الكوفة، وماذا بعد إنها الروح الخيرة للإنسان المسلم الكامل التي لا تحقد على أعدائها فلا يدفعها اعتداؤهم إلى أن تعنف أو تشتد في العقوبة، وإنما هي الرأفة والرحمة والعدالة وحكم الله (إذا أنا مت من ضربتي هذه فاقتلوه ضربة بضربة ولا تمثلوا بالرجل) إنها الروح الإسلامية الخيرة التي تتسامى وتتسامى حتى لا مجال لمرتفع ولا موضع لصعود.

أيها المسلمون:
إن من إخلاصنا لهذه الذكرى أن نفهم أن الاعتداء على الإمام (ع) لم يكن موجهاً إلى شخصه بالذات بقدر ما هو موجه إلى القضية الكبرى التي جاهد الإمام (ع) من أجلها، وإلى الإسلام المتمثل في الإمام في صفائه ونقائه وعدالته؛ لذلك فإننا حين نستعيد هذه الذكرى في حياتنا فإنما نستعيدها واقعاً نعيش ظلاله وسماته في واقعنا الذي نعيش فيه، فلا تزال قضيتنا الكبرى قضية الإسلام ولا يزال الإسلام في صورته الحية الناصعة هدفاً لاعتداءات المعتدين وتشويه المشوهين وتحريف المحرفين.
إن الذين اعتدوا على الإمام لم يستهدفوا قتل الإمام (ع) بقدر ما استهدفوا قتل الفكرة التي تتجسد فيه، وإطفاء الشعلة المقدسة التي يحملها، وخنق العقيدة الحقة التي بذل الإمام (ع) حياته في سبيلها حتى عادت جزءاً لا ينفصل عن كيانه؛ لذلك فإن أية خطوة تخريبية أو تحريفية توجه ضد الإسلام لن تكون بأقل جريمة من الجريمة التي تمثلت في الاعتداء على الإمام، فإذا كان احتجاجنا على الاعتداء على الإمام حقاً نومن به في ضمائرنا وأرواحنا فيجب أن يتمثل في الاحتجاج على أي عمل يستهدف تشويه القضية الكبرى التي قتل الإمام (ع) من أجلها، وهي قضية الإسلام.

أيها المؤمنون:
إن تقديسنا للإمام أمير المؤمنين (ع) وتعظيمنا لذاته المقدسة وولاءنا له، لا ينطلق من مجرد عظمته الشخصية كبطل عظيم من أبطال الإسلام، وإنما ينطلق من عظمته الروحية الدينية كمثل حي للمسلم الكامل الذي سار على النهج القرآني في جميع ألوان حياته، حتى كان التجسيد الأمثل للإسلام بعد الرسول الأعظم (ص).
ومن هنا كان ولاؤه وحبه فرضاً على المسلم؛ لأن مثل هذا الولاء الذي يوجه إليه، إنما يوجه إلى الإسلام المتمثل فيه وإلى القيم والمثل الإسلامية المتجسدة في حياته الشريفة، أما بغضه وعداوته فلا يمثل إلا بغض الإسلام وعداوته، ذلك هو ما نفهمه من سر عظمة الإمام وذلك هو ما ندعو إلى السير على هديه، وذلك هو مفتاح شخصية الإمام (ع) لمن يدرس حياته، فلن يستطيع أي إنسان فهم أسرار حياته، ولا إدراك خطواته العملية التي قام بها، إلا إذا أدركها من هذه الزاوية.

أيها المسلمون:
لقد كان باستطاعة الإمام (ع) أن يهادن معاوية والخوارج وأصحاب الجمل لتستقيم له الأمور، فلم يكن القوم أصحاب مبادئ وإنما كانوا أصحاب أطماع وأغراض، ولكنه أراد لنفسه، وللفكرة التي يحملها، وللدين الذي بذل حياته في سبيل تركيزه، الارتفاع عن هذا المستوى وإن كان ذلك حياته؛ لأنه لا يريد للإسلام أن ينحرف عن طريقه أو يبتعد عن هدفه، أو تختلف فيه الوسيلة عن الغاية.
إنه أرادها صراحة في العقيدة وصراطاً مستقيماً، وأرادها القوم مراوغة ومداراة ومساومة على حساب الدين والعقيدة..
لقد كان من هدفه أن يبني الإسلام في داخل الإنسان وأن يفتح نفس الإنسان على دين حي طاهر وضيء، دون لف ودوران، ولذا فقد حارب هذه الفئات بنفس الروح التي حارب بها الكافر في حياة النبي (ص) لأن الهدف واحد، وهو إعلاء كلمة الله تعالى وحفظها عن التشويه والاتجاه بها إلى غير القصد.
تلك هي صورة من حياة الإمام أمير المؤمنين (ع) فيما نعرف وفيما نفهم، فماذا نستفيد منها ونحن نعيش صراعنا الدامي بين الفئات الكافرة والضالة؟!
إننا نستفيد منها –لو أردنا الاستفادة- القوة والعزم والصمود على الوقوف أمام الباطل أياً كان لونه، وعلى محاربة أية فئة تكيد للإسلام سواء منها الفئات التي تحارب الإسلام جهاراً، أو الفئات التي تتستر باسم الإسلام لتخفي زينها ومكرها وخداعها.
إننا نستفيد منها أن نكون مسلمين أمناء لإسلامنا فلا تلعب بنا الأهواء وتميل بنا ذات اليمين وذات الشمال، وأن نكون حذرين يقظين من أعداء الإسلام، ومن المكائد التي يدبرونها لنا من حيث ندري ولا ندري ولا ندري، وأن نبقى مع الإسلام في صفائه ونقائه سائرين على النهج القرآني الذي سلكه الإمام أمير المؤمنين (ع) في جميع أدوار حياتنا وألوانها من أجل مجتمع إسلامي تسوده المحبة والإخاء ويغمره الخير والحق والأمان.
وأننا لن نكون مسلمين حتى لا تأخذنا في الله لومة لائم ولا نحب ولا نبغض إلا في الله، وهو حسبنا ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

الأضواء

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الثانية، العدد السابع
الأضواء
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com