موقع الصراط ... الموضوع : الدين في ينابيعه الأولى-2
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الدين في ينابيعه الأولى-2  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 19 / رمضان / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ محمد أمين زين الدين
هناك في أعماق الإنسان، وفي قرارة نفسه، وطوايا قلبه نزعة متأصلة، يشعر بها جيداً حين يتجرد لأحكام الغريزة، ويغفل عنها حين يندفع مع الحياة العامة، حين تستبد به ملابساتها وتتقاذفه تياراتها.
نزعة ذاتية في الإنسان قديمة بقدم وجوده، مكينة بتمكن غرائزه وثبات طباعه، هي نزعة التعلق بغيب مجهول، والتوجه إلى حقيقة عليا غير محدودة، تنتهي عندها الأسباب ويستند إليها التدبير، يرغب في رضاها ويحذر من بطشها.
ومما يدل على هذه النزعة من الإنسان، وعلى مدى أصالتها فيه، وعلى مبلغ استسلامه لها أن فكرة الدين والجانب الإلهي منها على الأخص قد تخللا تأريخ البشرية، وعمّا أجيالها، وتغلغلا في جميع قبائلها وجميع أقطارها، بحث لم يخل منهما عصر من عصور التأريخ، ولم تنسلخ عن التمسك بهما أمة من الأمم مهما انتبذ بها الزمن، ومهما شطت بها الدار، ومهما ذهبت بها (البداءة) واتضعت بها الهمجية، واختلت بينها موازين الأخلاق.
فهي شعور راسخ ثابت في جبلة الإنسان، وفي نزعات أفراده، وإن بدت منحرفة المظاهر لدى كثير من الأمم، فقد اتخذ الإنسان من الحجارة ومن التماثيل ومن الحيوان والنبات آلهة مدبرة يعقد على رضاها الأمل، ويتزلف إليها بالعبادة ويطلب معونتها في الحوائج، ويضرع إليها في النوازل، وقد تسامى به الوعي قليلاً لما ألّه النار والنور، ولما عبد الأرواح والكواكب.
وارتقى به الشعور ورام أن يفلسف صنيعه هذا فقال بالتثنية، بإله للخير وإله للشر، بإله للنور وبإله للظلمة، وقال بالتثليث، بأقانيم يلتثم منهما واحد، أو بأعضاء تتألف منها شركة واحدة، وقال بإله لكل نوع من الأنواع، وقال: بإله لكل ظاهرة من الظواهر، وقال بالتعدد المطلق، فلا حصر للآلهة ولا ضبط، وقال بالاتحاد، وقال بالحلول، وتناقلته أهواء وتقاذفته أمواج، وهذا التأرجح الدائب وهذه الذبذبة المستمرة إنما هما وليدا هوى مكين يعصف به أن يتوجه ويعصف به كذلك أن يتعرف.
ويشعر المرء شعوراً قوياً بهذه النزعة حين يعلق بحبائل القدر، فلا يستطيع الفكاك، وحين يقع في قبضة الظلم فلا يملك الانتصار، هنا وهنالك يفزع بفطرته إلى قوة غيبية قادرة قاهرة، لا حد لقدرتها، ولا منتهى لسلطانها، تملك الفرج، وتحكم بالعدل، يفزع إلى هذه القوة الغالبة العالمة لتنقذه من الشدة أو يستعديها لتنصفه من العدوان.
والتطلع إلى الغيب المجهول في صورته المصغرة يوجد لدى الأطفال في أولى درجات التمييز، ولعل من آثار هذا النزوع المبهم أننا نرى الأذكياء منهم يلحفون في السؤال عن مصدر الشيء ثم يرتفعون بسؤالهم وإلحافهم مع سلسلة أسبابه، ولا يقنعهم أن نقف بهم على سببه الأدنى، ويمنعون كذلك في الاستفهام عن غاية الشيء، ويتدرجون في الاستفهام والاستقصاء مع سلسلة غاياته، ولا يروى ظمأهم أن نذكر لهم غايته القريبة.
أقول: لعل استقصاء الطفل هذا من أصداء تلك النزعة التي تحدث عنها العلماء النفسيون، فكأن الفطرة توحي إليه أن للأشياء علة أولى يجب أن تستند إليها العلل، وأن لها غاية كبرى يجب أن تنتهي بها الغايات. لعل استقصاء هذا من أثر نزعته تلك، ولعله من آثار شعوره (بقانون السببية) فهو الآخر فطري من فطريات الإنسان، وهو كذلك ركيزة من ركائز الإيمان، ولعله رجوع لكلتا الفطرتين، فولوعه بالمسألة عن العلة استجابة لهذا الشعور وارتقاؤه إلى سلسلة أسبابه تلبية لتلك النزعة.
ويصرح كثير من علماء الاجتماع وكثير من مؤرخي الأديان وعلماء النفس بأن التدين إحدى الغرائز النفسية للإنسان، ويقول معجم (لاروس) للقرن العشرين: (إن الغريزة الدينية المشتركة بين كل الأجناس البشرية حتى أشدها همجية وأقربها إلى الحياة الحيوانية، وأن الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية).
وقد غلا بعض هؤلاء العلماء فذهب إلى أن جراثيم هذا الشهور الديني توجد لدى الحيوانات، وادعى أن بعض أنواع الحيوان تشيع فيه نزعة دينية غريبة حين يحس بالموت أو حين يشعر بهبو آني جارف أو نكبة كونية(1).
وسواء أصحت هذه الدعوى من قائلها أم لم تصح فإن ثبوت هذه النزعة للإنسان مما لا يسمو إليه ريب ولا تحوم حوله فطنة.
هذه النزعة الأصيلة في الإنسان هي الخلية الأولى من خلايا الدين، والنواة التي يتكون من تطورها تركيب جسمه وائتلاف عناصره.
ويجد المرء نفسه في غمار هذا الكون المزدحم بالعجائب المفعم بالجمال، ويقلب بصره فيما حوله من مكونات، فيجد مظاهر الحكمة ومجالي الإبداع في ما يبصر وفي ما يعي، في ما يدرك بحسه وفي ما يستبين بعقله وفي ما يتلقف بذوقه.
ثم يتحسس نفسه ويتحرى دقائقها ويستعرض خصائصها فيرى بها آية الآيات وبديعة البدائع ! يدرك المرء جميع هذا فيندفع مقسوراً الى التساؤل عن العالم الذي يحيط به. وعن نفسه التي يجهل كنهها ويجهل أكثر خفاياها.
عن المبدأ الاقصى لهذا الوجود، وعن الغاية الأخيرة من تكوينه.
عن الحياة هذه التي تعمر الكون، وعن ظاهرة الموت التي تعقبها.
وعن الموت هذا أله نهاية محتومة كما للحياة تسبقه، أم هو سرمدي ليس للأنام بعده منقلب؟
وعن الأسباب القريبة التي تحدث عنها الأشياء، ألها سبب أعلى اليه تنتهي، ومن قوته تستمد، أم هي مستقلة مترامية؟ مستقلة فلا مصدر لسببيتها ومترامية فلا بدء لسلسلتها.
وهذا الاستقلال في السببية وهذا الترامي في الوجود أهما من الممكن أم هما من المستحيل؟
فإذا وجد المرء لهذه المسائل حلولاً مقبولة، وإذا انطبعت النتائج في نفسه عقيدة وارتسمت على قلبه ركوناً وطمأنينة فقد تألفت لديه العناصر الأولية والمهمة من عناصر الدين.
الدين نزعة مجردة حين تهدى إليه الغريزة وتومي إليه الفطرة.
وفكرة محض حين يتناول العقل الواعي حقائقه بالنقد ويعرض أصوله على البرهان.
وعقيدة خالصة حين تستمسك به الروح ويلتزمه القلب.
وإيمان ثابت حين يغمر هذين بفيض الإخلاص، ويعمرهما بأشعة اليقين.
وعمل زكي حين تسلم له الإرادة ويخضع له السلوك.
* * *
ضع شيئين متفاضلين بين يدي طفلك وخيره بينهما ثم أرقبه أي الشيئين يؤثر.
فإنه سيختار أفضلهما ولا يتردد في ذلك.
وأبدِ إعجابك بفعل يأتي به أو بكلمة يقولها أو حركة يصدرها، ثم انظر ماذا يصنع.
فإنه سينشط لذلك الفعل وسيكرره ما أبديت إعجابك به وما واليت تشجيعك إياه.
وتشاغل أمامه بعمل من أعمال العقلاء ثم ارصد ما يفعل.
فإنه سيقلدك في ذلك العمل، وسيحاول الإبداع في المحاكاة.
فلماذا تصدر من الطفل هذه المحاولات؟
ويقول علماء التربية الحديثة، ويقول علماء علم النفس الحديث: كل ما يعمله الطفل في سنتيه الأولى من عمل وكل ما يقوم به من تجربة فإنما يلبي به نوازع الفطرة ونداءات الغريزة.
وإذن فمحاولات الصغير المتقدمة انعكاسات للفطرة وانبعاثات مع دواعيها، فالفطرة هي التي تحفز الإنسان - منذ طفولته - أن يختار الجيد من الأمور والأجود منها عند التفاضل. والفطرة هي التي تحمله على أن يصبح مثاراً للإعجاب وموضعاً للإطراء. والفطرة هي التي تفرض عليه أن يحترم الأكابر من الناس وأن يتخذ منهم قادة في الأعمال ومُثلاً في الصفات. فهل نستطيع أن نعلل هذه الدوافع المتغلغلة في نفس هذا الكائن؟ وهل نستطيع أن نعرف لماذا يولع الإنسان بتحسين مظهره وإتقان أعماله وتنسيق حركاته؟ بل ولماذا يتكبر المتكبرون من أفراده ويرائي المراؤون؟ ولِمَ يدعي الناقصون منهم الكمال ويتظاهر الجاهلون بالعلم؟
في نفس الانسان رغبة ملحة للارتفاع، ونزوع قوي الى التسامي، ويبدو أنه إنما يقوم بهذه الأعمال تلبية لهذه الرغبة، وإرواءً لهذه الغلة.
نعم كل هذه المظاهر وكل هذه الأعمال - حتى ما شذَّ منها عن الخلق القويم - أصداء لهذه الرغبة النفسانية الملحة، ولكنها في الشواذ من الأعمال والمظاهر والأخلاق استجابة ملتوية وانقياد غير متزن.
ولعلّ السر في هذا الالتياث، في هذه المسالك الملتوية التي يركبها الإنسان الملتوي، وفي هذه الادعاءات الجوفاء التي يفتتن بها الرجل الأجوف، لعل السر في ذلك أن الانسان يعز عليه أن يخسر الكمال، ويكبر عليه - إذا خسر الكمال - أن يعترف على نفسه بهذا الخسران.
يعز عليه أن يخسر الكمال لأن التفسير الصريح لذلك أنه منهزم.
ويكبر عليه أن يعترف بالخسارة لأن مدلول ذلك أنه يسجل على ذاته هذه الهزيمة، ولذلك فهو إذا خسر الكمال لجأ إلى انتحاله، واذا أفلس من الرفعة ركن إلى ادعائها، وكأنه ينشد في الانتحال عزاء لنفسه عن الإخفاق، وتعويضاً لها عن الحرمان. ونزعة التسامي هذه كسائر نزعات الإنسان وصفاته يدخلها الاعتدال والانحراف وتتسم بالرقي والهبوط.
وإذن فالكمال هو الهدف الأعلى للإنسان من جميع أفعاله وتصرفاته، وأخال أنها نتيجة بينة لا مساغ فيها لتردد ولا منفذ في دليلها لريبة، فإن دليلها هو الفطرة السليمة.
لا أغلو فأدعي أن الكمال هو غاية الإنسان من جميع أعماله ومن جميع تصرفاته حتى ما يكون فيه عابثاً أو مقارباً للعبث، أو آثماً أو مدانياً للإثم، بل أقول الكمال غاية الإنسان من أعماله حيث يؤثر أن يبقى إنساناً يعتز ببشريته ويحتفظ بحدوده.
أما التحلل والترهل فإنهما يهويان به عن هذه المنزلة ولا مراء.
وتستتبع النتيجة المتقدمة نتائج أخرى هن مثيلاتها في الوضوح وعديلاتها في القوة، مقاييس عامة نزن بها الأعمال ونقيس بها الصفات ونفرق بها بين الخير والشر، وبين موارد الخير وموارد الشر.
فالخير كل عمل أو تصرف ينتهي بنا إلى هذه الغاية الفطرية المطلوبة.
والشر كل سلوك أو معاملة تقصينا عنها.
والزكي من الأخلاق كل سجية أو عادة تكون بينها وبين الكمال رابطة وشيجة ونسب عريق.
والرديُّ منها ما يكون على الضد من ذلك.
هذه هي المقاييس الصادقة التي ترتكز في ثباتها على الوجدان وتستمد قوتها من البرهان، والموازين العامة التي لا يختلف عليها أحد ولا تنكرها بيئة ولا تنتقص في مورد.
أليس بديهياً أن كل أحد ينشد الكمال بفطرتهـ ثم يتجه إليه بجبلته؟
كل أحد من البشر أياً كان جنسه وأين كان موضعه وأنى كان زمانه.
ثم أليس بديهياً كذلك أن ما حال بين الشيء وبين غايته الطبيعية فإنما هو حجر عثرة وقاطع سبيل؟
وهذه الحاسة العجيبة المودعة في قرارة الانسان وفي خبيئة نفسه؟
هذه الحاسة المرهفة التي أقامها الله رقيباً من الإنسان على الإنسان، وقيماً من نفسه على نفسه؟
حاكما نزيه الحكومة. وشاهداً مرضي الشهادة، ونصيحاً مقبول العظة، ومعاقباً مرهوب السطوة مخشي العقوبة.
يزن الافعال فيأمر وينهى، ويقارن بين الغايات فينصح ويشير، ويرقب السلوك فيثيب ويعاقب...
الضمير الأدبي الذي ليس يخلو منه فرد من أفراد الإنسان، وليس يندُّ عن سلطانه صغير ولا كبير من الأعمال...
لأية غاية أرصدت للمرء هذه الذخيرة، وحشدت في نفسه هذه القوة ؟
طموح نفسي يتقد، ورغبات فطرية تتوثب، وغرائز أصيلة مشبوبة تمد ذلك الطموح منه بالقوة، وترفد تلك الرغبات بالوفرة والشدة ومقاييس ارتكازية عادلة يوزن بها فلا تخطئ، ويعمل بموجبها فلا تتباين، وإرادة قوية فعالة تخلق المعجزات وتصنع الأعاجيب، وحاسة حافزة تدعو إلى فعل الخير وتثيب عليه، وتزجر عن عمل السوء وتجزي به!!
أليس كل هذا الحشد وكل هذه التعبئة وهذا التجاوب العميق بين قوى الإنسان ورغباته وبين حوافزه واعماله، أليس كل هذا إعداداً لهذا الكائن إلى كمال منتظر، وتأهيلاً له إلى غاية مبتغاه؟
ثم أليس من الخطل في الحكمة أن يعد للإنسان هذا الرصيد الضخم، وأن تودع فيه هذه الرغبات العنيفة والطموح العارم الشديد ثم يقفل دونه الباب ويوصد في وجهه السبيل؟
أليس معنى ذلك أنه يوكل إلى قلق نفسي لا يهدأ، وإلى حيرة فكرية لا تهتدي ؟
وليتساءل المولعون بالطعن المغرمون بالهدم، لو أن صانع الكون وواضع قوانينه ترك الإنسان فلم يشرع له قانوناً. ولم يجعل له ديناً. ألا يجعلون ذلك منفذاً للطعن في الحكمة، أو النيل من القدرة أو الحط من العلم؟
ألا يقولون إن حكمة الخالق قد حالت أو إن قدرته قد قصرت، أو إن علمه قد ضاق؟
إنّ الغاية سامية رفيعة وأن الحوافز إليها في نفس الفرد مكينة قوية، ومؤهلاته لبلوغ الغاية كثيرة موفورة، وعناصر الاختيار فيه مجتمعة متكاملة، غير أن السبيل التي تفضي الى الغاية مجهولة، ومعالمها معفاة، فما عسى ابن آدم أن يصنع؟ وما يستطيع أن يصنع؟
ومواضعات العرف وتقاليد المجتمع والقوانين المدنية والنظم الأخلاقية هل تجدي المرء في هذا المجال شيئاً ؟ وهل تستطيع - لو أوكل اليها أمر الإنسان - أن تكون له وحدة في سلوك وأن تجمع أفراده على غاية؟
الحق أنّها لا تطمع في أن تقدم للإنسان هذا الضمان، ولن تقوى على الوفاء به إذا ضمنت ..
ودليل عجزها هذا التناقض البادي بين مناهجها، وهذا البون الشاسع بين اتجاهاتها ..
ودليل عجزها أنها علاجات يقتضيها زمان وتلدها مناسبة، وتحددها بيئة، وكل أولئك سبب للتحديد، وهدف للتغيير وعرضة للزوال.
ودليل عجزها هذا القصر منها في النظرة فهي لا تحصي طباع المرء كلها بالتمحيص، ولا تستوعب ضروراته كلها بالملاحظة، ولا تعم روابطه كلها بالاستعراض، ولا تستقصي غرائزه وركائزه كلها بالمعادلة..
وكيف تملك أن تكون لبني الإنسان جميعهم وحدة في سلوك وأن تجمعهم آخر الأمر على غاية إذا لم يكن لها هذا الشمول في النظرة، وهذه الدقة في المراقبة؟
والإنسان نوع واحد فمن المحتم أن تكون الغاية التي يسمو إليها غاية واحدة، ومن المحتم أن يكون سبيله المؤدية به إلى الغاية سبيلاً واحداً أيضاً. أرأيت شيئاً من موجودات هذا الكون تخطى هذه الحدود؟

الهوامش:
(1) نشأة الدين للأستاذ علي سامي النشار: ص 30 .

((للبحث صلة))

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الثاني
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com