موقع الصراط ... الموضوع : من هدى القرآن -4
 
الإثنين - 9 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  من هدى القرآن -4  
   
  كتب بتاريخ : السبت - 7 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم السيد محمد جمال الهاشمي
تكملة في تفسير قوله تعالى (رب العالمين)
ولما كان استعياب حياة الأحياء العائشة في هذا العالم الطبيعي يحتاج إلى مؤلف خاص ربما يعادل مؤلفنا هذا بمرات لذلك اكتفينا عنه بالإشارة إلى سنة التطور المودوعة في الإنسان والتي تبتدئ من النطفة وتنتهي إلى الهرم فالموت، إن النطفة تستقر في فضاء من الرحم يحتفظ بجراثيمها الحية، إنها تعيش في جو يلائم وضعها النطقي، فإذا ارتقت عن مرتبة النطفة إلى مرتبة العلقة تغير ذلك الجو؛ لأن وضعها الطبيعي قد تغير في هذا الارتقاء، فهي تحتاج إلى ظروف تتناسب ووضعها الجديد، وتنوجد لها تلك الظروف في دنيا الرحم لتعيش فيه دورها الموقت حتى تترقى في سيرها التكاملي إلى مرتبة العلقة، فهناك تتطور ملابسات حياتها كلها، وهكذا يكون جو الرحم في تكيف وتغير، حسبما تحتاجه حياة الإنسان في سيرها إلى الكمال، إلى أن يحين خروجه من عالمه ليتصل بالعالم الجديد وليكون حلقة متصلة بسلسلة آبائه وأجداده، إن العالم الذي يحاول إليه يخالف عالمه الأول في كل شيء، إنه يحتاج إلى قوى وطاقات تتحمل الجو الجديد، ويتزود بتلك الطاقات التي توجهه إلى هذا العالم فيخرج من عالمه الأول ليقابل حياته الثانية بكل تأهب واستعداد ولا تكفيه الطاقات الطبيعية التي صاحبته لتقيه عوارض العالم الجديد، بل يحتاج في حياته الثانية إلى وسائل تفارقه وجوداً وتتصل بحياته مباشرة، إنه يحتاج إلى عاطفة قهارة تربط حياته بحياتها، بحيث لا يمكنها التكاسل عن حاجياته، وهكذا تتصل به عاطفة الأم، فتستقبله وكأنها تستقبل مادة حياتها الحبيبة، كما أنه يحتاج إلى عاطفة يديرها عقل يوجهها حسب برنامجه الواعي، إنه يحتاج إلى واعد يرعاه بعقله العاطفي، أو بعاطفته العاقلة، ولا يتم برنامج حياته بذلك بل يحتاج أيضاً إلى غذاء يلائم طبيعته ومزاجه وإلى تجاوب بينه وبين الغذاء، وهكذا يدرّ اللبن ويتوجه إليه فم الطفل ليلتقمه من دون أن يحتاج في ذلك التوجيه إلى مربٍّ خاص، إنه بطبيعته يفتح فمه ليفتش على حملة الثدي، فكيف تعلم الطفل هذه العملية، وأين تلقى هذا الدرس الشاق وليس في الرحم ثدي يلتقمه، إنه كان يتغذى بدم أمه من طريق سرته، ولكنه نراه يتوجه بفمه إلى حلمة الثدي توجهاً غريزياً، فكيف وأين نمت هذه الغريزة؟!
إن هذا التوجيه وهذه التربية الكاملة لم تحصل إلا بسبب ذلك المربي والموجه والراعي، إنه برعايته يربيه ويوجهه إلى ما فيه سعادته وصلاحه، ويمنعه عما فيه شقاؤه وفساده، إن السيد الأعظم، والموجه الأكبر لا تفوته ناحية ولا بادرة من بوادر حياة الإنسان في مختلف أدواره وأطواره فهو يرعى الطفل في دور رضاعه كما رعاه في أدواره المشيمية، فإذا تجاوز دور الرضاع يوجهه بغريزته إلى عوالم الطفولة وأجوائها، بعد أن يهيأ له وسائل حياته الجديدة، يهيئها في طبيعته كما يهيئها في الجو الذي تعيش بها تلك الطبيعة حتى إذا تجاوز دور الطفولة إلى الشباب نرى أوضاعه تتغير بتغيير فسلجة جسمه وميوله النفسية، ونرى الحياة توجد له كل ما تحتاجه طبيعته الجديدة، وهكذا يجتاز الإنسان دوري كهولته وشيخوخته.
إن المربي البصير والموجه القدير لا ينساه في كل لحظة من لحظات حياته، حتى إذا ضاقت بطبيعته أجواء هذا العالم زوّده بطاقات تتخالف فعاليتها مع فعالية هذا العالم، إنه يزوده فيها ليستقبل بها عالمه الثالث-عالم الموت الذي ينتقل إليه من عالم الأرحام، كذلك سيوجد له الملابسات التي تحتاجها حياته الثالثة.
إن هذا التوجيه الرابع لم يكن إلا برعاية رب العالمين، ولم يكتفِ هذا المربي بمدرسته الطبيعية بل زوّد الإنسان بمدرسة تنفصل عنه وجوداً وتتصل به مقصوداً، إنه لم يكتفِ بتزويد الإنسان بعقله المدبر، بل وجه ذلك العقل إلى الأمل المنشود بإرساله أنبياءه إلى العالم الإنساني لتضمن لهم التوجيه الصحيح، والنظام الكامل، وإنما أرسل أنبياءه لأن الغرائز المتناقضة في الإنسان لا يبعد منها أن تتلاعب باستعداده الطبيعي فتشوش عليه طريقه ومقصوده، فيعيش في جو مضطرب من الأفكار الفوضوية، والتي تؤدي بها إلى هاوية لا قرار لها من الانحطاط، ولذا نرى رب العالمين يتلافى هذا النقص بإرسال الرسل لتسير بالمواكب الإنسانية إلى الغاية المنشودة، فليطمئن الإنسان بكمال موجهه لأنه رب العالمين، وبمقدرة سيده لأنه إله السماوات والأرضين.

يتبع..

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد الرابع..
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com