موقع الصراط ... الموضوع : هل سمعت بأعجب من حديثي
 
الأربعاء - 2 / رمضان / 1442 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  هل سمعت بأعجب من حديثي  
   
  كتب بتاريخ : الأحد - 15 / شوال / 1436 هـ
     
  لما أفضت الخلافة إلى بني العباس كان من جملة من اختفى من بني أمية إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، فلم يزل مختفياً إلى أن أضجره الاختفاء فأخذ له أمان من السفاح.
وكان إبراهيم رجلاً أديباً بليغاً حسن المحاضرة فحظى عند السفاح، فقال له: قد كنت مكثت زماناً طويلاً مختفياً فحدثني بأعجب ما رأيت في اختفائك فإنها كانت أيام تكدير، فقال له: وهل سمع بأعجب من حديثي؟ لقد كنت مختفياً في منزل أنظر إلى البطحاء فبينما أنا على ذلك إذا بأعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة، فوقع في ذهني أنها خرجت تطلبني فخرجت متنكراً حتى أتيت الكوفة من غير الطريق، وأنا متحير، ولا أعرف بها أحداً، وإذا أنا بباب كبير في رحبة منيعة فدخلت في تلك الرحبة فوقفت قريباً من الدار، وإذا برجل حسن الهيئة، وهو راكب فرساً، ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه فدخل الرحبة فرآني واقفاً مرتاباً، فقال لي: ألك حاجة؟ قلت: غريب خائف من القتل، قال: ادخل فدخلت حجرة في داره، فقال هذه لك ، وهيئ لي ما أحتاج من فرش وآنية ولباس وطعام وشراب، وأقمت عنده مدة ما سألني من أنا ؟ ولا ممن أخاف؟ وهو في أثناء ذلك يركب في كل يوم، ويعود تعباً متأسفاً كأنه يطلب شيئاً فاته ، ولم يجده، فقلت له يوماً: أراك تركب كل يوم وتعود تعباً متأسفاً كأنك تطلب شيئاً فاتك؟
فقال: إن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك، قتل أبي، وقد بلغني أنه مختف من السفاح، وأنا أطلبه لعلي أجده آخذ بثأري منه.
فكرهت الحياة، واستعجلت الموت لما نالني من الشدة، فسألت الرجل عن اسمه واسم أبيه، وسبب قتله، فعرفني الخبر فوجدته صحيحاً، فقلت: يا هذا قد وجب حقك عليَّ ، وإن من حقك أن أدلك على قاتل أبيك، وأقرب عليك الخطوة وأسهل عليك ما بعد ، فقال: أتعلم أين هو؟ قلت: نعم. قال: أين هو؟ فقلت: أنا والله هو؛ فخذ بثأرك مني فقال لي: أضن أن الاختفاء أضناك فكرهت الحياة؟ قلت: نعم والله، أنا قتلته يوم كذا وكذا.
فلما علم صدقي تغير لونه، واحمرت عيناه، وأطرق رأسه ساعة، ثم رفع رأسه إليّ، وقال: أما أبي فسيلقاك غدا القيامة فيحاكمك عند من لا تخفى عليه خافية، وأما أنا فلست معفراً ذمتي ولا مضيعاً نزيلي، أخرج عني؛ فإني لا آمن من نسي عليك بعد هذا اليوم.
ثم وثب على صندوق فأخرج منها صرة فيها خمسمائة دينار، وقال خذ هذه ، واستعن بها على اختفائك فكرهت أخذها، وخرجت من عنده، وهو أكرم رجل رأيت.
فبقى السفاح يهتز طرب ويتعجب.

المصدر: ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق: 6/417.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com