موقع الصراط ... الموضوع : حياة الإمام الصادق (ع) دروس وعظات
 
الأربعاء - 17 / ذي القعدة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  حياة الإمام الصادق (ع) دروس وعظات  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 23 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم السيد اسماعيل الصدر
قال لي صاحبي وقد رأى القلم في يدي، وأنا أتهيأ للكتابة: ماذا تكتب؟ قلت: أكتب كلمة في إمامنا العظيم أبي عبد الله جعفر الصادق عليه الصلاة والسلام، هذا الإمام المجاهد الكبير الذي لولاه لضاعت النبوة، واندرست أحكام الإسلام فقد ظهر في زمن زاخر بألوان الصراع والنزاع بين زعماء المسلمين على الخلافة والحكم بوصفه ستار للمصالح الشخصية والشهوات النفسية، وكان آخر ما يتفكر فيه أحدهم هو الإسلام وأحكامه والدين وأساسه، ولم تكن همة أحدهم إلا الوصول إلى غاياته وإشباع شهواته، وإن تعارضت مع القضية الإسلامية المسؤول اسمياً عن حمايتها، حتى إن بعضهم وضع الجزية على من أسلم من النصارى فارتد في يوم واحد عشرون ألفاً.
في مثل هذا الظرف القائم ظهر الإمام الصادق (ع) وعاش وقلبه يفيض حزناً وألماً على شريعة جده الأعظم (ص)، التي شادتها دماء زكية، وعبدت طريقها جماجم الشهداء والأبرار، أن تكون ألعوبة بيد أولاد الطلقاء وجهلائهم، فجند الإمام الصادق حياته وإمكاناته كلها للإسلام، ووقف إلى جانبه وهو في محنته السياسية ليقوده من نصر إلى نصر في المعترك الفكري، وبذلك استطاع الإسلام أن يشق طريقه إلينا بالرغم من تلك المحن السياسية ومضاعفاتها.
وهنا رد عليَّ صاحبي وهو يقول: إذا كان زمان الإمام الصادق (ع) كما وصفت، وإذا كانت محنة الإسلام محنة سياسية قبل كل شيء، فلماذا رفض الإمام الخلافة حينما عرضها عليه أبو سلمة الخلال الملقب بوزير آل محمد (ص)؟! ألم يكن من الأحسن أن يضطلع بمسؤولية الحكم والقيادة ليستنقذ الإسلام من محنته، ويعيد عهده الزاهر الذي تآمر عليه الأمويون؟! فكيف جاز للإمام أن يرفض الخلافة والإسلام أحوج ما يكون إلى حاكم كالإمام الصادق (ع)؟!
فأجبته: إن من يدرس الحركة الثورية التي عاصرها الإمام الصادق (ع) باستيعاب، يجد أن مركز الثقل في الحركة هو أبو مسلم الخراساني الذي كان عباسياً في أهدافه وعواطفه، فكان معنى قبول الإمام للخلافة التي عرضها أبو سلمة دق اسفين في أساس الحركة الثورية، وشقها إلى معسكرين، مما يؤدي إلى انتصار الأموية، أو استيلاء أبي مسلم أو تسلم الإمام الصادق الحكم في ظل فتن داخلية تعيقه عن الأعمال الجذرية وعن إعادة بناء المجتمع من جديد، كما اتفق لأمير المؤمنين علي (ع) في زمان خلافته، وليس لك يا صاحبي أن تعترض في هذا المجال وتقول: كيف إذن تسلم أمير المؤمنين الحكم؟! وما هو الفرق بينه وبين الصادق الذي رفض الحكم في ظل فتن وثورات؟! فإن الفرق بين ظروف الإمامين واضح كل الوضوح؛ لأن حركات التمرد والانشقاق لم تبدأ على عهد الإمام علي (ع) إلا بعد تسلمه للخلافة برغبة اجتماعية ملزمة من الثوار، فكان من الضروري له بعد تسلمه للحكم أن يواصل حكمه ويحاول قمع الفتن والمشاغبات الداخلية، وأما الإمام الصادق فلم يكن يملك ذلك الرصيد الكبير من الثوار، وكان يرى الفتن والقوى المختلفة قائمة في الميدان بالفعل، فلم يكن يعني اقتحامه لنفسه في المعترك السياسي إلا الاشتغال بتلك القوى وبمصارعتها، والانصراف عن أي عمل جدي مثمر.

وراجعني صاحبي مرة أخرى قائلاً: إذا كان من رأي الإمام الصادق عدم اقتحام المعترك السياسي على أساس العلم بعدم النجاح فيه، فما بال أهله من الثوار العلويين كانوا يقتحمون هذا الميدان، ويشنون الثورات الواحدة تلو الأخرى على السلطات الحاكمة؟! وماذا كان موقف الإمام الصادق (ع) منهم؟! فقلت له: إن الإمام الصادق لم يكن يعني عدم مباشرته للمعترك السياسي أنه أهمله، بل يعني أنه (ع) اشتغل في كلا المجالين الفكري والسياسي، وعمل في كل منها بطراز خاص، ففي المجال افكري باشر عمله العلمي على نطاق واسع مكشوف، وفي المجال السياسي كان يحاول أن يسمع صوته للأمة وغضبه على الحكام، عن طريق الثورات العلوية التي عاصرها، والذي يسبر حياة الإمام الصادق يجد أنه كان يمدها بالتأييد ويباركها، ولم تكن تلك الثورات منفصلة عنه، وناهيك دليلاً على ذلك ما كتبه إلى ابن عمه عبد الله ابن الحسن المحض، بعد قتل أولاده وأهل بيته في إحدى تلك الثورات قائلاً: (إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة)، وما جاء في حديث ابن عمير الكندي إذ يقول: (دخلت على أبي عبد الله، فقال: هل لكم علم بآل الحسن؟ وكان قد اتصل بنا عنهم خبر فلم نحب أن نبدأه به، فقلنا: نرجو أن يعافيهم الله، فقال: وأين هم من العافية؟! ثم بكى حتى علا صوته وبكينا، ثم قال: حدثني أبي عن فاطمة بنت الحسين قالت: سمعت أبي يقول: يقتل منك أو يصاب منك نفر بشط الفرات ما سبقهم الأولون ولا يدركهم الآخرون وأنه لم يبق من ولدها غيرهم.
فهذا الحديث يدلنا على أن الإمام كان يبارك تلك الحركات العلوية، ويستهدف من ورائها كشف الحكام وتعريتهم أمام المسلمين، فلو قدر للحركة أن تنتصر وصل الإسلام إلى مقصوده الإيجابي، ولو قدر للحاكم أن يقمعها استطاع الإسلام أن يزيح الستار عن حقيقة الحكام، ويظهر للملأ بوصفهم سفاكين لدماء آل النبوة، وأما بعد أولئك الثوار عنه ظاهراً فهو لأجل أن لا يحملوه مسؤولية أعمالهم، فتقضي السلطات الحاكمة على حياته العالية أو تقف أمام دعوته الإسلامية وتمنعه من بث تعاليمه الدينية.
وهكذا نستطيع القول: إن الإمام الصادق (ع) كان يريد أن يعرف الأمة حقيقة الإسلام من ناحية، وحقيقة الواقع الحاكم من ناحية أخرى، وقد عرف الناس بحقيقة الإسلام وأحكامه بجهوده العلمية ومدرسته الفكرية، التي تخرج منها أكابر الفقهاء، وعرف الناس بحقيقة حكامهم عن طريق تلك الثورات التي جعلت الحكام يرتكبون ألوان الظلم والطغيان في سبيل الحفاظ على ملكهم، وبذلك أقام الحجة على الأمة وفسح المجال لها دائماً للتحرك في ركاب الثائرين المرضيين من إله.

قال لي صاحبي: وأخيراً ما هو الدرس الذي ينبغي أن نأخذه من سيرة هذا الإمام العظيم؟
قلت: يا صاحبي لا تكلفني شططاً، فإن حياة إمامنا الصادق كلها دروس وعظات، ولو اتبعناها اليوم لخرجنا من الظلمات إلى النور، وكيف يمكن الإحاطة بها في بحث أو مجلس واحد؟!
قال لي: مهلاً، لم أكن أعني هذا فإن الإحاطة غير ممكنة، وإنما أطلب منك أن تشرح لي درساً واحداً من دروسه العملية لنقتدي بها، قلت: إن إيثار بعض الدروس العملية على بعض صعب أيضاً؛ لأنها جميعاً دروس مثالية خالدة، وإن شئت فخذ مثلاً مثابرته على بث علوم الدين، ودفع شبهات الملحدين، وتشكيك المشككين، فإننا لو اقتدينا به فعلم كل واحد منا وكافح الشبهات ولو في حدود أهله وأولاده، ولو أننا تجهزنا بمستلزمات ذلك وحرصنا على هداية الضالين ممن نتصل بهم وإرشادهم إلى من يهديهم.. لو أننا صنعنا ذلك لخلقنا عند الناس مناعة فكرية قوية ضد مختلف الاتجاهات والتيارات.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العدد 20-21
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com