موقع الصراط ... الموضوع : السياسة الميكافيلية في نظر الإمام الصادق (ع)
 
الأحد - 12 / رمضان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  السياسة الميكافيلية في نظر الإمام الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 23 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ الشهيد كاظم الحلفي
hilfee ((وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون))
السياسة الميكافيلية - الغاية تبرر الواسطة - هي أخطر سلاح استغله المجرمون لتمزيق الوحدة البشرية منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، وليس بين شهوات الإنسان - منذ وجد على ظهر الأرض - ما أذكى في نفسه الميل إلى الشر مثل حب السيطرة يستوي في ذلك الأفراد والجماعات طوائف كانت أم دولاً، ولكن غرقت الأرض في دماء سكانها من جراء ذلك، وفي سبيل الوصول إلى منصة الحكم التي يرتع فيها - على حساب الملايين - بعض الأفراد من النفعيين الماهرين في الحيلة أساليب، والمغالبة يستخدمون كل وسيلة وإن أجرت من دمائهم أنهاراً، ولسنا بحاجة إلى عرض الوقائع التأريخية التي تدعم ما قلناه، فما أخال أنَّ أحداً لا يعلم بشيء منها وقد لطخت صفحات كل تأريخ بسوادها الحالك.
لأن نظامها الذي يبيح الكذب والغدر والغش والتزوير والقتل وكل إجرام في سبيل السيطرة على الحكم هو الفوضى الشاملة التي عصفت بسعادة البشرية وقيمها حتى لم تدع ساعة من حياة الناس شاغرة من الاضطرابات والفتن.
فكل يسعر ليسود وكل يعمل لينفذ رغباته.
إن هذه السياسة هي التي قضت على حياة تسعة عشر مليوناً من البشر في ساعات.
وهي التي دمرت مدينة هيروشيما في لحظات.
وهي التي اضطرت العمال والكادحين أن يعملوا ليل نهار كي ينتجوا ما ينفقونه على الصواريخ والقنابل الذرية والقذائف النووية.
وهي التي أحالت الدماغ البشري إلى بحار هائجة لا يستقر لها قرار عن التفكير لتقرير المصير.
أما الإمام الصادق (ع) فهو يحرم السياسة المكافيلية أشد التحريم ويمقتها أشد المقت.
وذلك لأن مقياسه العملي هو (رضا الله) سبحانه وتعالى، ولنلتمس شاهداً واحداً من أقواله الكثيرة، يقول أبو أسامة: سمعت الصادق (ع) يقول: (عليكم بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار، وكونوا دعاة لأنفسكم بغير ألسنتكم وكونوا زيناً ولا تكونوا شيناً).
فالدعوة عند الإمام الصادق جزء من الغاية فلا بد أن تتجاوب مع الغاية في مفاهيمها ومثلها، وهذا هو شأن الدعوة الفكرية فإنها لا تقر أبداً أن تنبثق وسائلها من غير طبيعتها.
ولم يزل يؤكد على أصحابه الالتزام بهذه القاعدة الكبرى الشاملة التي لا تفرق بين الأبيض والأسود ولا العربي والأعجمي ولا الغني والفقير وحثهم على العمل في حدودها المقررة؛ لأن المجرمين لا يمكنهم أن يتحملوا دعوة الخير ويخلصوا لها ما دام الخير بطبيعته عدواً للإجرام.
كما أن رضا الله تعالى لا يسوغ أن يتوصل إليه من طريق إجرام: (لا يطاع الله من حيث يعصى) فلا يمكن في نظره (ع) أن يكون الإجرام في يوم ما وسيلة للخير وطريقاً إليه.
ولما كان رضا الله سبحانه وتعالى هو مقياس الإمام (ع) وهذا المقياس تكمن من ورائه القوة وعليها تبتني صحة أعمال الإنسان، وهي تتمثل في إدراكه صلته بالله تعالى وامتثال أوامره وتلك القوة هي أعظم ركيزة لقيام الإنسان بالعمل لوجه الله تعالى، وهذا الشعور بصلة الإنسان بخالقه العظيم يجعله يخشاه، ولا يرى طريقاً إلى الخير إلا العمل بما أمره.
كما أن هذا المقياس يشعر الإنسان المسلم أيضاً بأضراره أبناء نوعه كشعوره بأضرار نفسه وآلامها ويحسسه بمنافع أبناء جلدته كإحساسه بمنافع نفسه كما يقول الصادق (ع): (المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى شيئاً منه وجد ذلك في سائر جسده أن المؤمن أخو المؤمن هو عينه ودليله لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه)...
(حب لأخيك المسلم ما تحب لنفسك واكره له ما تكره لها)
فكيف بعد هذا يسلك المؤمن طريقاً تؤدي إلى أذية أخيه والإضرار به فضلاً عن إهدار كرامته وإزهاق نفسه.
هذا هو الطريق السوي الذي يتناول الحياة كلها بجميع نواحيها، وما تشتمل عليه من تنظيم وهو يرسم للبشر صورة كاملة لما يلزم أن تكون عليه حياتهم في هذه الدنيا.
كما أن حياة الصادق (ع) حافلة بالطرق الإصلاحية الخيرة التي امتلك بها قلوب الواعين من المعاصرين له ولو سار المسلمون على منهاجه الخير القويم لكانوا المثل الأعلى للإنسانية الراقية ، ولسادوا العالم بأسره، ولكن السياسة الميكافيلية التي سلكها المجرمون في عصره هي التي أبعدت المسلمين عن حقيقة الإسلام، ولا بد من أن يرجع بهم ذلك الطريق إلى الأعقاب.
وقبل الختام: أحب أن أتلو عليكم وصيته (ع) لأصحابه: أوصيكم بتقوى الله وأداء الأمانة لمن ائتمنكم وحسن الصحابة لمن صحبتموه وأن تكونوا لنا دعاة صامتين، قالوا: يا ابن رسول الله، وكيف ندعو ونحن صامتون؟
فقال (ع): تعملون بما أمرناكم من العمل بطاعة الله وتعاملوا الناس بالصدق والعدل وتأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ولا يطلع الناس منكم إلا على خير فإذا رأوا ما أنتم عليه علموا فضل ما عندنا فتنازعوا إليه.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، 20-21
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com