موقع الصراط ... الموضوع : الإمام الداعية
 
الإثنين - 5 / صفر / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإمام الداعية  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 23 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ عبد الهادي الفضلي
hilfee (السلام على الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاة الله)
تتموج بين أضواء هذه العبارة إشراقة من وضح النبوة، وتتفجر بين قبساتها إشعاعة من نور الإمامة.. وللحق دلائل بها يعرف، وللصواب أنوار يستدل بها عليه.
هذه العبارة المشرقة إحدى الأوصاف للأئمة من أهل البيت (ع) التي وردت في الزيارة الجامعة، لتقييم واقعهم الإنساني الأمثل.
عرضتها لتكون مثار الحديث ومركز البحث؛ لأنها - في عقيدتي - أروع تصوير يعكس واقع الأئمة (ع)، حينما نقصد، وحينما نفهم، ما في كلمات هذه العبارة من محتويات؛ ولأنها جماع الكلمة التي تقيّم سمو شخصياتهم (ع).. ذلك أن الدعوة إلى الله تعالى والدلالة على مرضاته هي المسؤولية الأولى والعظمى التي أنيطت بالنبي (ص) ومنه امتدت إلى الأئمة من آله لما يتمتعون به من إنسانية كاملة، ولتوفر مقوماتها وعناصرها وشروطها فيهم (ع)، وللتعرف على نوعية ومفاهيم هذه المقومات والعناصر والشروط لهذه المسؤولية يرجع إلى كتب العقيدة، وبخاصة مدونات الإمامة، فملؤها إيضاح وبرهنة وتدليل بما لا يفسح أي مجال للريب في إمامتهم وإناطة هذه المهمة الخطيرة بهم (ع).
وتتضمن المسؤولية في مدلولها ووظيفتها: رئاسة الدولة الإسلامية وإدارتها بالعدل، ورعاية شؤون الأمة وقيادتها إلى الحق؛ لأنها مجال الدعوة إلى الله تعالى.
وهي لا تختلف في واقعها الموضوعي من حيث العناصر والمقومات والشروط وما إليها، ومن هنا كانت دراستها واستعراضها من هذا الجانب هي - في الواقع - دراسة موضوع واحد لا يختلف نظرياً وموضوعياً في شخصية إمام عنه في شخصية إمام آخر.
يضاف إليه: إنها لا تختلف أيضاً في واقع الأئمة التأريخي الفردي، فحياتهم الفردية صورة واحدة. وإلى هنا أراني ملزوماً بإيضاح ما أقصده إذن من محتوى العنوان (الإمام الداعية) بعد هذه التوطئة لا يطلق منها إلى استعراض مضمونه في هذا المجال حسبما تقتضيه طبيعة البحث منهجياً، وبصفته موضوعاً يعد لنشره..
إنني أقصد: الصورة التأريخية لحياة الإمام في أدوار قيامه بهذه المسؤولية في ظروفها وملابساتها الاجتماعية والسياسية، المجال الذي يعد فارقاً بين إمام وإمام في استعراض هذه الناحية الخاصة من سيرة وتأريخ كل إمام.
والعرض لجانب الدعوة في حياة كل إمام يرتبط ارتباطاً وثيقاً في استخلاص نتائجه على معرفة أدوار حياة الدعوة الإسلامية منذ عصر الداعية الأول النبي محمد (ص) حتى عصر الإمام الذي يؤرخ له بغية الوقوف على مختلف العوامل الاجتماعية والسياسية التي ساعدت على دفع ونشر، أو على إيقاف وعرقلة الدعوة في مجالاتها عامة وخاصة..
ويتوقف من ناحية منهجية على معرفة العناصر والمقومات المبدئية التي يقوم على أساسها الكيان الكامل للفرد المسلم، والكيان الكامل للمجتمع المسلم، من أجل التعرف على مدى انتشار الدعوة نتيجة جهاد الإمام المؤرخ له، ونتيجة قيامه بمسؤوليته بصفته داعية ومسؤولاً أول.
وفي عقيدتي: إن خطوط هذه العناصر والمقومات تلتقي جميعها عند مركزها الأساس والأصيل وهو (العقيدة ذات الفاعلية الاجتماعية) التي تدفع إلى تحكيم وتطبيق النظام تطبيقاً واقعياً وإلى العمل الجماعي المستمر من أجل ذلك وبأبعد وأثقل ما يتطلب حتى التفاني والتضحية.

لعوامل كانت تعيش نفوس المسلمين، وكانت من أهم ظواهرهم الاجتماعية قبل إسلامهم، حملوا رواسيها معهم إلى الإسلام، ولما يستكمل تطهيرهم منها، ولعوامل انخلقت في المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (ص) وبين صفوف المسلمين.
لتلك ولهذه ولغيرهما من العوامل بدأت العقيدة الإسلامية تضعف قليلاً قليلاً، حتى ثورة الإمام الحسين (ع) حيث أملت عليه الظروف، وفرضت عليه الملابسات الاجتماعية والسياسية آنذاك أن ينتصر لها بالفداء، وأن يقوي منها بإراقة الدم الطاهر، وأن يضاعف من طاقاتها الحرارية بأشلاء الضحايا المقدسة من آله وصحبه (ع).
فكانت هذه الثورة الجبارة اللغم الذي انفجر تحت صرح العقيدة الباطلة، واللغم الممهد لما تليه من ألغام، والمنار الذي اهتدى به الثائرون ضد الحكم الجائر لبني أمية حتى أطيح وعصف بكيانه رماداً يرى الناس مصير الباطل ومآل الجور، ويوقفهم على مستقبل العقيدة الفاسدة ترمي بمعتنقيها إلى هذه الهوة.
وكانت حافز إثارة الوعي الإسلامي، وعامل الاندفاعات من أجل استعادة الحقوق المغتصبة، ولإعطاء العقيدة الإسلامية مجالها للنفوذ إلى أعماق قلوب المسلمين لتسترجع فاعليتها الأولى.
وكانت وما وليها من الحركات الاجتماعية والانتفاضات السياسية، من أهم وأقوى العوامل التي ساعدت على تهيئة الذهنية لأبناء الأمة لتفهم الإسلام ووعي مفاهيمه وأهدافه.
وهنا كان دور الإمام الصادق (ع) في فترة الانتقال، في نهاية دولة أمية وبداية الدولة العباسية مما أعطى الفرصة، وأعد المجال للإمام (ع) أن يقوم بمسؤوليته بذلك الشكل الموسع.
وقد تلخص هذه العوامل المساعدة للإمام من الوجهة الاجتماعية والسياسية بما يلي:
1- فترة الانتقال، التي من طبيعتها تهيئة المجال للعقائديين في نشر وبث مبادئهم نتيجة انطباعها بصبغة الصراع السياسي بين الحكم المنهار، والحكم القائم على أنقاضه، وانشغالها به.
2- إقامة الإمام الصادق (ع) في المدينة المنورة مصدر التشريع الإسلامي، ومركز الثقل الديني في البلاد، ومجتمع ذوي المكانات الاجتماعية المرموقة من عظماء المسلمين ما يعطيها خطورتها الكبرى في أعين الساسة والحكام، وما يجعل لها خطرها المخيف عليهم وعلى سياستهم وبخاصة في فترة الانتقال.
3- مركز الإمام الديني الذي يحتل القمة ومكانته الاجتماعية العليا والواسعة.
4- ابتعاد الإمام (ع) عن المجال السياسي، واعتزاله خوض معترك السياسة القائم لعلمه وخبرته من الأحداث السابقة بعدم وصول الحكم إليه، ولعلمه بموقف السياسة الراهنة آنذاك منه، ووجهة نظرها إليه على أنه الخطر الكبير المهدد لكيانها لشخصيته الإسلامية الفذة، ولمركزه الديني والاجتماعي الأعلى، ولأن المعارضة للسياسة تسير طبيعياً من غير أن تفتقر إلى الدفع وبشكله السافر.
وكل هذا ليتفرغ إلى دفع العقيدة الإسلامية ذات الفاعلية الاجتماعية لأنها القاعدة التي يقوم على أساسها بناء الفرد المسلم، وكيان المجتمع المسلم، والأصل الذي تتفرع منه كل المعرفة الإسلامية، والمقياس الذي يحدد سلوك الفرد والأمة في الحياة.
5- تطلع المسلمين إلى الفقهاء، وإقبالهم عليهم، للتعرف على نظم التشريع التي تحل لهم مشاكلهم الفردية والاجتماعية، لا سيما بعد انقراض عصر الصحابة، وكان الإمام الصادق (ع) في طليعة العلماء بالتشريع الإسلامي.
وإلى هنا أظنني قد رسمت الصورة الصغيرة لظروف وملابسات دعوة الإمام واضحة الملامح وبينة الخطوط، فلأنتقل إلى استعراض النتاج لدعوة الإمام (ع):
كان كل ما يهدف إليه الإمام: العقيدة بواقعها النقي الأصيل، ومن هنا كان تراثه الفكري يزخر بدفعه العقيدة وغلغلتها في أعماق قلوب وذهنيات أبناء الأمة المسلمة، وبدفاعه عنها الدفاع الممتلئ قوة وحرارة، والمحكم أساساً وتركزاً، بإيضاحها الإيضاح الكافي بمختلف الأساليب التي تتمشى مع مختلف المستويات الذهنية للمسلمين، وبإيضاح وبيان التشريع الإسلامي في مرونته واستمراريته وشموله وتكامله وكماله.
فكان مما خلفه هذه الثروة الثقافية الضخمة الضافية، وأولئك العلماء العقائديين من تلامذته أمثال: هشام بن الحكم، ومؤمن الطاق، ومحمد بن مسلم، وزرارة بن أعين، وغيرهم.
تلك الثروة التي لا تزال قوة الدفع للعقيدة.. وأولئك العلماء الذين لا يزالون قدوة الأجيال المسلمة في العمل والتضحية من أجل المبدأ وفي سبيل العقيدة.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان 20-21
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com