موقع الصراط ... الموضوع : المسلم في نظر فقه الإمام الصادق (ع)
 
الإثنين - 13 / ذي الحجة / 1441 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  المسلم في نظر فقه الإمام الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الإثنين - 23 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم السيد الشهيد محمد باقر الحكيم
hakeem حين نعرض لمفهوم (المسلم) من وجهة نظر فقه الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) لا نرمي من وراء ذلك إلى أن للإمام الصادق (ع) وجهة نظر خاصة تختلف في حدودها عن وجهة نظر الإسلام نفسها، تلك التي جاء بها النبي محمد (ص) ذلك لأن ما يقوله الإمام الصادق (ع) في هذا المفهوم وغيره من المفاهيم الأخرى ليس تفسيراً اجتهادياً لوجهة نظر الإسلام، فيكون قابلاً للخطأ والصواب، وإنما هو قول مطلق تماماً لقول الرسول (ص) في الواقعة التي يحددها، وقد ورد عنهم (ع) أن قولنا هو قول آبائنا وأجدادنا حتى ينتهي إلى رسول الله (ص)، وهذا هو السر الذي يفسر لنا إرسال الأخبار منهم عن رسول الله (ص).
والشيء الذي تعنيه هذه المحاولة هو عرض وجهة ما يتبناه الفقه الإمامي الجعفري من رأي في هذا المفهوم، وليس أمراً غريباً أن نقول إن أحكام الفقه الجعفري ليست أحكاماً واقعية وقطعية، وقد سلك الفقه الجعفري في استنباطها طريق الأدلة التي يعلم بمضمونها يقيناً، إذ أن الفقه الجعفري يسلك في الاستنباط طريق الأمارات والأصول العملية التي قام الدليل القطعي على حجيتها والتي وضعها الإسلام طرقاً للتوصل بها إلى الحكم الشرعي وما إلى ذلك من مفاهيم في الوقت الذي قد يكون مضمونها ظنياً، فهي كمرحلة ثانوية للأدلة القطعية.
ولهذا كله فقد يكون الدليل الذي نبرهن به على صحة ما ندعيه من مفهوم للمسلوم لا ينتهي إلى الإمام الصادق (ع) مباشرة غير أن الدليل لما كان لا يخرج عن الحدود التي وضعها الإمام الصادق للاستنباط لا يعتبر دليلاً خارجاً عن نطاق الإمام الصادق (ع) ومذهبه، فالدليل قد يكون آية قرآنية، وقد يكون حديثاً يمتد في تأريخه إلى ما قبل الإمام الصادق، قد يكون الدليل ذلك كله، ومع هذا فيصح أن ينسب إلى الإمام الصادق بسبب الأصول الموضوعية التي يرتكز عليها المذهب الجعفري.

وكلمة (المسلم) توحي لنا بالكثير من المعاني المختلفة في حدودها، والسر في هذه الكثرة هو السعة والشمول اللذان تتمتع بها هذه الكلمة فهي في الوقت الذي تضم بين جوانبها الإنسان في عقيدته الإسلامية الكاملة وإيمانه العميق بالله وإسلامه التام للخالق عز وجل تضم بين جوانبها أيضاً ذلك الإنسان الذي يظهر الإسلام على صفحات لسانه فحسب، في الوقت الذي يكون المحتوى الداخلي لنفسه النفاق والمداورة والنوايا السيئة الدنيئة تجاه الإسلام والمسلمين.
وفي الوقت الذي نجدها تنطبق على ذلك الإنسان المجاهد في سبيل الله سبحانه العامل على تطبيق أحكام الإسلام في جميع جوانبه الحياتية.. تنطبق أيضاً على الإنسان الذي يتحين فرص الفرار من الزحف، ويختلق الأعذار الواهية ليبرر بها موقفه من الكفار وجهادهم، والقرآن الكريم يعطينا صوراً واضحة عن هذه الأفراد التي تختلف في حقيقتها ومحتوياتها النفسية وأعمالها في سبيل الحياة.
وليس هذا الشمول والسعة لكلمة (المسلم) شيئاً غريباً، فإن من الطبيعي أن يضم المجتمع صوراً مختلفة في إيمانها وعقيدتها واندفاعها وتضحيتها، فإن الفرد المسلم الذي يكون خلق المجتمع الإسلامي يختلف في تجاوبه-بطبيعة الحال-مع الإسلام باختلاف المحتوى الداخلي له.
ولسنا نحاول-حين نأخذ مفهوم (المسلم) بالدرس- أن نستعرض كل الاختلافات الجزئية بين الأفراد المسلمين، والدرجات المتصاعدة في مدى إيمانهم واعتقادهم، وإنما نقتصر في ذلك على تحديد الدرجة العالية والدرجة المنخفضة من المسلم لنكون بذلك قد حددنا جوانب المسلم بسعته وشموله وأعطينا تعريفاً كاملاً لهذه السعة وهذا الشمول.

والمرتبة العالية للمسلم هي الاعتقاد بالإسلام في هيكله الكامل، من الإيمان بالله ورسله وملائكته واليوم الآخر والاستسلام التام لأحكام الله وما أنزل على رسله من أوامر ونواهي والإيمان بأن الإسلام هو الكلمة الإلهية الفاصلة في جميع المجالات الحياتية، وأن المرتبة العالية للمسلم الاعتقاد بهذا كله مقروناً بالعمل من أجل الإسلام والسير في الطريق الذي يرسمه الاعتقاد به.
(قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون).
وهذه المرتبة العالية هي التي يعبر عنها القرآن وكتب الحديث بالمؤمن، فقد ورد في القرآن الكريم (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم)، وقوله تعالى: (والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم).
وفي الحديث الصحيح عن الإمام الصادق (ع) يحدثنا (سماعة) قال: (قلت لأبي عبد الله (ع) أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال (ع): إن الإيمان يشارك الإسلام، والإسلام لا يشارك الإيمان، فقلت: فصفهما لي، فقال (ع): إن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله (ص)، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان: الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام، وما ظهر من العمل به، الإيمان أرفع من الإسلام بدرجة...) الحديث.
وأما المرتبة الأخرى للمسلم فهي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله من دون اعتقاد بما ينطبق به من هذه الشهادة، ومن دون إظهار لما يبطن من الكفر.
ويشترك المسلم بهذه الدرجة مع بقية المسلمين الذين تختلف درجاتهم في سلم الإسلام والإيمان، فإن الإسلام وبالتالي الدولة الإسلامية تنظر إليهم كمسلمين متساوين في الحقوق والواجبات، فهم جميعاً-بما فيهم هذا الشكل من المسلم- أمام القضاء وفي الحدود والقصاص وفي الأحكام العامة.. سواء، وهكذا الحال تجاه جميع الأحكام الثابتة للمسلم بما هو مسلم من دون أن تكون هناك خصوصية تختص بها فئة من المسلمين دون أخرى.
وهذا الموقف من المسلم يختلف تماماً في الدار الآخرة؛ فإن المقياس فيها هو ما يخفيه الإنسان في صدره، وما يكتمه في قلبه من عقيدة ونوايا.

ويقيم الفقه الجعفري الدليل على دخول مثل هذا الإنسان في حظيرة المسلمين بالشكل الذي تجري عليه جميع أحكام المسلم، ويستند ذلك إلى ما يلي:
أولاً: سيرة النبي (ص) والمسلمين كافة مع أشخاص كان إسلامهم تحت ضغط التهديد بالقتل كما حدث ذلك بالنسبة إلى الكثير من مسلمي قريش بعد فتح مكة؛ فإن الإسلام في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يكون إسلاماً حقيقياً، وإلا فمجرد التهديد بالقتل والضغط عليهم لا يكفي سبباً لحصول الاعتقاد عندهم بعقيدة الإسلام وعقد القلب عليها؛ حيث إن الاعتقاد صفة نفسية خارجة عن الإرادة الشخصية بصورة مباشرة، وإنما تنشأ عن المقدمات التكوينية كالاستماع إلى الأدلة والبراهين على تلك العقيدة، والتفكير والتأمل فيها، وبحث العقيدة بحثاً موضوعياً مجرداً عن العاطفة والتحيز، وقد تنشأ العقيدة عن غير هذا الطريق أيضاً، إلا أن الشيء المسلم به هو أن مجرد التهديد بالقتل أو الضغط والإكراه لا يمكن أن يكون سبباً في حصولها.
ولا أريد بهذا أن هؤلاء الذين كان إسلامهم بالضغط والإكراه قد استمروا على حالتهم النفسية تلك من دون أن تتبدل بالاعتقاد بعقيدة الإسلام، وإنما أريد بذلك أن النبي (ص) كان يعامل هؤلاء كمسلمين، وإن كان يعتقد أنهم غير معتنقين للإسلام في الأزمنة الأولى من إظهارهم للإسلام.
وثانياً: سيرة النبي (ص) أيضاً مع أشخاص علم النبي والمسلمون بنفاقهم وكذبهم بما يظهرون من إيمان واعتقاد بالإسلام وولاء له، وذلك بشهادة القرآن الكريم عليهم بذلك، فقد جاء في الآية الكريمة: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) فإن الله سبحانه وتعالى يخبر عن هؤلاء المنافقين بأنهم يبطنون الكفر وعدم الإيمان بما يظهرون من الشهادة بالرسالة للنبي (ص)، ومع هذا كله فالنبي (ص) لم يكن يعاملهم إلا معاملة المسلمين الآخرين، وقد كان النبي يعرف هؤلاء الأشخاص لنزول هذه الآية في قضية معينة كما أنّ النبي قد لاقى الكثير من الآلام والمتاعب من جراء الأعمال التي كان يقوم بها هؤلاء الضالون كما يحدثنا القرآن بذلك وكتب السير.
وثالثاً: ما ورد في الفقه الجعفري عن أئمة أهل البيت (سلام الله عليهم) من التصريح بذلك، فقد أشارت الرواية السابقة إلى هذا عندما تحدثت عن المسلم والمؤمن، إلا أن رواية أخرى أصرح منها في ذلك، وهي رواية حمران بن أعين، قال: (سمعته يقول: الإيمان: ما استقر في القلب وأفضى به إلى الله عز وجل وصدقه بالعمل بالطاعة والتسليم لأمره، والإسلام: ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث وجاز النكاح واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج فخرجوا بذلك من الكفر...).

والمسلم في الفقه الجعفري يكون نقطة انطلاق لكثير من الأحكام في كثير من المجالات الحياتية، ولسنا نحاول هنا استقصاء هذه الأحكام كلها، وإنما نأخذ منها حكماً واحداً من مجال الأسرة ليكون مثالاً لذلك، وهذا الحكم هو (الكفاءة).
فالكفاءة في الزوج من الشروط التي يبحث عنها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم نفياً وإثباتاً، وقد تعرضت لها المذاهب المشهورة عند أهل السنة كما تعرض لها الفقه الجعفري أيضاً إلا أن وجهة نظر المذهب الجعفري تختلف –تماماً- عن وجهة نظر الكثير من المذاهب المشهورة عند أهل السنة؛ ذلك لأن المذهب الجعفري يجعل من المسلم نقطة الانطلاق في هذا الحكم، وهو في هذا يسير على الخط العام الذي جعل السلم قاعدة لكثير من الأحكام العامة في التشريع الإسلامي، فليس في الفقه الجعفري ما يشترط في الزوج من ناحية الكفاءة إلا الإسلام، فمهما كان الزوج فقيراً، ومهما كان بعيداً عن العرب في نسبه، فهو كفؤ للزوجة ما دام مسلماً حسن الإسلام.
ولنستعرض هنا وجهة نظر المذاهب الأخرى ثم نذكر وجهة نظر الفقه الجعفري في الكفاءة:
ففي الفقه الحنفي: (إن الكفاءة هي مساواة الرجل للمرأة في أمور مخصوصة، وهي ست: النسب، والإسلام، والحرفة، والحرية، والديانة، والمال...)(1).
وفي الفقه الشافعي: (وتعتبر الكفاءة في أنواع أربعة: النسب والدين، والحرية، والحرفة...)(2).
وفي الفقه الحنبلي: (الكفاءة هي المساواة في خمسة أمور: الأول: الديانة... الثاني: الصناعة... الثالث: اليسار بالمال.... فلا يكون المعسر كفؤاً للموسرة... الرابع: الحرية فلا يكون العبد كفؤاً للحرة. الخامس: النسب فلا يكون العجمي كفؤاً للعربية...)(3).
ولم يعتبر في الفقه المالكي إلا الإسلام والتدين والسلامة من العيوب وجعل الأخير من حق الزوجة لا الولي(4).
وفي صدد عرض وجهة نظر الفقه الجعفري في المسألة نكتفي بذكر روايتين تتضح بها وجهة نظر المذهب مع الدليل:
الأول: ما روي بسند صحيح: (إن رجلاً من أهل اليمامة يقال له: جويبر جاء إلى رسول الله ومنتجعاً للإسلام، فأسلم وحسن إسلامه، وكان رجلاً قصيراً دميماً محتاجاً عارياً، وكان من قباح السودان... إلى أن قال: وإن رسول الله (ص) نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة ورقة عليه. فقال: يا جويبر لو تزوجت امرأة فعففت فرجك بها، وأعانتك على دنياك وآخرتك، فقال جويبر: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، ومن يرغب فيّ، فوالله ما من حسبٍ ولا نسبٍ ولا مالٍ ولا جمالٍ، فأية امرأة ترغب فيّ؟.
فقال له رسول الله (ص): يا جويبر إن الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً، وشرّف بالإسلام من كان في الجاهلية وضيعاً واعز بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلاً. وأذهب بالإسلام ما كان من نخوة الجاهلية وتفاخرها بعشائرها وباسق أنسابها. فالناس اليوم كلهم أبيضهم وأسودهم وقرشيّهم وعربيهم وعجميهم من آدم؛ وان آدم خلقه الله من طين. وان أحب الناس إلى الله أطوعهم له وأتقاهم. وما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين اليوم فضلاً، إلا لمن كان أتقى لله منك وأطوع...) الحديث.
الثانية: ما روي عن أبي عبد الله الصادق (ع)، قال: إن رسول (ص) زوج ضبيعة بنت الزبير بن عبد المطلب من مقداد بن الأسود، فتكلمت في ذلك بنو هاشم، فقال رسول الله (ص): إنما أردت أن تتضع المناكح.
ومن هنا نعرف أن موقف الفقه الجعفري يختلف تمام الاختلاف عن موقف المذاهب المشهورة عند أهل السنة ما عدا مذهب المالكية؛ فإنه يكاد يتفق مع وجهة نظر الفقه الجعفري في الكفاءة.
ولست أحاول في بحثي هذا كله أن أفضل وجهة نظر الفقه الجعفري على بقية وجهات النظر الأخرى، فإن لمثل هذه المحاولة مجالاً آخر وإنما غاية ما أرمي إليه من وراء هذا البحث هو عرض وجهة نظر الفقه الجعفري بصورة واضحة ليتضح لما لهذا الفقه من أهمية في المجالات التشريعية والحياتية في دنيا الإسلام.

الهوامش:
(1) الفقه على المذاهب الأربعة: ج4 ص 54 .
(2) المصدر السابق: ج4 ص 59 .
(3) المصدر السابق: ج4 ص 61 .
(4) المصدر السابق: ج4 ص 58 .

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان (20-21)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com