موقع الصراط ... الموضوع : الإمام جعفر الصادق (ع)
 
الجمعة - 4 / شعبان / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  الإمام جعفر الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 24 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ جميل الربيعي
جميل الربيعي ولد الإمام الصادق (ع) ليلة الجمعة في السابع عشر من ربيع الأول سنة 83 هـ ، وقضى مع جده الإمام السجاد (ع) اثنتي عشرة سنة، وقيل خمس عشرة سنة، وأخذ عنه الكثير الكثير من المعارف والعلوم، وبعد وفاة جده تفرد بتربيته أبوه الإمام الباقر (ع) وعاش بعد أبيه تسع عشرة سنة، وعاصر تسعة من ملوك بني أمية هم:
عبد الملك بن مروان، سليمان بن عبد الملك، عمر بن عبد العزيز، يزيد بن عبد الملك، هشام بن عبد الملك، الوليد بن يزيد، يزيد بن الوليد، إبراهيم بن الوليد، مروان الحمار. كما عاصر من العباسيين:
1- أبو العباس السفاح: الذي تظاهر بالعطف على العلويين، وبالدعوة إلى الرضا من آل محمد، وكانت فترة حكمه فسحة للإمام الصادق (ع) حيث استطاع أنْ يواصل بناء جامعة إسلامية عظمى، وأعد المئات من العلماء والفقهاء والمفكرين الرساليين الذين واصلوا تبليغ الرسالة، وتثبيت دعائمها، وحفظها من تحريف المحرفين.
2- أبو جعفر المنصور الدوانيقي: الذي عانى منه الكثير من الطغيان، والظلم، والمحن المرة حتى استشهد على يده.
وعلى كل حال كان زمانه كلُّه عصر اضطرابات سياسية، واضطهاد فظيع لأهل بيت النبوة (ع) من قبل ملوك الدولتين العباسية والأموية، حتى مضى إلى ربه شهيداً على يد الدوانيقي بسمٍّ دسه له...
ولما كان الوضع السياسي في عصره قائماً على المنافسة على كراسي الحكم، ومحاولة السيطرة عليها بالغدر، والخداع، والخيانة، وبكل وسائل الإجرام، وبكل السبل غير المشروعة، فرأى السباق المحموم على المناصب، ورأى ما وصلت إليه الأمة من انهيار فكري، عمل على بناء قواعد فكرية ثابتة، فأخذ يُعد كوادر إسلامية صلبة؛ ولأجل ذلك فتح أبواب جامعته لطلبة العلم في المدينة المنورة والكوفة، وراح ينشر المعارف الإسلامية بكل صنوفها من الفقه، والحديث، والتفسير، والحكمة.... إضافة إلى علوم الطب، والكيمياء، والتاريخ، والفلك... وخَرَّجَ أفواجاً من العلماء فقهاء، ومفسرين، وأطباء، وكيميائيين، كدعاة رساليين بعد أنْ صقل شخصياتهم فكرياً، وروحياً، وأخلاقياً، فبعث فيهم روح الدعوة؛ لينشروا الإسلام في كل أصقاع العالم؛ ولذا رفض كل الدعوات التي حاولت إغراءه للمشاركة في الحكم, والانخراط في تيارات سياسية مضطربة (فكان من رأيه عدم التعرض لطلب الأمر، ونهى قومه عن عقد تلك البيعة, وكان ينصحهم في التجافي عن شؤون الدولة في عصره، وقد عرض عليه الخلافة أبو سلمة الخلال وزير آل محمد في بدء الدعوة، قبل وصول الجند إليه، فأبى الإمام قبولها...
كما أنَّه (ع) لم يستجب لما دعاه إليه أبو مسلم الخراساني قائد الثورة في بلاد فارس, وصاحب السلطان في ذلك الدور، فإنَّ أبا مسلم كان يدعو الناس إلى الرضا من آل محمد (ص)، وأعلن غضبه على بني أمية؛ لأنَّهم ظلموا أهل البيت، وأراقوا دماءهم، وأراد إسناد الأمر لآل علي (ع)؛ لأنَّهم أحق بهذه الدعوة من غيرهم، فكتب إلى الإمام الصادق (ع) وهو زعيم أهل البيت (ع) وسيدهم في عصره، وإليه تطلعت الأنظار، واتجهت القلوب، وقال في كتابه للإمام الصادق (ع) : إنِّي قد أظهرت الكلمة، ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت، فإنْ رغبت فلا مزيد عليك.
فأجاب الإمام الصادق (ع) : ما أنت من رجالي، ولا الزمان زماني)(1)
وحاول المنصور العباسي أنْ يوقعه بفخاخه؛ ليغدر به فدعى ابن مهاجر وقال له: (خذ هذا المال، وأتِ المدينة، وأتِ عبد الله بن الحسن بن الحسن وعدة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمد، فقل لهم: إنِّي رجل غريب من أهل خراسان، وبها شيعة من شيعتكم، وجهوا إليكم بهذا المال، وادفع إلى كل واحد منهم على شرط كذا وكذا. فإذا قبضوا المال، فقل: إنِّي رسول، وأحب أنْ يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم, فأخذ المال، وأتى المدينة، فرجع إلى أبي الدوانيق ومحمد بن الأشعث عنده، فقال له أبو الدوانيق: ما وراءك؟ قال: أتيت القوم وهذه خطوطهم بقبضهم المال خلا جعفر بن محمد، فإنِّي أتيته وهو يصلي في مسجد الرسول (ص)، فجلست خلفه، وقلت حتى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه، فعجل وانصرف، ثم التفت إليَّ، فقال: يا هذا، اتقِ الله، ولا تغرَّ أهل بيت محمد، فإنَّهم قريبوا العهد بدولة بني مروان وكلهم محتاج، فقلت: وما ذاك؟ أصلحك الله، قال: فأدنى رأسه مني، وأخبرني بجميع ما جرى بيني وبينك حتى كأنَّه كان ثالثنا، قال: فقال له أبو جعفر: يا ابن مهاجر، اعلم أنَّه ليس من أهل بيت نبوة إلا وفيه محدث وإنَّ جعفر بن محمد محدثنا اليوم)(2)
ورغم علم المنصور بهذا الأمر، ومعرفته بما يمتلك الإمام من قدرة في التأثير على المسلمين راح يتحين الفرص للوقيعة به. إلا أنَّها كلَّها باءت بالفشل، فلم يستطع أنْ يمسك دليلاً واحداً على اشتراك الإمام في المؤامرة عليه، حتى راح يستدعيه من المدينة إلى بغداد، ومن منطقة إلى أخرى حتى ااستدعاه سبعة مرات، وكل مرة يصمم على قتله إلا أنَّه يعود خائباً لدعوات الإمام, وتوكله على الله تعالى، فعن صفوان بن مهران الجمال: (رفع رجل من قريش المدينة من بني مخزوم إلى أبي جعفر المنصور، وذلك بعد قتله لمحمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، أنَّ جعفر بن محمد بعث مولاه المعلى بن خنيس بجباية الأموال من شيعته، وأنَّه كان يمد بها محمد بن عبد الله، فكاد المنصور أنْ يأكل كفه على جعفر غيظاً، وكتب إلى عمه داود، وداود إذ ذاك أمير المدينة أن يُسَيِّر إليه جعفر بن محمد، ولا يرخص له في التلوُّم والمقام، فبعث إليه داود بكتاب المنصور، وقال: اعمل في المسير إلى أمير المؤمنين في غد ولا تتأخر، قال صفوان: وكنت بالمدينة يومئذ، فأنفذ إليَّ جعفر (ع) فصرت إليه فقال لي: تعهد راحلتنا، فإنَّا غادون في غد إن شاء الله إلى العراق، ونهض من وقته، وأنا معه إلى مسجد النبي (ص) وكان ذلك بين الأُولى والعصر، فركع فيه ركعات، ثم رفع يديه، فحفظت يومئذ من دعائه: يا من ليس له ابتداء...
قال صفوان: سألت أبا عبد الله الصادق (ع) بأنْ يعيد الدعاء عليَّ فأعاده وكتبته، فلما أصبح أبو عبد الله (ع) رَحَّلتُ له الناقة، وسار متوجهاً إلى العراق حتى قدم مدينة أبي جعفر، وأقبل حتى استأذن فأذن له.
قال صفوان: فأخبرني بعض من شهد عن أبي جعفر قال: فلما رآه أبو جعفر قربه وأدناه، ثم أسند قصة الرافع على أبي عبد الله (ع) يقول: في قصته: إنَّ معلى بن خنيس مولى جعفر بن محمد يجبي له الأموال, فقال أبو عبد الله (ع): معاذ الله من ذلك يا أمير المؤمنين، قال له: تحلف على برائتك من ذلك؟ قال: نعم أحلف بالله أنه ما كان من ذلك شيء، قال أبو جعفر: لا بل تحلف بالطلاق والعتاق، فقال أبو عبد الله: أما ترضى يميني بالله الذي لا إله إلا هو؟! قال أبو جعفر: فلا تفقّه عليَّ! فقال أبو عبد الله (ع): فأين يذهب بالفقه مني يا أمير المؤمنين!؟ قال له: دع عنك هذا، فإنِّي أجمع الساعة بينك وبين الرجل الذي رفع عنك حتى يواجهك، فأتوا بالرجل, وسألوه بحضرة جعفر, فقال: نعم هذا صحيح، وهذا جعفر بن محمد، والذي قلت فيه كما قلت, فقال أبو عبد الله (ع): تحلف أيها الرجل أنَّ هذا الذي رفعته صحيح؟ قال: نعم.
ثم ابتدأ الرجل باليمين فقال: والله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب، الحي القيوم، فقال له جعفر (ع): لا تعجل في يمينك، فإنِّي أنا أستحلف, قال المنصور: وما أنكرت من هذه اليمين؟ قال: إنَّ الله تعالى حيي كريم يستحيي من عبده إذا أثنى عليه، أنْ يعاجله بالعقوبة، لمدحه له، ولكن قل يا أيها الرجل: أبرأ إلى الله من حوله وقوته، وألجأ إلى حولي وقوتي إنِّي لصادق بر فيما أقول، فقال المنصور للقرشي: احلف بما استحلفك به أبو عبد الله، فحلف الرجل بهذه اليمين، فلم يستتم الكلام، حتى أجذم, وخر ميتاً، فراع أبا جعفر ذلك، وارتعدت فرائصه, فقال: يا أبا عبد الله، سر من غد إلى حرم جدك إنْ اخترت ذلك، وإنْ اخترت المقام عندنا لم نأل في إكرامك وبرك، فوالله لا قبلت عليك قول أحد بعدها أبداً)(3)
وفي عصر الإمام (ع) انتشرت موجات فكرية منحرفة عن المنهج الإسلامي منها: ما كان صريحاً في كفره، ومنها ما كان متلبساً بثوب الدين أوجدتها السياسة الغاشمة والتي خططت لتحريف الإسلام، وضرب مذهب أهل البيت (ع) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فمن تلك المحاولات (دخول الغلاة في صفوف الشيعة حركة سياسية أوجدتها عوامل من جهة، والفتك بالإسلام من جهة أخرى؛ لأنَّ دخول الغلاة في الإسلام كان انتصاراً لمبادئهم، إذ لم يجدوا طريقاً للانتقام من الإسلام إلا باختراع المغالاة في بعض العقائد الإسلامية عندما عجزوا عن مقابلته بالقوة وجهاً لوجه)(4)
وقد وقف الإمام الصادق (ع) من الغلاة موقفاً حاسماً، فراح يلعنهم ويعلن البراءة منهم، فقد قال (ع) لمرازم: (قل للغالية: توبوا إلى الله، فإنَّكم فساق كفار مشركون، وقال (ع) له: إذا قدمت الكوفة فأتِ بشار الشعيري, وقل له: يقول لك جعفر بن محمد: يا كافر يا فاسق أنا بريء منك.
قال مرازم: فلما قدمت الكوفة قلت له: يقول لك جعفر بن محمد(ع): يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا بَرِيء منك، قال بشار: وقد ذكرني سيدي؟ قلت: نعم ذكرك بهذا، قال: جزاك الله خيراً .
ولما دخل بشار الشعيري على أبي عبد الله الصادق (ع) قال له: أخرج عني لعنك الله، والله لا يظلني وإياك سقف أبداً، فلما خرج قال (ع) : ويله ما صغر الله أحداً تصغير هذا الفاجر، إنَّه شيطان ابن شيطان خرج؛ ليغوي أصحابي وشيعتي فاحذروه، وليبلغ الشاهد الغائب إنِّي عبد الله, وابن أمته ضمتني الأصلاب والأرحام، وإنِّي لميت, ومبعوث, ثم مسؤول...
وقال أبو عبد الله الصادق (ع) يوماً لأصحابه: لعن الله المغيرة بن سعيد، لعن الله يهودية كان يختلف إليها يتعلم منها الشعر [السحر] والشعبذة والمخاريق، إنَّ المغيرة كَذَّب على أبي، وإنَّ قوماً كذبوا عليَّ، ما لهم! أذاقهم الله حر الحديد)(5)
وذُكر عنده أصحاب أبي الخطاب والغلاة فقال: (لا تقاعدوهم، ولا تواكلوهم، ولا تشاربوهم، ولا تشاربوهم، ولا تصافحوهم، ولا تؤاثروهم)(6)
وفي عصره ظهرت المذاهب الإسلامية المتبناة من قبل السلطة الحاكمة آنذاك, والتي أريد لها أنْ تحل محل أهل البيت (ع)؛ لإيقاف تياره لا سيما مذهب أبي حنيفة, وتبنيه لمدرسة الرأي والقياس, ونصرة السلطات له لمواجهة تيار الإمام الصادق (ع) رغم أنَّ أبا حنيفة (150 هـ) تتلمذ على يد الإمام الصادق (ع) وقال: (لولا السنتان لهلك النعمان)(7)، وتتلمذ مالك (179 هـ) على يد أبي حنيفة, وعلى مالك تتلمذ الشافعي (204 هـ)، وعلى الشافعي تتلمذ أحمد بن حنبل (241 هـ) وبذلك يكون الإمام الصادق (ع) إمام الفقهاء وأستاذهم كما ذهب إلى ذلك كثير من الكتاب والمفكرين(8).
ورغم ذلك كله أرادت السلطات الحاكمة أنْ تضع هؤلاء التلاميذ في عرض مواجهة منهج الإمام الصادق (ع) كما سيتضح ذلك في هذا البحث إنْ شاء الله.
كما انتشرت مذاهب عديدة كان أهمها: الزندقة والإلحاد بشكل صريح وفي جانب آخر المذاهب المتلبسة بثوب الإسلام كالمعتزلة والمجسمة، والقدرية، والمجبرة، والخوارج، وكانت المذاهب الإلحادية تحاول أنْ تطعن الإسلام بالصميم بإثارة الشبهات، وكان يتزعم هذا التيار أبو شاكر الديصاني وابن أبي العوجاء، ولهم قصص عجيبة مع الإمام الصادق (ع) ومع أصحابه.

ماذا عمل الإمام (ع) إزاء هذا الواقع المر؟
لمواجهة تلك التيارات المنحرفة والمختلفة اتبع الإمام أساليب متعددة نذكر منها :
1- واجه تيار الإلحاد والزندقة بالمناظرة لقادة هذه التيارات بنفسه، وتصدى للرد عليهم في ملأ من الناس، وفضحهم على رؤوس الملأ وأفحمهم بأسلوب علمي رصين، وأدلة منطقية دامغة. ومن ذلك مناظراته مع أبي شاكر الديصاني وعبد الكريم ابن أبي العوجاء، وابن المقفع من دعاة الكفر والإلحاد.
عن علي بن منصور قال: (قال لي هشام بن الحكم: كان بمصر زنديق تبلغه عن أبي عبد الله (ع) أشياء فخرج إلى المدينة؛ ليناظره فلم يصادفه بها، وقيل له: إنَّه خارج بمكة فخرج إلى مكة، ونحن مع أبي عبد الله، فصادفنا ، ونحن مع أبي عبد الله (ع) في الطواف، وكان اسمه عبد الملك، وكنيته أبو عبد الله، فضرب كتفه كتف أبي عبد الله (ع) فقال له أبو عبد الله (ع): ما اسمك؟ فقال: اسمي عبد الملك، قال: فما كنيتك؟ قال: كنيتي أبو عبد الله، فقال له أبو عبد الله (ع): فمن هذا الملك الذي أنت عبده؟ أمن ملوك الأرض أم من ملوك السماء؟ وأخبرني عن ابنك عبد إله السماء أم عبد إله الأرض؟ قل: ما شئت تخصم، قال هشام بن الحكم: فقلت للزنديق: أما ترد عليه؟ قال: فقبح قولي، فقال أبو عبد الله: إذا فرغت من الطواف فأتنا فلما فرغ أبو عبد الله أتاه الزنديق فقعد بين يدي أبي عبد الله (ع)، ونحن مجتمعون عنده، فقال أبو عبد الله (ع) للزنديق: أتعلم أن للأرض تحتاً وفوقاً؟ قال: نعم، قال: فدخلت تحتها؟ قال: لا، قال: فما يدريك ما تحتها؟ قال: لا أدري إلا أني أظن أن ليس تحتها شيء، فقال أبو عبد الله(ع): فالظن عجز لما لا تستيقن؟ ثم قال أبو عبد الله (ع): أفصعدت السماء؟ قال: لا ، قال: أفتدري ما فيها؟ قال: لا، قال: عجباً لك لم تبلغ المشرق، ولم تبلغ المغرب، ولم تنزل الأرض، ولم تصعد السماء، ولم تجز هناك فتعرف ما خلفهن، وأنت جاحد بما فيهن! وهل يجحد العاقل ما لا يعرف؟! قال الزنديق: ما كلمني بهذا أحد غيرك، فقال أبو عبد الله (ع): فأنت من ذلك في شك فلعله هو، ولعله ليس هو؟ فقال الزنديق: ولعل ذلك، فقال أبو عبد الله (ع): أيها الرجل! ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم، ولا حجة للجاهل يا أخا أهل مصر! تفهم عني فإنا لا نشك في الله أبداً أما ترى الشمس، والقمر، والليل، والنهار يَلِجان فلا يشتبهان ويرجعان، قد اضطرا ليس لهما مكان إلا مكانهما، فإن كانا يقدران على أن يذهبا فَلِمَ يرجعان؟ وإن كانا غير مضطرين فَلِمَ لا يصير الليل نهاراً والنهار ليلاً؟ اضطرا والله يا أخا أهل مصر إلى دوامهما والذي اضطرهما أحكم منهما وأكبر، فقال الزنديق: صدقت، ثم قال أبو عبد الله (ع): يا أخا أهل مصر إن الذي تذهبون إليه، وتظنون أنه الدهر إن كان الدهر يذهب بهم لِمَ لا يردهم؟ وإن كان يردهم لم لا يذهب بهم؟ القوم مضطرون يا أخا أهل مصر لِمَ السماء مرفوعة، والأرض موضوعة لِمَ لا تسقط السماء على الأرض؟ لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها؟ ولا يتماسكان، ولا يتماسك من عليها؟ قال الزنديق: أمسكهما الله ربهما وسيدهما، قال: فآمن الزنديق على يدي أبي عبد الله (ع)، فقال له حمران: جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يدك فقد آمن الكفار على يدي أبيك، فقال المؤمن الذي آمن على يدي أبي عبد الله (ع): اجعلني من تلامذتك، فقال أبو عبد الله: يا هشام بن الحكم خذه إليك وعلمه، فعلمه هشام فكان معلم أهل الشام وأهل مصر الإيمان، وحسنت طهارته حتى رضي بها أبو عبد الله)(9)
ومن تلك المناظرات مع الديصاني حينما سأل هشام بن الحكم فقال له: (ألك رب؟ فقال: بلى، قال: أقادر هو؟ قال: نعم قادر قاهر، قال: يقدر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تكبر البيضة, ولا تصغر الدنيا؟ قال هشام: النظرة(11)، فقال له: قد أنظرتك حولاً، ثم خرج عنه.
فركب هشام إلى أبي عبد الله (ع) فاستأذن عليه فأذن له فقال له: يا ابن رسول الله أتاني عبد الله الديصاني بمسألة ليس المعول فيها إلا على الله وعليك، فقال له أبو عبد الله (ع): عن ماذا سألك؟ فقال: قال لي: كيت وكيت، فقال أبو عبد الله (ع): يا هشام كم حواسك؟ قال: خمس، قال: أيها أصغر؟ قال: الناظر، قال: وكم قدر الناظر، قال: مثل العدسة، أو أقل منها، فقال له: يا هشام! فانظر أمامك وفوقك وأخبرني بما ترى، فقال: أرى سماء، وأرضاً، ودوراً، وقصوراً، و براري، وجبالاً، وأنهاراً، فقال له أبو عبد الله (ع): إن الذي قدر أن يدخل الذي تراه العدسة, أو أقل منها قادر أن يدخل الدنيا كلها البيضة لا تصغر الدنيا, ولا تكبر البيضة، فأكب هشام عليه، وقَبل يديه ورأسه ورجليه، وقال: حسبي يا ابن رسول الله، وانصرف إلى منزله، وغدا عليه الديصاني، فقال له: يا هشام إني جئتك مسلماً , ولم أجئك متقاضياً للجواب، فقال له هشام: إن كنت جئت متقاضياً فهاك الجواب، فخرج الديصاني عنه حتى أتى باب أبي عبد الله (ع) فاستأذن عليه فأذن له فلما قعد قال له: يا جعفر بن محمد! دلني على معبودي؟ فقال له أبو عبد الله (ع): ما اسمك؟ فخرج عنه، ولم يخبره باسمه فقال له أصحابه: كيف لم تخبره باسمك؟ قال: لو كنت قلت له: عبد الله، كان يقول: من هذا الذي أنت له عبد؟ فقالوا: له عد إليه، وقل له: يدلك على معبودك، ولا يسألك عن اسمك، فرجع إليه، فقال له: يا جعفر بن محمد دلني على معبودي، ولا تسألني عن اسمي؟ فقال له أبو عبد الله (ع): اجلس، وإذا غلام له صغير في كفه بيضة يلعب بها، فقال له أبو عبد الله (ع): ناولني يا غلام البيضة فناوله إياها، فقال له أبو عبد الله (ع): يا ديصاني، هذا حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة، وفضة ذائبة فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها لا يُدرى للذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس أترى لها مدبراً؟ قال: فأطرق ملياً، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأنك إمام وحجة من الله على خلقه، وأنا تائب مما كنت فيه)(11)
وهكذا كان الإمام (ع) يفند شبهات الملحدين، ويزود أصحابه بأقوى الأدلة والبراهين؛ ليدحضوا كل التحديات التي تواجه الرسالة، ومن ذلك ما رواه الكشي عن أبي جعفر الأحول قال: (قال ابن أبي العوجاء مرة: أليس من صنع شيئاً، وأحدثه حتى يعلم أنه من صنعته فهو خالقه؟ قال: بلى، فأجلني شهراً أو شهرين ثم تعال حتى أريك، قال: فحججت فدخلت على أبي عبد الله (ع) فقال: أما انه قد هيأ لك شأنين(12) [شاتين] وهو جاء به معه بعدة من أصحابه ثم يخرج لك الشأنين قد امتلئا دوداً، ويقول لك هذا الدود يحدث من فعلي، فقل له: إنْ كان من صنعك وأنت أحدثته فميز ذكوره من الإناث! فقال: هذه والله ليست من ابزارك هذه التي حملتها الإبل من الحجاز)(13)
وهذه النظرية عادت من جديد في عصرنا الحديث باسم نظرية التوالد الذاتي طرحها اليهود ليردوا على الإسلام ويبطلوا التوحيد إلا أن العلم الحديث أثبت بطلانها بعد أن اكتشف وجود البكتريات في الهواء.
2- عمل على إعداد وتربية شخصيات وكوادر إسلامية متخصصة من طلابه في مختلف الأبواب العلمية، فمنهم من تخصص في الدفاع عن التوحيد بالكلام والأدلة المنطقية، ومنهم من تخصص في الدفاع عن الإمامة التي تبنت المذاهب الإسلامية الأخرى الطعن فيها، ومن هؤلاء: هشام بن الحكم، وأبان بن تغلب، ويونس بن عبد الرحمن، ومؤمن الطاق، وحمران بن أعين وغيرهم...
ويمكن القول أنَّ الإمام الصادق أول من فتح باب التخصص في العلوم، وأعد أصحابه كل على حسب توجهه العلمي بل كان يحاول أنْ يبرزهم أمامه في حضور الناس؛ ليوجه الناس إليهم ليأخذوا منهم ويتعلموا على أيديهم، عن هشام بن سالم قال:
(كنا عند أبي عبد الله (ع) جماعة من أصحابه، فورد رجل من أهل الشام فاستأذن فأذن له، فلما دخل سلم فأمره أبو عبد الله (ع) بالجلوس، ثم قال له: حاجتك أيها الرجل؟ قال: بلغني أنك عالم بكل ما تسأل عنه فصرت إليك لأناظرك.
فقال أبو عبد الله (ع): في ماذا؟ قال: في القرآن وقطعه وإسكانه وخفضه ونصبه ورفعه، فقال أبو عبد الله (ع): يا حمران دونك الرجل، فقال الرجل: إنما أريدك أنت لا حمران، فقال أبو عبد الله (ع): إن غلبت حمران فقد غلبتني.
فأقبل الشامي يسأل حمران حتى غرِض وحمران يجيبه، فقال أبو عبد الله (ع): كيف رأيت يا شامي؟ قال: رأيته حاذقاً ما سألته عن شيء إلا أجابني فيه، فقال أبو عبد الله (ع): يا حمران سل الشامي، فما تركه يكشر.
فقال الشامي: أريد يا أبا عبد الله أناظرك في العربية، فالتفت أبو عبد الله (ع) فقال: يا أبان بن تغلب ناظره، فناظره فما ترك الشامي يكشر.
فقال: أريد أن أناظرك في الفقه فقال أبو عبد الله (ع): يا زرارة ناظره، فناظره فما ترك الشامي يكشر.
قال: أريد أن أناظرك في الكلام، قال: يا مؤمن الطاق ناظره، فناظره فسجل الكلام بينهما ثم تكلم مؤمن الطاق بكلامه فغلبه به.
فقال: أريد أن أناظرك في الاستطاعة، فقال للطيار: كلمه فيها، قال: فكلمه فما تركه يكشر.
ثم قال: أريد أكلمك في التوحيد، فقال لهشام بن سالم: كلمه، فسجل الكلام بينهما ثم خصمه هشام.
فقال: أريد أن أتكلم في الإمامة، فقال لهشام بن الحكم: كلمه يا أبا الحكم، فكلمه فما تركه يريم ولا يحلى ولا يمري(14)، قال: فبقي يضحك أبو عبد الله (ع) حتى بدت نواجذه.
فقال الشامي: كأنك أردت أن تخبرني أن في شيعتك مثل هؤلاء الرجال؟ قال: هو ذاك)
ثم أخذ الإمام (ع) يقيم محاورات أصحابه؛ ليرفع من مكانتهم، ويصحح ما وقعوا فيه من ضعف أو اشتباه، فقال للشامي: (يا أخا أهل الشام أما حمران: فحزقك فحرت له فغلبك بلسانه وسألك عن حرف من الحق فلم تعرفه، وأما أبان بن تغلب: فمغث حقاً بباطل فغلبك، وأما زرارة: فقاسك فغلب قياسه قياسك، وأما الطيار: فكان كالطير يقع ويقوم، وأنت كالطير المقصوص لا نهوض لك، وأما هشام بن سالم: فأحس أن يقع ويطير، وأما هشام بن الحكم: فتكلم بالحق فما سوغك بريقك.
يا أخا أهل الشام إن الله أخذ ضغثاً من الحق وضغثاً من الباطل فمغثهما ثم أخرجهما إلى الناس، ثم بعث أنبياء يفرقون بينهما ففرقها الأنبياء والأوصياء، وبعث الله الأنبياء ليعرفوا ذلك، وجعل الأنبياء قبل الأوصياء ليعلم الناس من يفضل الله ومن يختص.
ولو كان الحق على حدة والباطل على حدة كل واحد منهما قائم بشأنه ما احتاج الناس إلى نبي ولا وصي، ولكن الله خلطهما وجعل تفريقهما إلى الأنبياء والأئمة (ع) من عباده.
فقال الشامي: قد أفلح من جالسك، فقال أبو عبد الله (ع): إن رسول الله (ص) كان يجالسه جبرائيل وميكائيل وإسرافيل يصعد إلى السماء فيأتيه بالخبر من عند الجبار فإن كان ذلك كذلك فهو كذلك.
فقال الشامي: اجعلني من شيعتك وعلمني! فقال أبو عبد الله (ع): يا هشام علمه فإني أحب أن يكون تلماذاً لك.
قال علي بن منصور وأبو مالك الحضرمي: رأينا الشامي عند هشام بعد موت أبي عبد الله (ع)، ويأتي الشامي بهدايا أهل الشام وهشام يزوده هدايا أهل العراق. قال علي بن منصور: وكان الشامي ذكي القلب)(15)
أرأيت كيف يُبرز الإمام أصحابه على عيون الملأ، ويعطي تقييماً بكل منهم، ويوجه الأمة إليهم، وأكثر من ذلك كانوا يأمرون الأمة أنْ تأخذ دينها عنهم، فعن الفضل بن شاذان قال: (حدثني عبد العزيز بن المهتدي، وكان خير قمي رأيته، وكان وكيل الرضا (ع) وخاصته، قال: سألت الرضا (ع) فقلت: إني لا ألقاك في كل وقت فعن من آخذ معالم ديني؟ قال: خذ من يونس بن عبد الرحمن)(16)
وفي قصة هشام بن الحكم مع عمر بن عبيد في البصرة وأمر الإمام له أنْ يتحدث بها في حضوره، وبعد أنْ عرض هشام المحاورة كاملة قال (ع): (يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى)(17)
3- وهكذا استطاع الإمام أنْ يوجد تياراً فكرياً سليماً موحداً في وسط الأمة من خلال المدارس العلمية التي أسسها الإمام (ع) في مسجد النبي (ص) حيث أخذت الوفود العلمية تفد إليها من مختلف المناطق الإسلامية من الكوفة والبصرة وواسط والحجاز ومن كل مكان تواجد المسلمون فيه... وكان الإمام (ع) يعتني بتربية هؤلاء التلاميذ وبعد أنْ يصبحوا قادرين على بث الدعوة وترويجها بين الناس يبعث بهم إلى مختلف أقطار الأمة الإسلامية؛ ليفتحوا فروعاً لتلك المدرسة الإلهية في مناطقهم، وتوسعت هذه المدرسة حتى ضمت أكثر من أربعة آلاف طالب من المدينة تخرج منها الفقهاء وأساطين العلم، ومن هذه المدرسة العظيمة انتشرت علوم آل محمد ودونت العلوم حتى بلغ عدد المؤلفات الإسلامية أربعمائة كتاب لأربعمائة مؤلف، ولم تقتصر محاضرات الإمام بباب واحد من أبواب العلم بل ضمنت مختلف العلوم الإسلامية كالفقه، والأخلاق، والأدب، والفلسفة، والكيمياء... مع دراسة مختلف المشاكل الاقتصادية والفكرية والاجتماعية والنفسية.
وخلاصة الكلام أنَّ الإمام الصادق (ع) استهدف في ذلك عدة أمور:
1- تثبيت أركان العقيدة الإسلامية وتركيز أسسها على النهج الذي نزلت فيه على رسول الله (ص) وحفظها من الانحراف والتحريف.
2- تصحيح المفاهيم التي أدخلت على الأمة الإسلامية من مختلف الجهات، وبيان الأحاديث الصحيحة، وتزييف الموضوعات على رسول الله (ص) بل وضع الأسس الأساسية لمعرفة الحديث الصحيح من الموضوع... عن عمر بن حنظلة، قال: (سألت أبا عبد الله (ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى أن قال: فإن كان كل واحد اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلف فيهما حكماً وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ [حديثنا] فقال الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر قال: فقلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل [ليس يتفاضل] واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فان المجمع عليه لا ريب فيه - إلى أن قال: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة...)(18)
وعن السكوني، عن أبي عبد الله (ع) قال: (قال رسول الله (ص): إن على كل حق حقيقة، وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه)(19)
وعن أيوب بن راشد، عن أبي عبد الله (ع) قال: (ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف)(20)
وعن أيوب بن الحر قال: (سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: كل شيء مردود إلى الكتاب والسنة، وكل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف)(21) وعن أبي عبد الله (ع) قال: (خطب النبي (ص) بمنى، فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله)(22)
3- ركز قيادته الفكرية للمجتمع الإسلامي وفند القيادات التي تعيش على الدين وتهاجر فيه، بعد أن حقق (ع) تلك الأهداف الأساسية، من تركيز دعائم الرسالة وحفظها من التحريف، وقيادة الأمة إلى طريق النجاة، وكل ذلك قد تم بأسلوب مخطط مدروس، بشكل خفي عن عيون أعداء الله، حتى كان من شدة الخفاء والتكتم أن تصور بعض الذين ينظرون إلى القادة من خلال ظواهرهم العامة لا إلى جواهرهم العقيدية أنَّ الأئمة المتأخرين قد اعتزلوا العمل السياسي وانشغلوا بالعمل الفكري، والعبادة فقط...
لقد كانت إمامة الصادق (ع) في مرحلة فاصلة بين مرحلتين سياسيتين المرحلة الأموية حيث عاصر في هذه الفترة خمسة من طغاة بني أمية وهم هشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد بن عبد الملك، ويزيد بن الوليد بن عبد الملك، وإبراهيم بن الوليد ومروان الحمار، كما عاصر من بني العباس السفاح وعشر سنوات من ملك المنصور.
كانت هذه الفترة نقطة تحول حيث ضعفت الدولة الأموية، وبدأت الدعوة باسم الرضا من آل محمد وفق الأسلوب الميكافيلي بالانتشار.
في هذه الفترة أدرك الإمام الصادق (ع) الانحلال الفكري والأخلاقي والسياسي الذي تمر به الأمة، حيث بدأ الانحدار نحو الخط الجاهلي، ولذا رأى الإمام (ع) أنَّ المسألة لم تكن مسألة صراع سياسي، مع تزعزع أركان العقيدة، وتصاعد عوامل الهدم والانحراف، لذلك أخذ يعمل على تثبيت أركان العقيدة أولاً كما مر بنا سابقاً، لينصرف بعد ذلك إلى التحرك السياسي ولعل هذا هوالسبب الذي أوهم البعض بأنَّ الأئمة المتأخرين قد اعتزلوا السياسية والعمل السياسي.
وأما تحركه السياسي فكان على نحوين:
1- التحرك السري من خلال قواعده الرسالية المنتشرة في الأقطار الإسلامية المختلفة، وسبب سلوك الإمام لهذا الأسلوب هو أن تلك القواعد لم تكن كافية للنهوض بالمرحلة السياسية، ولم تكن قادرة على حمل أعباء المسؤولية ولذا أمر أصحابه بالتزام التقية والتكتم على أعمالهم بدقة حفاظاً عليهم من بطش الطغاة فيقول لهم: (أن تكونوا لنا دعاة صامتين)(23) ويوصي المعلى بن خنيس: (يا معلى اكتم أمرنا ولا تذعه)(24)
وعن عبد الله بن جندب، قال: قال الصادق (ع): (رحم الله قوماً كانوا سراجاً ومناراً، كانوا دعاة إلينا بأعمالهم ومجهود طاقاتهم، ليس كمن يذيع أسرارنا)(25)
ويقول (ع): (إن المذيع ليس كقاتلنا بسيفه، بل هو أعظم وزراً، بل هو أعظم وزراً، بل هو أعظم وزراً)(26)
ويلوم (ع) أصحابه على عدم الانضباط والكتمان فيقول: (فلا تعجلوا ، فوالله لقد قرب هذا الأمر ثلاث مرات فأذعتموه فأخره الله ، والله ما لكم سر إلا وعدوكم أعلم به منكم)(27)
ويجعل الإمام كتمان السر من سمات الإيمان فيقول (ع): (لا يكون العبد مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث سنن: سنة من الله، وسنة من رسوله، وسنة من الإمام، فأما السنة من الله عز وجل، فهو أن يكون كتوماً للأسرار.يقول الله جل ذكره: ((عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً)) (الجـن:26))(28)
أقول: ما هذه الأسرار التي يأمر الإمام بالتكتم عليها بهذه الدرجة الشديدة هل هي الأحكام الشرعية والمعارف الإسلامية قطعاً لا فإنه كان يطرحها على رؤوس الأشهاد ومن على أعواد المنابر، أم هل هي علوم خاصة بشيعته أهل البيت (ع)؟
بلا ريب ولا شك ليس الأمر كذلك فليس في دين الله شيء يخفى وكيف يخفيه والله تعالى يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ)) (البقرة:159)
((إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (البقرة:174)
إذن الأمر الذي كان الإمام يحث أصحابه على التكتم عليه والتحفظ من إظهاره هو التحرك السياسي المنظم بين ثلة من ثقات أصحابه، إذن من الخطأ الشنيع أن تقول أن الأئمة (ع) قد اعتزلوا العمل السياسي واكتفى بالعمل الفكري المحض...
ومن هذا القبيل كان الإمام (ع) يحاول أن يحافظ على بعض أصحابه الذين تسلط عليهم الأضواء، ويخشى عليهم من غدر الظالمين مثال ذلك ما صدر منه بشأن زرارة (رضي الله عنه) الذي كان أفقه أصحاب الإمام الباقر والصادق (ع) بل أفقه العصابة التي أجمعت الصحابة على تصحيح ما يصح عنها، فعن عبد الله بن زرارة، قال: (قال لي أبو عبد الله (ع): اقرأ على والدك السلام، وقل له: إنما أعيبك دفاعاً مني عنك، فان الناس والعدو يسارعون إلى كل من قر بناه وحمدنا مكانه، لإدخال الأذى فيمن نحبه ونقربه، فيذمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله، ويحمدون كل من عبناه نحن وأن يحمد أمره، فإنما أعيبك لأنك رجل اشتهرت بنا وبميلك إلينا، وأنت في ذلك مذموم عند الناس، غير محمود الأثر، لمودتك لنا، وبميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين بعيبك ونقصك، ويكون بذلك منا دفع شرهم عنك، يقول الله عز وجل: ((أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً)) (الكهف:79) هذا التنزيل من عند الله، لا ولله ما عابها إلا لكي تسلم من الملك ولا تعطب على يديه، ولقد كانت صالحة لليس للعيب فيها مساغ، والحمد لله فافهم المثل يرحمك الله، فإنك والله أحب الناس إليَّ، أحب أصحاب أبي إليَّ حياً وميتاً، فإنك أفضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر، وإن من ورائك ملكاً ظلوما غصوباً يرغب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدي ليأخذها غصباً، فيغصبها وأهلها فرحمة الله عليك حياً، ورحمته ورضوانه عليك ميتاً)(29)
فإذن الإمام الصادق (ع) لم يعتزل العمل السياسي وإنما أطره بإطار الكتمان ليضمن استمرارية الدعوة وحفظ حملة الرسالة إلى أن تحين الظروف الموضوعية الملائمة، لتسلم زمام السلطة، فالظروف الموضوعية في وقته لا تسمح بالتحرك السياسي العلني، ومن أجل ذلك سلك الخط السري في العمل وبذلك يمكن أن نفسر رفض الإمام (ع) للعروض العسكرية عليه للثورة والقيام والتحرك العلني، بل رفض ذلك حتى التحدث بشأن الخلافة مع الناس مثال ذلك رفضه للاستجابة لأبي سلمة الخلال حينما أرسل ثلاثة كتب.
ومن المشاكل العويصة التي أحاطت بالناس هي المشكلة الاقتصادية حيث كثف الولاة الأمويون الضرائب على أبناء المجتمع الإسلامي حتى كانوا يقصرون جهد العامل، ويسلبون أمواله، حيث فرضت الضرائب الإضافية كالرسوم على الصناعات والحرف وعلى من يتزوج أو يكتب عرضاً وارجعوا الضرائب الساسانية التي تسمى بهدايا النوروز، وأول من أمر بها معاوية، وأمر أهل السواد التي أن يهدوا له في النوروز والمهرجان ففعلوا ذلك، وبلغ ثلاثة عشر ألف ألف درهم.
(فلما تولى عبد الملك بن مروان استقل ذلك، فبعث إلى عامله هناك فأحصى الجماجم وجعل الناس كلهم عمالاً بأيديهم، وحسب ما يكسب العامل سنته كلها، وطرح من ذلك نفقته في طعامه وأدمه وكسوته، وطرح أيام الأعياد في السنة كلها، فوجد الذي يحصل بعد ذلك أربعة دنانير لكل واحد، فألزمهم دفعها وجعل الناس طبقة واحدة)(30)
وقدم أسامة بن زيد على سليمان بن عبد الملك بما اجتمع عنده من الخراج - وكان والياً على مصر - وقال له: (يا أمير المؤمنين، إني ما جئتك حتى أنهكت الرعية، وجهدت فإن رأيت أن ترفق بها، وتخفف من خراجها ما تقوى به على عمارة بلادها، وصلاح معايشها فافعل فإنه يستدرك ذلك في العام المقبل. فأنكر عليه الطاغية المستبد هذا العطف على المصريين، وإجابه بما يضمر في نفسه من الحقد الأسود على المجتمع قائلاً له: هبلتك أمك، احلب الدر فإذا انقطع فاحلب الدم والنجا)(31)
ومن الضرائب العجيبة التي فرضها ملوك بني أمية أجور الضرابين، وهدية النوروز، وضريبة الزواج، وضريبة على من أسلم. وقد أرهقت هذه الضرائب الأمة الإسلامية في مختلف أنحاء الدولة إلى أن ألغاها عمر بن عبد العزيز وقد كتب إلى ولاته: (أما بعد: فإن أهل الكوفة قد أصابهم بلاء وشدة وجور في أحكام الله وسنة خبيثة سنها عليهم عمال السوء، وإن قوام الدين والعدل والإحسان فلا يكون شيء أهم إليك من نفسك فلا تحملها قليلاً من الإثم، ولا تحمل خراباً على عامر، وخذ منه ما أطاق وأصلحه حتى يعمر، ولا يؤخذن من العامر إلا وظيفة الخراج في رفق وتسكين لأهل الأرض، ولا تأخذن أجور الضرابين، ولا هدية النوروز، ولا ثمن المصحف، ولا أجور الفتوح، ولا أجور البيوت، ولا درهم النكاح، ولا خراج على من أسلم من أهل الأرض فاتبع في ذلك أمري فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني الله، ولا تتعجل دوني بقطع ولا صلب حتى تراجعني فيه، من أراد من الذرية أن يحج فعجل له مائة، ليحج بها والسلام)(32)
بهذه الظروف القاسية والأجواء السياسية المضطربة والطافحة بالظلم السياسي والفساد الفكري والإداري والاجتماعي والضيق السياسي للأمة جاء دور الإمام الصادق (ع) فكيف واجه ذلك واستطاع أن يُثبت قواعد الرسالة ويُثبت أحقيتها وينقذها من يد التحريف علماً أن ملوك عصره كانوا يحكمون باسم الإسلام والخلافة الإسلامية وهم المتسلطون على السلطة التنفيذية والتشريعية.

الإمام الصادق (ع) في أنظار العلماء:
1- يقول أنس بن مالك: (جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصلٍّ، وإما صائم، وإما يقرأ القرآن، وما رأت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً، وعبادة، وورعاً)(33)
2- ويقول أبو حنيفة: (ما رأيت أفقه من جعفر بن محمد، لما أقدمه المنصور بعث إليَّ، فقال: يا أبا حنيفة إن الناس قد افتتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من المسائل الشداد، فهيأت له أربعين مسألة، ثم بعث إليَّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته فدخلت عليه، وجعفر بن محمد جالس عن يمينه، فلما أبصرت به دخلتني من الهيبة لجعفر بن محمد الصادق ما لم يدخلني لأبي جعفر، فسلمت عليه وأومأ إليَّ فجلست، ثم التفت إليه، فقال: يا أبا عبد الله هو أبو حنيفة.
قال جعفر: نعم، ثم أتبعها: قد أتانا - كأنه كره ما يقول فيه قوم: إنه إذا رأى الرجل عرفه - ثم التفت المنصور إليَّ فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا، وأهل المدينة يقولون كذا، ونحن نقول كذا، فربما تابعهم، وربما خالفنا جميعاً حتى أتيت على الأربعين مسألة، ثم قال أبو حنيفة: ألسنا قد روينا: أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس)(34)
3- ويقول ابن أبي العوجاء: (ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهراً، ويتروح إذا شاء باطناً فهو هذا)(35)
4- ويقول ابن حجر الهيثمي: (ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك والسفيانيين، وأبي حنيفة، وشعبة وأيوب السختياني)(36)

الهوامش:
(1) أسد حيدر، الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: 1/47-48.
(2) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/475 .
(3) المحدث المجلسي، بحار الأنوار: 47/200-201.
(4) أسد حيدر، الإمام الصادق (ع) والمذاهب الأربعة: 1/234.
(5) أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1/234-235.
(6) الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 2/586.
(7) الآلوسي، التحفة الإثني عشرية: 8 .
(8) راجع: الإمام الصادق (ع) كما عرفه علماء الغرب: 13.
(9) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/72-74.
(10) النظرة: المهلة.
(11) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/79-80.
(12) بتسكين الهمزة المعجمة المفتوحة والنون على تثنية الشأن والشأن ملتقى قبائل الرأس والعروق التي منها يجري الدمع إلى العين قاله في مجمل اللغة هنا جمجمتي الرأس.
(13) الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 2/430-432
(14) معنى الكلام: كلمه أبو الحكم هشام بن الحكم، فأفحمه وتركه بحيث لا يرضى أن يدع المناظرة ويريم ويبرح عنها، ولا يستطيع أن يتكلم بحلو ولا بمر أصلاً، فظل مخصوماً، مغلوباً متحيراً مبهوتاً، فهنالك حصحص الحق فليعلم.
(15) الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 2/554-560.
(16) الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 2/779.
(17) راجع تفصيل المحاورة في: الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال: 2/549-551.
(18) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 18/75-76.
(19) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 18/78.
(20) المصدر نفسه.
(21) المصدر نفسه: 79.
(22) المصدر نفسه.
(23) الميرزا النوري، مستدرك الوسائل: 1/116.
(24) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 2/223-224.
(25) الميرزا النوري، مستدرك الوسائل: 12/291.
(26) المصدر نفسه: 290.
(27) المحمدي الري شهري، ميزان الحكمة: 3/2669.
(28) الميرزا النوري، مستدرك الوسائل: 12/277.
(29) الحر العاملي، وسائل الشيعة: 20/196-197.
(30) علي أكبر الكلانتري، الجزية وأحكامها: 132.
(31) الشيخ باقر شريف القرشي، النظام السياسي في الإسلام: 89.
(32) ابن الأثير، الكامل في التأريخ: 5/61.
(33) الشيخ الطوسي، الخلاف: 1/33.
(34) الشيخ محمد علي الأنصاري، الموسوعة الفقهية الميسرة: 1/34.
(35) ثقة الإسلام الكليني، الأصول من الكافي: 1/75.
(36) المحقق الكركي، جامع المقاصد: 1/ تكملة مقدمة التحقيق ص9.
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com