موقع الصراط ... الموضوع : جوانب نفسية في حديث الإمام الصادق (ع)
 
الأربعاء - 4 / ربيع الثاني / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  جوانب نفسية في حديث الإمام الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 24 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم السيد عدنان البكاء
عدنان البكاء الإيحاء الذاتي:
كانت تسود ذهنية الشعوب قديماً اعتقادات في التشاؤم من أشياء معينة، وفي التفاؤل بأشياء خاصة، ولربما اختلفت مواضيع الشؤم والفأل بين شعب وآخر، وقد تتفق أو قد يكون ما يساوق الشر في شعب يتفاءل به للخير في آخر، وكانت هذه الاعتقادات تتحكم بهم وتؤثر على سير أعمالهم.
وفي التأريخ أمثلة وفيرة ووقائع كثيرة حول هذه الأضاليل البشرية، وأشعار نظمت بهذا الخصوص، وأساطير حبكت وصيغت بهذا المعنى، ولا تزال بقية باقية منها تعيش في ذهنية الشعوب اليوم في كل بقاع العالم متمدينة وغير متمدينة(1)، ورغم أن مفكري وعلماء القرون السابقة كانوا يدركون أن هذه المعتقدات غير مبررة من ناحية علمية غير أنهم لم يستطيعوا أن يجدوا تفسيراً مقبولاً للنتائج المؤكدة التي تحدث وفقاً لما يعتقده (المتطير) فيها وظلت هذه الحقيقة غامضة مبهمة حتى جاء هذا القرن، وظهر علم النفس، وتقدمت بحوثه، وكثرت اكتشافاته فاهتدى إلى عمق الأثر الذي تتركه الانفعالات النفسية التي تحدث من الإيحاء في (اللاشعور) فالإيحاء ذو أهمية جداً بالغة، حتى ليكاد يكون الأصل فيما يصيب الإنسان نفسياً بل عضوياً، وهو كما يكون طريقاً للشقاء يكون طريقاً للسعادة أيضاً، وذلك طبقاً للفكرة التي يوحيها الإنسان لنفسه، ويغلغلها في أعماقه حتى تحدث فيه انفعالاً عاطفياً عنيفاً يؤثر على وظائفه العضوية، وعلى اتجاهه في الحياة.
وقد يبدو لكثير من الناس أن هذه الأفكار الإيحائية التي تتزاحم في أذهانهم أحياناً سلبية كانت أم إيجابية ليس لها إلا أثر وقتي تافه يزول مجرد زوالها، (ولكن الأمر أعمق من ذلك.. فالفكرة إذا ما نفذت إلى عقلك قد تغوص أحياناً إلى أعماق بعيدة فتؤثر في عقلك الباطن ولا تلبث أن تتدخل في انفعالاتك العاطفية، وإذ ذاك تتولد تلك الكلمات والحركات التي يخيل للمرء أن إرادته لا تملك تحكماً فيها، فالقلق، وخشية الفشل لا تلبث أن تبعث في المرء تشاؤماً مستمراً فيقتنع بأنه لا يستطيع النجاح في شيء، وإنه دون سواه مقدرة، وما ذلك إلا لأن أفكار الضعف والتوجس تمكنت من نفسه، ولا يقتصر فعل الأفكار على هذه الحالات النفسية، بل إنه يمتد إلى الصحة البدنية، فإن الحزن والهم قد يسببان أمراضاً تؤدي إلى أوخم العواقب، في حين أن التفاؤل يساعد على مغالبة الأمراض)(2).
ومن هنا كان أثر (الطيرة) هو أثر الفكرة التي أوحتها من ناحية سلبية أو إيجابية، وخفة أثرها وشدته تكون رهينة قوة هذا الإيحاء ومدى الانفعال العاطفي الذي أثاره ومدى تركزه في (اللاشعور)، وقد ينعدم أثر (الطيرة) تماماً إذا لم توحِ شيئاً، وهذا ما سبق أن قاله الإمام الصادق (ع) عنه: (الطيرة على ما تجعلها إن هونتها تهونت، وإن شددتها تشددت، وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن)(3).
وقد حاول أهل البيت (ع) أن يخففوا الانفعال النفسي الذي تحدثه الفكرة التي توحيها (الطيرة) ويقضوا على استمرارية الخوف من نتائجها بإيحاء آخر مقابل لها، فقد روي عنهم لمن رأى مناماً موحشاً أو تشأم وتطير الدعاء الآتي: (اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك).
وإن شاء فليقل: (اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد من نفسي فاعصمني من ذلك)، والتفت هنا إلى كلمة (ما أجد من نفسي) فهي تأكيد آخر على أن أثر الطيرة إنما هو أثر نفسي إيحائي، وليس من شك أن التجاء العبد لربه القوي القادر يوحي إليه الأمن والاطمئنان، ويحد من عنف تأثره النفسي، أو يعدمه ومن ثم يعدم الأثر الواقعي للطيرة.

عقدة الاتضاع:
(إننا جميعاً مصابون بعقدة الاتضاع إلى درجة ما.. فماذا نعلم مثلاً عن غوامض الحياة، كلنا مولود للموت وليس لنا قدرة على تلافي ذلك، وهذا وحده يجعل الإنسان يائساً ووضيعاً)(4)، ولكن قد تكون ثمة عوامل أخرى خاصة تزيد من الشعور بالضعة عند البعض كعاهة جسدية أو عوز في الثقافة أو بسبب الجنس، أو الفقر، وعند ذاك يقوم الفرد بمحاولات تعويضية تتفاوت بين الأشخاص تفاوتاً بيّناً، فقد يحصل بعضهم من شعوره بالنقص على محفز عنيف يدفعه إلى التفوق في مجال ما لا ثبات ذاته، فيصبح فيلسوفاً أو شاعراً أو مخترعاً، ومن هؤلاء أبو العلاء المعري، وطه حسين، وأدسن، وقد يكون تعويضه سلبياً، فينزوي أو ينتحر أو قد يندفع للتعويض، ولكن من طريق آخر كأن يصبح مجرماً أو سيء الخلق فيلجأ إلى التكبر والتيه؛ ولهذا يشير الإمام الصادق (ع): (ما من أحد يتيه إلا لذلة يجدها في نفسه)، (ما من أحد تكبر أو تجبر إلا لذلة وجدها نفسه)(5)، ألست ترى معي واضحاً أن هذين الحديثين صريحان في بيان (عقدة الاتضاع) وبيان أسلوبين من أساليب التعويض التي يسلكها المصابون بها لإثبات ذواتهم.

النفس العليا أو الضمير:
يقسم علماء التحليل المحدثين النفس البشرية إلى ثلاث طبقات:
1- النفس الواقعية: وهي التي تتعامل مع الواقع، وتقوم بتنظيم العلاقات معه، ويشير إليها القرآن الكريم بقوله: ((إن كل نفس لما عليها حافظ))، والحافظ هنا هو الرقيب.
2- النفس العليا أو الرقيب: وهو خزان الضوابط الاجتماعية والقيم والتعاليم التي يتلقاها الإنسان من بيته، ومجتمعه، ويسميها القرآن بـ (النفس اللوامة).
3- الذات السفلي: وهي مجموعة الغرائز الحيوانية ويشير القرآن الكريم إليها بقوله: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء)(6).
والفرد الذي يندفع مع الذات السفلى فيرتكب ما لا يقره (الضمير) كمن يرتكب جريمة من الجرائم أو يخرج على بعض القيم أو يكون سيء الخلق يؤذي الناس بسوء قوله وفعله، قد يتعرض أخيراً لتبكيت عنيف من ضميره ربما أدى به إلى أوخم العواقب ولا أقل من أنه يبقى نهباً لتأنيب ولذع من ناحية ضميره، وإلى ذلك يشير حديث للإمام الصادق (ع): (لو علم سيء الخلق أنه يعذب نفسه لتسمح في خلفه).

الهوامش:
1- لا يزال يوجد في مجتمعنا من يتشاءم من العطاس إذا صادف خروجه لسفر، كما لا يزال يوجد من يتشاءم من نعيب الغراب، وفي أوروبا لا يزالون يتشاءمون من العدد (13) بحيث يتركون نطقه وكتابته ولا يزالون أيضاً يحذرون المرور تحت السلم الخشبي.
2- الإيحاء الذاتي للباحث النفسي ر. دي سانت لوران.
3- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر: ج 4 .
4- تفسير السلوك، الدكتور فرانك س ، كابريو، ترجمة الدكتور أحمد حسن الرحيم.
5- الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر: ج4 .
6- بتصرف عن سيكلوجية الضمير، محمد كامل النحاس.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان 20-21
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com