موقع الصراط ... الموضوع : أضواء من مدرسة الإمام الصادق (ع)
 
الأربعاء - 17 / جمادي الأول / 1440 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  أضواء من مدرسة الإمام الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 24 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم الشيخ باقر شريف القرشي
باقر القرشي إن مدرسة الإمام الصادق (ع) كانت امتداداً لرسالة الإسلام الخالدة وهمزة وصل بين عصر النبوة الزاهر والعصور الآتية، فقد أخذت تبث أضواء من روح النبي العظيم (ص)، وترسلها بموجاتها الطويلة على جميع الأجيال فتنير لها الطريق، وتفسح المجال للركب المتخلف ليواصل سيره إلى مركب النور، ويبلغ ذروة الزحف في سيرته وانطلاقه.
إن مدرسة الإمام الصادق (ع) كانت من الأحداث الخطيرة التي غيرت مجرى التأريخ في العالم، وعملت على تطوير الحياة وتلوينها، وأطلقت العقل من عقال الجهل، ونورته بأنواع العلوم والثقافة، فهي لم تكن بأي حال من الأحوال مدرسة خاصة يلقى فيها لون خاص من المعارف والمعارف، وإنما كانت تبني عقولاً وتنشئ أجيالاً، وتؤسس صروحاً من الثقافة ودنيا من التوجيه، وتضع دستوراً شاملاً لإصلاح الحياة وتطويرها وتقديمها في جميع الميادين.
إنها امتداد لرسالة الإسلام – والإسلام باقٍ مدى العصور والأجيال – تسير معه جنباً إلى جنب، وتنشر روحه وجوهره، وتحميه وتصونه، وتنافح عنه، وترد عنه الكيد والعدوان، وأجدر بها أن تكون كذلك فقد وضع حجرها الأساسي وأنشأها غصن يانع من دوحة النبوة وإمام من أئمة العقيدة الإسلامية، ألا وهو الإمام الصادق (ع) مفخرة الدنيا وحديث الأجيال ومفجر النور في دنيا الإسلام.
ونقدم الى القراء عرضاً موجزاً لبعض شؤون تلك المدرسة التي عملت على نمو الحركة الفكرية حتى استحق ذلك العصر الذي أنشئت فيه أن يعطى وسام العصر الذهبي في الإسلام، وإلى القراء ذلك:
1- سبب إنشائها:
أطل الامام الصادق سبط النبي العظيم وحفيد الإمام أمير المؤمنين أطل على العالم الاسلامي وهو يموج بالاضطراب والفتن والنزعات الخاصة التي لا يلمس فيها أي أثر محمود، فقد تحلل المجتمع وتفككت الروابط فيه إلى أبعد الحدود.
ويعود السبب في ذلك إلى أن نار الحرب قد اشتعلت في جميع حواضره ونواحيه؛ وذلك لانهيار الامبراطورية الاموية التي حاربت الإسلام والمسلمين وتركت ضروباً من الفساد والتحلل في جميع أنحاء البلاد، وقد قامت على القضاء على تلك الدولة طائفة من المصلحين كان هدفهم إعادة الحياة الإسلامية إلى مجراها الطبيعي، وكانت هتافات الثوار هو الرضا من آل محمد (ع).
نعم كان المترقب لرئاسة الدولة هو الرضا من آل محمد (ص)، لينشر العدل ويبسط الخير، ويقضي على الفساد والظلم الاجتماعي، ولكن الثورة اغتصبها العباسيون من آل محمد (ص)، وأخذوا زمام الحكم من أهله، فرأى الإمام الصادق أن لا وسيلة له لاستردادها فأعرض وطوى عنها كشحاً، وأقبل على تأسيس مدرسته، وقد اغتنم الإمام تلك الفرصة التي تطلب فيها الكل رضاءه وتركه المسؤولون ينشر أهدافه وتوجيهاته لانشغالهم بتركيز أسس دولتهم وكيانهم.
لقد وجد الامام (ع) في تلك الفترة المجال واسعاً لأداء رسالته والقيام بواجبه من نشر الثقافة الإسلامية، وإفهام المجتمع نظم الإسلام الصحيحة، وإيقافه على أسرار فلسفة الشريعة وآدابها ومعارفها.

2- مركزها:
واختار الإمام يثرب دار الهجرة ومهبط الوحي فجعل فيها معهده الكبير ومدرسته العظمى، وبفضل جهوده الجبارة كانت يثرب حاضرة من حواضر العلم ومعملاً مهماً في إشعاع الفكر الإنساني وتنميته بضروب الثقافة العالية، أما محل التدريس وإلقاء المحاضرات فكان هو الجامع النبوي ففيه كانت تزدحم حملة الحديث ورواد العلم لاستماع دروس الإمام وتسجيل أبحاثه وربما كان في بعض الأحيان يلقي محاضراته في بهو بيته، وقد ازدهرت يثرب بهذه الحوزة العلمية واستعادت نشاطها في توجيه الركب الاسلامي نحو الخير والسعادة.

3- عدد طلابها:
ولما فتح الإمام مدرسته لجميع المسلمين التحق بها جمع غفير من رواد العلوم على اختلاف نزعاتهم وميولهم، فكان عددهم من أضخم ما ضمته المدارس العلمية في ذلك العهد، فقد ذكر رواة الأثر أنهم كانوا أربعة آلاف شخص(1)، وفيهم من كبار العلماء والمحدثين الذين أصبحوا أئمة ورؤساء لبعض المذاهب الإسلامية، وقد أخذوا من علوم الإمام ما سارت به الركبان، وانتشر ذكره في جميع البلدان(2).

4- البعثات العلمية:
وأسرع الى الانتماء لمدرسة الإمام جميع عشاق الفضيلة والعلم من شتى الأقطار الإسلامية؛ وذلك لتهذيبهم بمعارف الدين وعلومه، مضافاً لذلك فإن الانتماء لمدرسة الإمام شرف لا يعادله شرف، وفخر لا يضارعه فخر، ويحدثنا الأستاذ عبد العزيز سيد الأهل عن مدى ذلك النشاط في الالتحاق بمدرسة الإمام بقوله:
وأرسلت الكوفة والبصرة وواسط والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها من كل قبيلة من بني أسد ومن غني ومخارق وطي وسليم وغطفان وغفار والأزد وخزاعة وخثعم وبني ضبة، ومن قريش، ولا سيما بني الحارث بن عبد المطلب وبني الحسن بن علي.
ورحل إليه جمهور من الأحرار، وأبناء الموالي من أعيان الأمة من العرب وفارس، ولا سيما مدينة قم(3).
وهكذا اشتركت الأكثرية من البلاد الإسلامية في إرسال البعثات العلمية إلى مدرسة الإمام لينتهلوا من نميرها العذب الفياض، ويأخذوا معالم الدين من منبع الإسلام ووارث علومه الواقف على حقائقه وأصول تشريعاته، وبذلك حقق المجتمع الإسلامي نصراً رائعاً في تأييد الحركة العلمية، والمساهمة في بناء كيانها.

5- تدوين العلوم:
وأقبل اصحاب الإمام (ع) على تدوين العلوم التي تلقوها وأخذوها من الإمام، فألفوا في جميع الفنون والمعارف، فقد ألف أبان بن تغلب (معاني القرآن) وكتاب (القرآن)(4)، وألف المفضل بن عمر كتاب (التوحيد)، وفيه بحث رائع عن خلق الإنسان وتكوينه وما في أعضائه من الأسرار والعجائب، وألف جابر بن حيان كتاباً في علم الكيمياء يقع في ألف ورقة تضمنت رسائل الإمام التي بلغت خمسمائة رسالة في هذا الفن(5)، وكانت هذه الرسائل مصدراً خصباً لعلم الكيمياء، واستفاد منها العلماء فائدة كبرى في تطوير الصناعة وازدهار الحياة.
وهكذا ألف جمع كثير من تلاميذه في مختلف الفنون كزرارة، وأبي بصير، ومحمد بن مسلم، واسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم من الأعلام حتى بلغ عدد المؤلفات أربعمائة كتاب لأربعمائة مؤلف، وقد دوّن المحقق الشهير حجة الإسلام الشيخ آغا بزرك الطهراني أكثر من مئتي مؤلف في علم الحديث فقط لأصحاب الإمام(6).

6- علومها وآدابها:
وتناولت محاضرات الإمام ودروسه جميع الفنون العلمية من العقلية والنقلية، ومذاهب الكلام، وتفسير القرآن الكريم، والطب، والكيمياء، وعلم النبات، وغيرها من العلوم التي لها الأثر التام في التقدم الاجتماعي، ومن أبرز العلوم التي تناولها الإمام بالبسط والتحليل الفقه الاسلامي بجميع أبوابه من العبادات والمعاملات.
ولم يقتصر الإمام في أبحاثه على الناحية العلمية، فقد توسع في محاضراته إلى بيان أصول الآداب والقيم الاجتماعية من مكارم الاخلاق، والإصلاح الشامل في جميع المجالات، وقد ذكرت طرفاً منها كتب الأخلاق والحديث.

7- طابعها الخاص:
ومدرسة الإمام لها طابع خاص انفردت به عن بقية المدارس والمؤسسات العلمية؛ فقد كان طابعها هو الاستقلال الروحي، وعدم خضوعها للدولة، فلم يكن لولاة الأمور بأي حال من الأحوال مجال للتدخل فيها أو التعاون معها فهي منفصلة عن الهيئة الحاكمة لأن الامتزاج بها معناه تدخل السلطة في شؤون الدين، وهذا ما عليه جامعة النجف الاشرف فإنها منذ تأسيسها لم ترتبط بالدولة ولعلمائها الأعلام الحرية في القول، وشجب الاعتداء على كرامة الإسلام، ولولا انفصالها عن الحكومة لما تمكنت النجف أن تقول كلمتها الحاسمة في أحرج الظروف وأدقها، وعلى هذا المنهاج المشرف تسير الهيئة العلمية في (قم) فهي لم ترتبط مع السلطة الحاكمة بأي رابطة، وبذلك قد حصلت على استقلالها الروحي، وعلى خدمة الإسلام في جميع المجالات.

8- فروعها:
وفتحت في كثير من الأقاليم الإسلامية فروع لمدرسة الصادق أقامها كل من تخرج من مدرسة الإمام (ع)، ورجع إلى بلاده، وأعظم الفروع التي أسست هو المعهد الديني الكبير الذي أقيم في (جامع الكوفة) فقد التحق به من كبار تلاميذ الإمام تسعمائة عالماً كما حدثنا بذلك الحسن بن علي فقد قال : (أدركت في هذا المنزل المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد)(7).
وبذلك اتسعت الحركة العلمية اتساعاً هائلاً حتى شملت جميع المناطق الإسلامية، وقد أعلن هذه الجهة البحاثة الهندي الشهير السيد مير علي الهندي بقوله:
(ولا مشاحة أن انتشار العلم في ذلك الحين قد ساعد على فك الفكر من عقاله، فأصبحت المناقشات الفلسفية عامة في كل حاضرة من حواضر العالم الاسلامي، ولا يفوتنا أن نشير إلى أن الذي تزعم تلك الحركة هو حفيد علي بن أبي طالب المسمى بالإمام (جعفر)، والملقب بـ(الصادق)، وهو رجل رحب أفق التفكير بعيد أغوار العقل، ملم كل الإلمام بعلوم عصره، ويعتبر في الواقع أول من أسس المدارس الفلسفية المشهورة في الإسلام، ولم يكن يحضر حلقته العلمية أولئك الذين أصبحوا مؤسسي المذاهب فحسب، بل كان يحضرها طلاب الفسلفة والمتفلسفون من الأنحاء القاصية...)(8).
إن مدرسة الإمام (ع) مع بقية المؤسسات التابعة لها والخاضعة لنظامها قد أفادت في دنيا الإسلام صروحاً من الفضيلة والثقافة، وإن العالم الإسلامي مدين لتلك المؤسسة بما أسدته إليه من العلوم على اختلاف أنواعها.

9- اعتزاز وافتخار:
لقد اعتز تلاميذ الإمام بالحضور في مدرسته، وافتخروا بذلك كثيراً، فقد أهلتهم تلك الدراسة إلى المراكز العليا في الإسلام، فهذا الإمام أبو حنيفة قد أعلن فخره واعتزازه بذلك بقوله المشهور (لولا السنتان لهلك النعمان)(9)، لقد فخر أبو حنيفة بالسنتين اللتين حضرهما عند الإمام وجعلهما من أفضل أدوار حياته العلمية التي سببت شهرته.
وتحدث مالك بن أنس مفتخراً بأستاذه فقال: (ولقد كانت أرى جعفر بن محمد، وكان كثير التبسم فإذا ذكر النبي (ص) اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله (ص) إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زماناً، فما كنت أراه إلا على ثلاثة خصال: إما مصلياً، وإما صامتاً، وإما يقرأ القرآن، ولا يتكلم بما لا يعنيه، وكان من العلماء، والعباد الذين يخشون الله)(10).
وحق للإمام أبي حنيفة ولمالك وأمثالهما أن يعتزوا بالإمام (ع) ويفخروا بالدراسة عنده؛ فإنه المنبع الأصيل لعلوم الإسلام، ولولا جهوده وجهود آبائه وأبنائه لما قامت دعامة للعلم ولا شيد معهد للفضيلة، فلهم المنة الكبرى على كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، ولهم الفضل على كل إنسان يعتز بالإنسانية لما قاموا به من بناء صروح العلم، ونشر الثقافة، وتنوير الأفكار وتقديم المجتمع.
وبهذا ننهي المطاف في عرضنا الموجز لمدرسة الإمام وما قدمته من الخدمات الجليلة للعالم الإسلامي، راجين من العلي القدير أن يجمع كلمة المسلمين، وأن يوفقهم لإحياء تراثهم القيم، إنه تعالى ولي القصد والتوفيق.

الهوامش:
1- الإرشاد، أعلام الورى، المعتبر، الذكرى.
2- الصواعق المحرقة: ص 120 .
3- جعفر بن محمد: ص 59 .
4- فهرست ابن النديم: ص 308 .
5- مرآة الجنان: 10/304 ، والأعلام: 1/286 .
6- الذريعة: 6/301-374 .
7- المجالس السنية: 5/28 .
8- تأريخ العرب: ص 179 .
9- التحفة الاثني عشرية: ص 8 و 24 .
10- التوسل والوسيلة: ص 52 .

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان (20-21)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com