موقع الصراط ... الموضوع : القياس في نظر الإمام الصادق (ع)
 
الجمعة - 7 / ذي القعدة / 1439 هـ
 
     
 
 
الصفحة الرئيسية فهرس الموضوعات حول الموقع إتصل بنا
 
 
     
    الصفحة الرئيسية  أرسل الموضوع إلى صديق  مشاركة الموضوع في الفيسبوك  طباعة  
  القياس في نظر الإمام الصادق (ع)  
   
  كتب بتاريخ : الثلاثاء - 24 / شوال / 1436 هـ
     
  بقلم السيد محمد جمال الهاشمي
عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن عبد الله القرشي، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله الصادق (ع)، فقال له الإمام (ع): يا أبا حنيفة، بلغني أنك تقيس؟
قال أبو حنيفة: نعم.
قال له الإمام: لا تقس.. أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس ما بين النار والطين... ولو قاس نورية آدم (ع) بنورية النار لعرف فضل ما بين النورين، وصفاء أحدهما من الآخر(1).
إن هذا الحديث يصرخ بمنع الإمام الصادق (ع) أبا حنيفة عن استعمال القياس، إنه لا يكتفي بالحكم الخالص، بل يحاول (ع) أن يلمس أبا حنيفة حكمة المنع، فيعرض عليه قصة إبليس ومعارضته للأمر الإلهي بقياسه، وذلك حينما أمر الله ملائكته بالسجود لآدم (ع)، فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، وحينما يسائله الله عن سبب مخالفته حكمه المطاع، يجيبه إبليس: بأنه أشرف من آدم رتبة، لشرافة عنصره على عنصر آدم (ع)، إن عنصره النار، وعنصر آدم الطين، والنار تنتسب إلى مركزها الذي يقع في الأجواء العالية من الفضاء، والطين ينتسب إلى مركزه الذي هو الأرض، فهو من الطبقات العالية، وآدم من الطبقة النازلة، والأعلى أشرف من الأنزل، فكان إبليس أول من هتف بالعنصرية وترفع بها عن الخضوع لمن كان في نظره أحط مادة وعنصراً منه، وهنا يصدم الإمام دليل إبليس بعد ما يجاريه في سيره الفكري، فيقول له: إن شرف مادة النار إنما ينبثق من نورانيتها، فالنورانية التي تهدي المضلين وترشد الحائرين إلى الصراط القويم هي التي ترفع شأن النار على شأن التراب، وهذه النورانية ذات مراتب، فإذا وازنت بين النورانية الضعيفة والنورانية القوية فإنه لا شك فيه أن النورانية القوية ستكون أرفع وأشرف من النورانية الضعيفة، وهنا يوازن الإمام بين نورية آدم ونورية النار، يوازنهما في الهداية والإرشاد، إن نورية النار لا تكشف إلا عن مسافة محدودة المساحة، أما نورانية آدم فإنها تخرق الظلمات بأشعة تغمر العوالم والأكوان، فما بين النوريتين في الهداية والتأثير بون شاسع جداً، وبها يرتفع آدم إلى مقام من العظمة يسجد لها إبليس ومركز عنصره، إن إبليس لو التفت إلى هذه الحقيقة لتقزمت شرافته ولانطوى على نفسه خجلاً وذلة؛ لأنه يرى نفسه القزم الضئيل يطاول عملاقاً لا تحد آماده المقاييس، وهكذا نشاهد الإمام (ع) يلمس أبا حنيفة فساد القياس وبطلانه بصورة ناطقة، صارخاً في وعيه بأنكم في قياساتكم إنما تلتفون إلى جهة واحدة فقط غافلين عن الجهات التي تبعد عن أنظاركم القاصرة، ولو استوعبتم الموضوع من جميع جوانبه لانهارت مقاييسكم كلها كما ينهار قياس إبليس لو التفت إلى مادة مجده وكرامته.
وقبل أن ندرس الموضوع ونناقشه علمياً يلزمنا تحديد القياس لنتعارف معه قبل مناقشته.
إن القياس كما ينقل الآمدي في كتابه (الأحكام) عن القاضي أبي بكر، هو (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما...)، ومعنى العبارة أن نتصور موضوعين أحدهما معلوم الحكم والآخر مجهوله، ثم نتصور جامعاً ما بين الموضوعين، ثم نحمل حكم المعلوم على الآخر المجهول؛ لأنهما يشتركان في الأمر الجامع بينهما... وقد ارتضى الآمدي هذا التعريف وبنى عليه دراساته في القياس، كما وقد اختاره الغزالي في كتابه (المستصفى) وبنى عليه آراءه القياسية، ولقد جدد أسلوب هذا الحد بعرض يتلاءم مع ذوق الباحث العصري العلامة عبد الوهاب الخلاف في مؤلفه الرائع (مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه)، فقال: إن القياس في اصطلاح الأصوليين هو تسوية واقعة لم يرد نص بحكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة الحكم، وبين العبارتين تفاوت علمي لا مجال لنا لعرضه، ونكتفي بهذا المقدار في موضوع تحديد القياس.
أما الدليل على حجيته؛ فأمران: الأول الاجماع، الثاني اندراجه في موضوع الأدلة الشرعية المفيدة للظن، أما الأول؛ فإنه منقوض بمعارضة طائفة جليلة من أعلام السلف الذين حكموا ببطلان القياس وفساده.
قال أبو بكر وهو منذعر من الفتوى بالرأي والقياس: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي(2).
وقال عمر يحذر أصحابه وتلاميذه من الاستناد على الرأي والقياس: إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا(3).
وقال عمر أيضاً: إن قوماً يفتون بآرائهم، ولو نزل القرآن لنزل بخلاف ما يفتون(4).
وقال عثمان: لو كان الدين بالرأي لكان المسح على باطن الخف أولى من ظاهره(5).
وقال أمير المؤمنين علي (ع): من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فلينتقل في الجد برأيه(6).
وقال ابن مسعود: قراؤكم وصلحاؤكم يذهبون، ويتخذ الناس رؤساء جهالاً، يقيسون ما لم يكن بما كان(7).
وقال ابن مسعود أيضاً: إن حكمتم في دينكم بالرأي أحللتم كثيراً مما حرمه الله، وحرمتم كثيراً مما أحله الله(8).
وقال ابن عباس: إن الله لم يجعل لأحد أن يحكم في دينه برأيه، وقد قال الله لنبيه (ص): لتحكم بين الناس بما أرادك الله، ولم يقل بما رأيت (9).
وقال عبد الله بن عمر: السنة ما سنه رسول الله (ص)، لا تجعلوا الرأي سنة للمسلمين(10).
وقال الشعبي من التابعين لتلميذه: ما أخبروك عن أصحاب أحمد (ص) فاقبله، وما أخبروك عن رأيهم فالقه في الخش، إن السنة لم توضع بالمقاييس(11).
وقال مسروق بن الأجدع: لا أقيس شيئاً بشيء أخاف أن تزل قدم بعد ثبوتها(12).
وقال ابن سيرين: أول من قاس إبليس(13).
هذه نبذة مهمة من أقوال علماء المسلمين وعلماء الدين وأئمة الحكم في الشريعة تهاجم القياس بصورة واضحة فاضحة، وهي كافية لأن تهدهم إجماعهم الموهوم، وهناك أقوال كثيرة لمشاهير العلماء تهاجم القياس وأشياعه، ولكننا نعرض عن استعراضها مكتفين بما ذكرناه.
ولقد حاول الغزالي في مستصفاه أن يدافع عن إجماعه الذي أقامه على حجية القياس، فراح تارة يعارض هذه الأحاديث بأحاديث أخرى من أعلام الصحابة، وفيهم من استقرينا رأيه في القياس وفساده، يعارضها بأحاديث تؤيد وتشيد بحجيته، كما راح تارة أخرى يجاهد في الجمع ما بين الأحاديث المؤيدة للقياس والأحاديث المفندة له، وذلك بحمل الأحاديث الناقدة المفندة على ما خالف النص، وعلى الآراء الفجة الضحلة الصادرة عن الجهل والقصور، ويكون معنى محاولته هو أن القياس إذا لم يعارض النص القرآني أو السنة المفيدة للقطع وكان صدوره عن علامة بالفن والفقه كان حجة مقبولة، أما إذا عارض النص الصريح الصحيح أو صدر عن جاهل قاصر فإنه لا يكون حجة ولا دليلاً يستند عليه في الحكم.
ولنا على كلامه نقود ونقود نعرض عنها لخروجها عن مستوى صفحات المجلات، مكتفين بتصحيح رأي هؤلاء الأعلام الذين حكموا تارة بحجية القياس، وأخرى بعدم حجيته.. وذلك بأن نحمل تأييدهم للقياس في موارد ورد النص من الشارع بعلة الحكم الذي صدر منه، كما إذ قال الشارع الخمر حرام؛ لأنه مسكر؛ فالحرمة في الحقيقة إنما اتجهت إلى المسكر أينما كان، وقد انطبق على الخمر لأنه من مصاديقه، فإذا صادف مصداقاً آخر ينطبق عليه أيضاً، فالحاكم بحرمة البيرة مثلاً لم يحكم بدليل القياس حيث يحمل حرمة الخمر على البيرة لأمر جامع استنبطه من الطرفين، بل إنما حكم عليه لكون كل من الخمر والبيرة مصداق من مصاديق المسكر الذي نص الشارع بحرمته في قوله: الخمر ناحية واحدة من نواحيه المتكثرة.
وأما الدليل الثاني على حجيته فهو اندراجه في قائمة الأدلة المفيدة للظن؛ فإنه تنسفه النصوص الصريحة والأدلة الصحيحة الواردة بخروج القياس من الأدلة الشرعية المفيدة للظن.
إن الظن حجة في الجملة للأدلة العقلية والنقلية المذكورة في الكتب الأصولية، والأدلة الظنية التي نقول بحجيتها طائفتان.
طائفة ورد النص الصحيح بحجيتها، كحجية ظواهر الكتاب، وحجية الخبر الواحد، وغيرها من الأدلة الظنية التي تستند حجيتها على أدلة علمية.
وطائفة أخرى تستند حجيتها على الحكم العقلي وهي سائر الأدلة المفيدة للظن، والتي يثبت حجيتها على أدلة علمية.
وطائفة أخرى تستند حجيتها على الحكم العقلي، وهي سائر الأدلة المفيدة للظن، والتي يثبت حجيتها دليل الانسداد كما هو مقرر في علم الأصول، ونتيجة دليل الانسداد سواء كانت كاشفة عن الحكم الشرعي، أو كانت واضعة بنفسها للحكم، إن نتيجة دليل الانسداد طريقية كانت أو موضوعية نتيجة عامة تشمل كل دليل مفيد للظن، ولا شك بأن القياس مما يدخل في ما تنطبق عليه تلك النتيجة؛ لأنه من الأدلة التي تفيد الظن، وإنما تطرد القياس عن حلقة الأدلة الظنية التي تنطبق عليها نتيجة دليل الانسداد النصوص الصرحية الصحيحة الواردة عن أئمة الحكم في الإسلام، كالخبر الذي ورد عن الإمام الصادق (ع)، والذي صدرنا به بحثنا، وكالأخبار الصحيحة الواردة عن مصادر التشريع في الإسلام، والتي تصرخ: بأن السنة إذا قيست محق الدين، وأن ليس شيء أبعد من عقول الرجال من دين الله، إن هذه التصريحات وما ذكرناه من أئمة الفقه وأعلام الحكم الإسلامي ويضاف إليها الإجماع القائم على عدم حجية القياس هي التي تطرده من حلقة الأدلة الظنية المعتبرة، والتي ينطبق عليها دليل الانسداد، ولا شك بأن خروجه منها ناشئ من زيادة أخطائه على إصاباته، والدليل إذا زادت أخطاؤه على إصاباته سقط عن الدليلية.
إن الإمام الصادق (ع) كان أول من لفت نظر العلم والعلماء إلى هذه الحقيقة العلمية، وإن لم يكن أول من نهى عن الاستناد عليه، فللإمام (ع) فضل التنبيه على حكمة فساده وخروجه عن أدلة الأحكام.

الهوامش:
(1) الكافي.
(2و 3و 4 و 5) المستصفى.
(6) عدة الأصول.
(7 و 8 و9) المستصفى.
(10) عدة الأصول.
(11 و 12) المستصفى.
(13) عدة الأصول.

المصدر: مجلة الأضواء، السنة الأولى، العددان (20-21)
 
     
     
جميع الحقوق محفوظة لموقع الصراط © al-Serat.com