تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي الخصيصة الرابعة من خصائص الكلمة الطيبة، وهي اللين أو المرونة، بعد أن تحدّث الشيخ في حلقات سابقة عن الحسن والجمال، والسداد القائم على البرهان، والبلاغة. ويبدأ بتوضيح مهم، وهو أن المرونة في المفهوم القرآني والإسلامي تختلف جذريًا عن المرونة المتداولة في عالم السياسة والمفاوضات.
فالمرونة السياسية، كما يصفها، كثيرًا ما تتحول إلى مداهنة ومخادعة ومراوغة وتلاعب بالألفاظ، غايتها السيطرة على الآخر لا إقناعه، وإخفاء الحقيقة لا بيانها. ولذلك تعد هذه المرونة نوعًا من الاحتيال الهادئ الذي يلبس ثوب المجاملة، ويمارس الصراع بالكلام الناعم، لكنه يحمل في داخله أهدافًا دنيئة. ويرى الشيخ أن هذا اللون من المرونة يرفضه الإسلام، لأنه يقوم على النفاق والمكر والغدر، لا على الصدق والإصلاح.
في المقابل، يبيّن أن المرونة في الإسلام تعني عرض الحقيقة بأسلوب هادئ مهذب لا يثير عناد السامع، ولا يجرح عواطفه، بل يفتح قلبه لقبول الحق. فهي كلمات رقيقة صادقة، تحفظ كرامة المخاطَب، وتوقظ ضميره، وتستثير فطرته الطيبة، من دون كذب أو خداع أو مساومة. فالغاية منها ليست التغلب على الآخر، وإنما هدايته وتفهيمه وتغييره بالتي هي أحسن.
ويستشهد الشيخ بالنموذج القرآني في خطاب موسى وهارون لفرعون، إذ أمرهما الله تعالى أن يقولا له قولًا لينًا، مع أنه كان طاغية مدعيًا للربوبية. وهذا يدل على أن اللين ليس ضعفًا، بل منهج رسالي في الدعوة والإصلاح. فإذا كان القول اللين مطلوبًا مع فرعون، فهو أولى مع عامة الناس، ومع الأقربين، وذوي الحاجات، والوالدين، والمجتمع كله.
ثم يربط الشيخ المرونة بمفهوم المداراة، مبينًا أنها من صميم الأخلاق الإسلامية، وليست مداهنة. فالمداراة تعني ملاينة الناس، واحتمالهم، وحسن صحبتهم، ورفق التعامل معهم، بقصد إصلاح النفس والآخرين تقربًا إلى الله. أما المداهنة فهي التنازل أو المجاملة طلبًا للمصالح الشخصية، أو الجاه، أو السيطرة، أو إرضاء الشهوات.
ويؤكد أن الروايات الشريفة أعطت المداراة منزلة عالية، حتى ورد أن مداراة الناس نصف العقل، وأن الله أمر نبيه بمداراة الخلق كما أمره بإقامة الفرائض. ومن هنا فإن كثيرًا من مشكلات العلاقات الاجتماعية، بل حتى الأسرية، تنشأ من فقدان المداراة واللين بين الناس.
وفي الأحاديث، تظهر المرونة بمعنى الرفق، وهو أن يكون الإنسان لطيفًا في تعامله، بعيدًا عن العنف والخشونة. فالرفق يزيّن الكلام والسلوك، بينما نزعه يشينهما. ومن هنا تأتي الكلمة المضيئة: «من لانت كلمته وجبت محبته»، لأنها تختصر أثر اللين في القلوب.
ويخلص الشيخ إلى أن المرونة الإسلامية هي وسيلة إصلاح وتربية وتغيير، تقوم على التدرج، وحفظ الكرامة، واحتمال الأذى، ومخاطبة الناس بالتي هي أحسن، مع صفاء النية من الرياء والمصلحة الشخصية.


