تنطلق محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في النجف الأشرف بتاريخ 26 ربيع الأول 1448هـ الموافق 9 ايلول 2026م من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، لتؤكد أن الحذر واليقظة من متطلبات الحياة في عالم متغير ومتطور ومتصارع، تتشابك فيه المصالح السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، وتستخدم فيه الدول والجماعات وسائل متعددة لتحقيق أهدافها والتغلب على خصومها.
وتبين المحاضرة أن خدمة الدين والوطن والمجتمع تحتاج إلى حضور واعٍ وبصيرة وانتباه ودقة في الملاحظة؛ لأن الغفلة قد تعرض الإنسان والمجتمع لمخاطر كبيرة. ومن هنا جاء عنوان «اعرف عدوك»، أي معرفة طريقة تفكير الخصم، وكيف يخطط وينفذ، وما الأساليب التي يستخدمها، وما دوافعه، ونقاط قوته وضعفه. فمعرفة العدو لا تعني معرفة اسمه أو ظاهره، بل فهم بنيته الفكرية وخططه ووسائل عمله.
وتوضح أن مفهوم الحرب تغير كثيراً في العصر الحديث؛ فلم تعد المواجهة مقتصرة على الجيوش والأسلحة، بل أصبحت تشمل الحرب الإعلامية والفكرية والنفسية، وتزوير الحقائق، وإعادة تشكيل المفاهيم، واختراق المؤسسات، والتأثير في الأشخاص والمجتمعات. ولهذا أصبحت القدرة على الرصد والتحليل والفهم أكثر أهمية من مجرد القوة المادية.
وتستشهد المحاضرة بجملة من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام التي تحذر من الغفلة عن العدو، ومنها أن من نام عن عدوه أيقظته المكائد، وأنه لا ينبغي استصغار العدو وإن كان ضعيفاً، ولا الركون إلى مظاهر الود أو الشكر، كما تحذر من تحويل التواني والكسل إلى ما يشبه التوكل. فالتوكل الحقيقي يأتي بعد بذل الوسع والأخذ بالأسباب، كما في المعنى المعروف: «اعقل وتوكل».
وتؤكد المحاضرة أن الحذر لا يعني الخوف أو الشلل، وإنما يعني التخطيط والتدبير والوعي. فالضعيف المتحفظ قد يكون أقرب إلى السلامة من القوي المغتر، والحرب تحتاج إلى حيلة وتدبير وحذر بقدر حاجتها إلى الشجاعة والقوة.
ثم تحدد المحاضرة صوراً من الأعداء الذين ينبغي الوعي بهم؛ أولهم من يعمل على تشويه حقيقة الإسلام وتفريغه من محتواه الرسالي والاجتماعي والسياسي، وتحويله إلى شعائر فردية معزولة عن الحياة. وثانيهم أصحاب المطامع الذين ينهبون أموال الناس وثرواتهم ويتخذون المجتمع وسيلة لتحقيق مصالحهم. وثالثهم المتلبسون بثوب الدين والإيمان وهم في حقيقتهم يوظفون الدين لخداع الناس، إلى جانب الحركات المنحرفة التي تستخدم شعارات دينية للوصول إلى أهداف أخرى.
وفي جانب المواجهة، تطرح المحاضرة جملة من الوسائل، أبرزها نشر الوعي الإيماني والسياسي في المجتمع، وتعليم الناس كيفية التمييز بين الصديق والعدو، وكشف أنماط تفكير القوى المعادية وأساليبها، وبيان طرق نشر الفساد والرذيلة، ومواجهة محاولات بث اليأس والإحباط في المجتمع.
وتختم بالتحذير من الحرب النفسية التي تستهدف عقل الإنسان ومعنوياته ووجدانه، وتستخدم الإعلام والدعاية والإشاعة والصورة والتقنيات الحديثة، ومنها الذكاء الاصطناعي، للتأثير في المواقف والسلوك. ولذلك تصبح اليقظة والوعي والنقد والتحليل أدوات أساسية في حماية الفرد والمجتمع من الخداع والتضليل.

