تنطلق محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في النجف الأشرف بتاريخ 26 ربيع الأول 1448هـ الموافق 9 ايلول 2026م من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً} (النساء: 71)
مما لا شكَّ فيه أن زمننا هذا نعيش في عالم متطور ومتغير ومتصارع طافح بالخطط والأفكار والآراء المتصارعة وعلى أعلى المستويات صراع دولي سياسي.. وصراع فكري عقائدي، وصراع اقتصادي واجتماعي.. وكل طرف من أطراف هذا الصراع يحاول أن يتغلب ويسيطر وبطرق مختلفة مرة باسم الدبلوماسية، وأخرى باسم التحالف؛ والكل يسعى وراء مصالحه؛ فالمصالح هي الحاكمة.. وليس هناك قانون أو مبدأ يحكم هذا الصراع.
وبناء على ذلك نحتاج إلى الحضور الدائم في الساحات الوطنية والدولية بيقظة , وفطنة , وانتباه, وبصيرة وعلم ومعرفة هادفة ودقة رصد للأحداث والاشخاص والمواقع الحساسة في هذا البحر المتلاطم بالأطماع بكل أنواعها فكرية واجتماعية وسياسية, وهذا ما نسمه معرفة العدو الذي اصبح اليوم علم قائم بذاته, وقد قيل:( وأسر العدو معرفته ، فإذا عرفته فقد أسرته ، وإن لم تعرف أنه العدو وأسرك فإنما مثل العبد والعدو والدنيا كمثل الصياد والطير والحبوب ، فالصياد إبليس ، والطير العبد ، والحبوب الدنيا )[1] ,ويقول مفكر صيني(اعرف عدوك واعرف نفسك تستطيع أن تخوض مائة معركة دون ان تتعرض للخطر) وأدنى غفلة توقعنا في مخاطر مدمرة... فالعالم اليوم بمثابة غابة كبرى تصطرع فيها الوحوش يأكل قويُّها ضعفيها؛ ولذلك لا بد من أن نعرف أعداءنا جيداً وبدقة أولاً.. ونعرف كيف يفكرون وكيف يخططون وكيف ينفذون..وما هي المنافذ التي ينفذون منها ثانياً.. وما هي الأساليب التي يتبعونها. يعني معرفة دوافع العدو، ونقاط قوة ونقاط ضعف، وأساليبه في التفكير والعمل.ويجب أن لا نغفل ولو طرفة عين عن ذلك كله؛ فإنَّ الغفلة عن ذلك توقعنا في شباك الأعداء وسيطرتهم. .ومفهوم العدو والعداء يختلف باختلاف الزمان والحضارات( وفي العصر الحديث فقد اتخذ المفهوم دلالات رمزية لا تربطه بالضرورة بممارسة القوة الحربية، إذ رأى جان جاك روسو أن العدو قد لا يكون بالضرورة أفرادًا أو جماعات، بل قد يتشكل في صورة فساد أو قمع او استبداد ،أو تزوير الحقائق ن وتحريف المفاهيم وتشويه العقائد السليمة ،ونشر المفاسد الاخلاقية ،والتحلل الاجتماعي وبناء على ذلك حذرنا أهل البيت (عليهم السلام) من الغفلة والتماهل والتواني عن ما يجري حولنا من مخططات ، واحداث فقد ورد عن أمير المؤمنين×
1- من نام عن دوه أنبهته المكايد.
2- والله إن امرأ يمكن عدوه من نفسه يعرق لحمه، ويهشم عظمه، ويفري جلده لعظيم عجزه
3- لا تأمن عدوك وإن شكر
4- لا تستصغرن عدواً وإن ضعف
5- جماع الغرور في الاستنامة إلى العدو
6- أنكى لعدوك ألا تريه أنك اتخذته عدوا.
7- احذر كل الحذر أن يخدعك الشيطان، فيمثل لك التواني في صورة التوكل، ويورثك الهوينا بالإحالة على القدر؛ فإنَّ الله أمر بالتوكل عند انقطاع الحيل، وبالتسليم للقضاء بعد الإعذار، فقال: (خذوا حذركم) (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقال النبي ’: (اعقل وتوكل).
8- لا تستصغرن أمر عدو حاربته؛ فإنَّك إن ظفرت به لم تحمد، وإن ظفر بك لم تعذر، والضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالضعيف.
9- كن في الحرب بحيلتك أوثق منك بشدتك وبحذرك أفرح منك بنجدتك؛ فإنَّ الحرب حرب المشهور وغنيمة المتحذر.[3]
إذن الواجب علينا أن نعرف الأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر ولا نغفل طرفة عين.
2- من هم هؤلاء الأعداء الذين يجب أن نرصد حركتهم ونحذر من خططهم ونكافح أساليبهم
1- كل من يعارض المنهج الإسلامي، ويحاول أن يشوّه الإسلام بتغيير حقيقته ومفاهيمه والنسبة إليه مما ليس معه.
2- أصحاب المطامع الناهبون، ومكدّسو الذهب والفضة والاستحواذ على مقدرات الأمة والذين قال فيهم تعالى {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا} النساء: 27 أولئك الذين أسكرتهم الشهوات والسلطة والأموال.. ويريدون للناس أن يعيشوا حالة الغفلة.
3- المتلبسون بثوب الدين والإيمان كذباً وزوراً لخداع الناس وإيهامهم واستغلال قدسية الدين لمصالحهم ولا سيما الجهال المتنسكين كما يقول أمير المؤمنين (ع):( ما قصم ظهري إلا رجلان عالم متهتك وجاهل متنسك ، هذا ينفر عن حقه بهتكه وهذا يدعو إلى باطله بنسكه ).[4]
وقوله ×:( ....وآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً ولَيْسَ بِه - فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وأَضَالِيلَ مِنْ ضُلالٍ - ونَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وقَوْلِ زُورٍ - قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِه - وعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِه - يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ ويُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ - يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وفِيهَا وَقَعَ - ويَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وبَيْنَهَا اضْطَجَعَ - فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ والْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ - لا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَه - ولا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْه وذَلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ)[5]
وأخطر من ذلك الحركات الدينية المنحرفة عن الإسلام كالحركات التي نشأت باسم المهدي× وهي كثيرة، نذكر منها: (حركة أنصار المهدي اليماني- حركة الموطؤن- حركة ثورة الحب الإلهي- الحركة المولوية)... والعجيب أن هذه الحركات تمول من جهات مجهولة وبشكل واسع...
أما أساليب مواجهة الأعداء المتربصين:
1- العمل الجاد على نشر الوعي الإيماني الراسخ في نفوس أبناء شعبنا وأقصد الوعي الذي يشد الإنسان إلى الله تعالى بعيداً عن المصالح الذاتية..
2- كشف أنماط تفكير الأعداء من خلال دراسة مخططاتهم في نشر الإشاعات والدعايات وخلق الأزمات الفكرية أو السياسية أو الاقتصادية
3- تعريف أبناء الشعب بأساليب الاستكبار العالمي في مواجهة الإسلام من خلال ما يعرف اليوم بالحرب الناعمة , وهي قلب الحقائق ونشر الضلالات الفكرية أو السياسية.
4- توعية الناس بأخطر الأساليب الاستعمارية وهي بث اليأس في نفوس الناس، وبعث روح القنوط؛ (فقد ..... قوى الاستكبار العالمي المتغطرسة بالشعوب الضعيفة إلى درجة تفقدها الأمل، والشعب حين يفقد الأمل لا يستطيع النهوض والقيام ويستسلم بالتالي لمخططاتهم.
5- رصد وسائل نشر الرذائل الأخلاقية والمفاسد الاجتماعية من خلال وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية؛ ولعل هذا الأسلوب هو الأخطر على الإطلاق، ونحن اليوم نعاني من هذه الوسيلة الخطرة والتي غزت بيوتنا وعوائلنا بشكل فظيع، نسأل الله أن يعيننا عليها، وليس هو من سبيل لمواجهة هذه المواجهات غير التوعية الإسلامية بشكل صحيح وبأسلوب سليم وبعمل منظم.
وأخيراً علينا أن نوعي الناس على أساليب الحرب النفسية التي تستهدف العقل الإنساني لتدمره، والضمير الحي لتقتله، والقلب السليم لتفسده؛ فإنَّ أخطر ما تواجه الشعوب في الأزمات السياسية والحروب هي ما يسمى بالحرب النفسية وهي ( “الاستخدام المخطط للدعاية، وغيرها من الإجراءات النفسية للتأثير في آراء، وعواطف، ومواقف، وسلوك الجماعات المعادية بطريقة تدعم والتي لا تستهدف بدن الإنسان وإنما روحه وقلبه ونفسه.) إن الحرب النفسية هي أكثر خطورة من الحرب العسكرية؛ لأنها تستخدم وسائل متعددة، إذ توجه تأثيرها إلى أعصاب الناس ومعنوياتهم ووجدانهم، وفوق ذلك كله تكون في الغالب مقنعة بحيث لا ينتبه الناس إلى أهدافها، ومن ثم لا يحتاطون لها. تشمل أنواع الحرب النفسية المختلفة التلاعب عبر المنشورات أو البث الإذاعي أو غيره من وسائل الإعلام، والترهيب البصري، وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي المزيفة، واستخدام الدعاية لتشجيع العدو على الاستسلام أو بث الرعب فيه .
[1] - تفسير التستري 211
[3] - شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج20ص253 رقم 543
[4] - عيون الحكم والمواعظ للواسطي الليثي 479
[5] -نهج البلاغة خطبة 87

