تبحث محاضرة الشيخ جميل الربيعي في واحدة من أخطر الآفات النفسية والاجتماعية، وهي انشغال الإنسان بعيوب الناس وتتبع زلاتهم، مع الغفلة عن عيوب نفسه ونقائصها. وتنطلق المحاضرة من قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: “أفضل الناس من شغلته معايبه عن عيوب الناس”، لتؤكد أن الإنسان الحقيقي هو الذي يجعل همه الأول إصلاح ذاته لا مراقبة الآخرين.
وتوضح المحاضرة أن كثيراً من الناس يقضون أوقاتهم في ملاحظة أخطاء الآخرين، وتضخيم سلبياتهم، وتتبع هفواتهم، حتى تصبح هذه الحالة طبعاً ملازماً لهم. وهذه الخصلة لا تقف عند حدود التفكير، بل تؤدي إلى الوقوع في أمراض أخلاقية خطيرة مثل الغيبة، والانتقاص، والتشهير، والحقد الاجتماعي.
وتشير المحاضرة إلى أن الإنسان الذي يغفل عن عيوب نفسه، ويغرق في مراقبة الناس، يقع في نوع من “العمى النفسي”، كما في قول أمير المؤمنين عليه السلام: “من عمي عن ذلته استعظم ذلة الآخرين”. فهو يهوّن من أخطائه، ويستعظم أخطاء الناس، ويجعل نفسه معياراً للحكم عليهم.
كما تبين المحاضرة أن الانشغال بغير النفس يقود الإنسان إلى الحيرة والاضطراب، لأنه يترك المهمة الأساسية التي خُلق من أجلها، وهي تزكية النفس وإصلاحها. ولذلك استشهدت بقوله تعالى: ﴿عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾، لتؤكد أن مسؤولية الإنسان الأولى هي تهذيب ذاته، لا الانشغال الدائم بعيوب الآخرين.
ثم تعرض المحاضرة علاج هذه الآفة، فتؤكد أن الإنسان إذا رأى عيباً في غيره، فعليه أن يتساءل أولاً: هل هذا العيب موجود فيّ أنا أيضاً؟ وهل أنا خالٍ من النقص حتى أعيب غيري؟ ولعل الشخص الذي أعيبه أفضل مني عند الله، أو أن ظروفه وتربيته دفعته إلى ما وقع فيه.
ومن هنا يأتي توجيه أمير المؤمنين عليه السلام: “لينهك عن ذكر معايب الناس ما تعرفه من معايبك”، أي أن معرفة الإنسان بعيوبه يجب أن تكون مانعاً له من الخوض في عيوب الآخرين.
كما تؤكد المحاضرة على ضرورة “ستر عيوب الناس”، لأن الله تعالى ستّار للعيوب، وقد ستر على عباده كثيراً من نقائصهم وذنوبهم. فالإنسان إذا كشف عيوب الناس وفضحهم، فإنه يعرض نفسه لأن يفضحه الله تعالى. ولذلك فإن الستر والرحمة من أهم أخلاق المؤمن.
وتتوسع المحاضرة في بيان البعد الإنساني والأخلاقي في التعامل مع العصاة والمذنبين، فتؤكد أن المؤمن ينبغي أن ينظر إليهم بعين الرحمة والشفقة، لا بعين الاحتقار والتشفي، لأن كثيراً منهم قد وقع في الخطأ بسبب ظروف تربوية أو اجتماعية أو ضعف نفسي.
ولهذا ينقل النص عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله: “ينبغي لأهل العصمة والمصنوع لهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب والمعصية”، أي أن من وفّقه الله للسلامة من الذنب يجب أن يشكر الله على هذه النعمة، لا أن يتكبر على الناس ويزدريهم.
كما تؤكد المحاضرة أن الإنسان الذي يعيب غيره بعيب موجود فيه، يقع في تناقض أخلاقي خطير، ولذلك استنكر أمير المؤمنين هذا السلوك بشدة، وعدّ الجرأة على عيب الناس من أعظم الذنوب.
وتختتم المحاضرة بالتأكيد على أن مجاهدة النفس الحقيقية تبدأ من إصلاح الذات والانشغال بعيوبها، لا من جمع أخطاء الناس ومراقبتهم، لأن تزكية النفس هي طريق الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة.

