تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي عرض شروط مجاهدة النفس كما طرحها الإمام الخميني في كتابه “الأربعون حديثاً”، بعد الحديث في الحلقات السابقة عن التفكير والعزم والمشارطة والمراقبة والمحاسبة. وتركّز هذه الحلقة على شرطين أساسيين هما: التذكّر، والتحامي من الذنوب.
الشرط الأول هو “التذكّر”، والمقصود به أن يعيش الإنسان حالة دائمة من استحضار نعم الله تعالى الظاهرة والباطنة. فالنعم الظاهرة تشمل ما يحيط بالإنسان من هواء وماء وحياة ووجود ورزق، بينما النعم الباطنة تشمل العقل والشعور والإحساس والصحة والإدراك والوعي. وتؤكد المحاضرة أن الإنسان لو تأمل قليلاً في هذه النعم لأدرك أنه عاجز عن إيجادها بنفسه، وأنه لا يستطيع أحد من البشر أن يمنحه إياها، وإنما هي فضل إلهي خالص.
وتلفت المحاضرة إلى أن مجرد فقدان نعمة واحدة، كنعمة الهواء أو الماء، كافٍ ليكشف للإنسان عظمة هذا العطاء الإلهي. ولذلك فإن التذكّر ليس مجرد استحضار ذهني للنعم، بل هو وسيلة تربوية تنزع عن النفس غبار الغفلة والنسيان، وتعيد الإنسان إلى وعيه بحقيقة وجوده وغايته.
ومن خلال هذا التذكّر يدرك الإنسان أن الله لم يمنحه هذه النعم ليستخدمها في المعصية والانحراف، بل ليستعين بها على الطاعة والسير نحو الكمال. ولهذا يصبح التذكّر عاملاً مساعداً على مجاهدة النفس، لأنه يوقظ الضمير، ويمنع النفس من الاسترسال مع الشهوات والغفلة.
أما الشرط الثاني فهو “التحامي من الذنوب”، أي أن يحصّن الإنسان نفسه من الوقوع في المعاصي ومقدماتها. وتوضح المحاضرة أن الذنب لا يقع فجأة غالباً، بل تسبقه مقدمات تقود إليه بالتدريج. ومن هذه المقدمات: مصاحبة الفاسدين، والتفكير المستمر بالحرام، والكلام غير المنضبط، والانفعال والغضب غير المتزن.
وتشير المحاضرة إلى أن الإسلام لم ينهَ عن الذنب فقط، بل نهى عن الاقتراب من أسبابه، كما في قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنا﴾، و﴿ولا تقربوا الفواحش﴾، و﴿ولا تقربوا مال اليتيم﴾. فالتعبير بـ”لا تقربوا” يدل على ضرورة تجنب المقدمات التي قد تجر الإنسان إلى الحرام، لأن النفس قد تضعف، والشيطان قد يغري الإنسان خطوة بعد خطوة.
كما تستشهد المحاضرة بالحديث النبوي: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات»، لتؤكد أهمية اجتناب الشبهات، لأن من يقترب من المناطق المشتبهة قد يقع في الحرام من حيث يشعر أو لا يشعر. ويُشبَّه ذلك بالراعي الذي يرعى قرب حدود المزرعة، فيوشك أن يدخلها.
وتتوقف المحاضرة عند قضية “تبرير الذنب”، بوصفها من أخطر حيل النفس. فالإنسان قد يحاول إعطاء المعصية غطاءً فكرياً أو دينياً حتى يخفف من تأنيب ضميره، كما في المثال الذي ذُكر عن شخص يبرر النظر المحرم بأنه “تفكر في خلق الله”. ومن هنا تؤكد المحاضرة ضرورة معرفة حيل النفس وأساليب خداعها.
وتخلص المحاضرة إلى أن الإنسان لا يستطيع النجاح في مجاهدة نفسه إلا إذا جمع بين اليقظة والفطنة، ومعرفة دهاليز النفس، واكتساب مناعة فكرية وأخلاقية تحميه من الشهوات والانزلاق التدريجي نحو الحرام.

