تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها يوم الجمعة 12/ذو الحجة/ 1447هـ الموافق 29/آيار/2026م: آيات من سورة آل عمران نزلت في أجواء معركة أحد، حين تعرض المسلمون لهزة نفسية وعسكرية شديدة، بعد أن أشيع أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قُتل. وقد أدت هذه الإشاعة إلى تراجع كثير من المسلمين وانهزام بعضهم، بينما ثبت آخرون وثبتوا على خط الرسالة.
وتستحضر المحاضرة موقف أنس بن النضر، الذي مرّ بجماعة من المسلمين وقد قعدوا بعد إشاعة مقتل النبي، فقال لهم: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. ثم حمل سيفه وقاتل قتال المستميت حتى استشهد، وقد وُجد في جسده أثر ضربات كثيرة. وهذا الموقف يمثل صورة من صور الثبات الرسالي الذي لا ينهار عند الصدمة.
ثم تنتقل المحاضرة إلى بيان معنى “الربّيين” في قوله تعالى: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير﴾، فتذكر أن المفسرين اختلفوا في معناها؛ فقيل: هم العلماء الفقهاء الصابرون، وقيل: هم الجموع الكثيرة، وقيل: هم المنسوبون إلى الرب والمتمسكون بعبادته. والمقصود أنهم أتباع رساليون ثبتوا في المحن، فلم يهنوا ولم يضعفوا ولم يستكينوا لما أصابهم في سبيل الله.
وتؤكد المحاضرة أن الآيات تريد أن تعيد للمسلمين معنوياتهم، وتقول لهم إنهم ليسوا أول من أصيب أو ابتُلي في طريق الله، بل هم حلقة من موكب الرسالات الطويل، الذي مرّ بالابتلاءات والمحن منذ الأنبياء السابقين. ومن هنا تدعو الآيات إلى دراسة سير الأنبياء والربانيين وأتباعهم، لا لمجرد المعرفة التاريخية، بل للاعتبار والتأسي واكتساب الثبات.
وتشير المحاضرة إلى أن قصص الأنبياء في القرآن جاءت لتثبيت القلوب، كما في قوله تعالى: ﴿وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾، ولأخذ العبرة من سيرهم ومواقفهم. فالمؤمن حين يقرأ تاريخ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم، يشعر أنه جزء من موكب إيماني واحد ممتد عبر الزمن.
ثم تطرح المحاضرة سؤالاً مهماً: لماذا أصاب بعض المسلمين الوهن في أحد؟ وتجيب بأن بعضهم كان مرتبطاً بشخص النبي لا بالرسالة نفسها. أي إنهم تصوروا أن الإسلام ينتهي بموت الرسول أو قتله، وهذا فهم ناقص؛ لأن الرسول يبلغ الرسالة ويجسدها، لكنه بشر يموت، أما الرسالة فباقية بحفظ الله.
وتفرّق المحاضرة بين “شخص النبي” و”شخصية النبي”. فشخص النبي هو وجوده المادي من لحم ودم، أما شخصيته فهي الرسالة والقيم والعقيدة والروح الإلهية التي جسدها. ومن ارتبط بالشخص وحده قد ينهار إذا غاب الشخص، أما من ارتبط بالشخصية الرسالية فإنه يبقى ثابتاً؛ لأن الرسالة لا تموت بموت حاملها.
وتؤكد المحاضرة أن هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾. فالآية تعالج الارتباط العاطفي الساذج، وتدعو إلى وعي رسالي عميق يجعل المؤمن ثابتاً ولو غاب القائد.
وتختم المحاضرة بالتأكيد أن الثبات الحقيقي يتحقق حين يرتبط الإنسان بالرسالة من خلال النبي وأهل بيته، لا أن يحصر الرسالة في الوجود المادي للشخص. فالرسول وأوصياؤه باقون بشخصيتهم الرسالية وتعاليمهم وعلومهم، ومن أخذ دينه من كتاب الله وسنة نبيه ثبت ولو زالت الجبال.
