تدور محاضرة الشّيخ جميل الربيعي التي ألقاها في بغداد يوم 3 محرم 1448هـ حول مقطع من دعاء يوم الأحد المروي عن الإمام زين العابدين عليه السلام: “الحمد لله الذي لا أرجو إلا فضله، ولا أخشى إلا عدله، ولا أعتمد إلا قوله، ولا أتمسك إلا بحبله”. وترى المحاضرة أن هذه العبارات الأربع ترسم طريق النجاة في الدنيا والآخرة، لأنها تجمع بين الرجاء والخشية والاعتماد والتمسك.
وتبدأ المحاضرة بالتنبيه إلى أهمية أدعية أهل البيت عليهم السلام، ولا سيما الصحيفة السجادية، مؤكدة أن هذه الأدعية ليست نصوصاً للقراءة العاطفية فقط، بل هي مدارس فكرية وروحية وأخلاقية وسياسية واجتماعية. ففيها بناء للعقيدة، وتهذيب للنفس، وتوجيه للسلوك، وربط دائم بالله تعالى.
ثم تقف عند العبارة الأولى: “لا أرجو إلا فضله”، لتوضح أن فضل الله لا ينحصر في المال والمسكن والمركب والولد، بل يشمل النعم المادية والمعنوية معاً. فمن فضله نعمة الخلق، والعقل، والهداية، والتوفيق للطاعة، والولاية، ونور الإيمان. فالإنسان المؤمن لا يجعل رجاءه في الناس أو المال أو السلطة، بل يجعل رجاءه كله في فضل الله، لأنه هو مصدر العطاء الحقيقي.
وتنتقل المحاضرة إلى العبارة الثانية: “ولا أخشى إلا عدله”. وتوضح أن العدل الإلهي يعني وضع الأمور في مواضعها، وأن الله لا يظلم الناس شيئاً، وإنما الناس يظلمون أنفسهم. ولهذا يدعو المؤمن ربه أن يعامله برحمته لا بعدله، لأن العبد لو حوسب على أساس العدل المحض لظهر تقصيره وضعفه. ومن هنا تكون الخشية من عدل الله باعثاً على التوبة والمراجعة.
أما العبارة الثالثة فهي: “ولا أعتمد إلا قوله”. والمقصود أن يكون القرآن هو الدستور والهادي والمرشد في حياة الإنسان، لا الأهواء ولا الأنظمة الفكرية المنحرفة. فالإنسان إذا أراد أن يتكلم أو يغتاب أو يظلم أو ينفعل، فعليه أن يرجع إلى قول الله تعالى، لأن القرآن يهدي للتي هي أقوم، ومن أعرض عنه عاش معيشة ضنكاً.
وتؤكد المحاضرة أن مجالسة القرآن تزيد الإنسان هدى وتنقص من عماه، كما في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، ولذلك تدعو إلى قراءة القرآن يومياً بتدبر، لا الاكتفاء بقراءته الموسمية.
ثم تتناول العبارة الرابعة: “ولا أتمسك إلا بحبله”، وتربطها بقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾. فالتمسك بحبل الله يعني الالتزام بالقرآن وأهل البيت، والرجوع إلى أهل العلم والهدى الذين هم “عيش العلم وموت الجهل”. فالنجاة لا تكون إلا بالاعتصام بالوحي وبمن جسدوا الوحي علماً وعملاً.
وتختم المحاضرة بربط هذه المعاني بالإمام الحسين عليه السلام، إذ كان القرآن حاضراً في حياته وشهادته، حتى رُفع رأسه الشريف على الرمح وهو يتلو القرآن. فالحسين يمثل التمسك الحقيقي بقول الله وحبله، ومأساته تذكّر المؤمن بضرورة الرجوع إلى الله والقرآن وأهل البيت، وترك الغفلة والانحراف.


