الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت / 8

تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها يوم الجمعة 24/ جمادى الأولى/ 1448هـ بحث الملكات النفسية المستفادة من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: «اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك، مولعة بذكرك ودعائك، محبة لصفوة أوليائك، محبوبة في أرضك وسمائك». وبعد تناول الاطمئنان بالقدر، والرضا بالقضاء، والولع بذكر الله، تنتقل إلى الملكة الرابعة، وهي محبة صفوة أولياء الله، وما يرتبط بها من محبة الله لعبده.

وتبدأ المحاضرة بتحديد صفات النفس المحبة والمحبوبة، وهي النفس التي تطهرت من أدران الذنوب، وذمائم الأخلاق، وسيئات العادات، فأصبحت صافية مشرقة بنور المعرفة الإلهية، قادرة على كشف ظلمات الجهل والوهم والضلال، وهداية الآخرين إلى الحق والعدل والصلاح.

وتستشهد بكلام أمير المؤمنين عليه السلام في وصف العبد الذي أعانه الله على نفسه، فأضاء مصباح الهدى في قلبه، وأصبح «مصباح ظلمات، كشّاف عشوات، مفتاح مبهمات، دفّاع معضلات، دليل فلوات». وتستخلص أن النفس المؤمنة لا تكتفي بالاستقامة الذاتية، بل تتحول إلى مصدر للهداية والإصلاح.

ثم توضح أن هذه النفس تمتلك قوتين متكاملتين: قوة الجذب والانجذاب، وقوة النفور والطرد؛ فهي تنجذب إلى الحق والعدل والجمال والطهارة، وتجذب إليها ما ينسجم مع هذه القيم، وفي المقابل تنفر من الظلم والقبح والباطل والضلال.

وتنتقل المحاضرة إلى بيان حقيقة الحب، فتذكر أن الحب في اللغة نقيض البغض، وأنه في الاصطلاح تعلق القلب بما يراه الإنسان أو يظنه خيراً. وتعرض ثلاثة أنواع للمحبة: محبة اللذة، ومحبة النفع، ومحبة الفضل، ثم تتناول تصور أهل المعرفة للمحبة باعتبارها تعلقاً قلبياً عميقاً بالمحبوب، يقترن بالأنس والشوق والانجذاب إليه.

وتؤكد المحاضرة أن حب الله هو الأصل الذي تنبثق منه المحبة السليمة، وأن سائر أنواع الحب التي تصدر عن قلب مؤمن ينبغي أن تكون امتداداً لهذه المحبة وراجعة إليها. وتستشهد بكلام الشيخ حسين معن في كتاب الإعداد الروحي، الذي يصف عاطفة الحب بأنها من أوسع العواطف الإيمانية وأشملها، وأنها تتجلى في الميل النفسي إلى الله والاستعداد للأنس بقربه.

ثم تربط المحاضرة بين المحبة والتطلع الفطري إلى الكمال؛ فالإنسان بطبيعته يبحث عن الكمال، لكنه قد يخطئ في تحديد مصداقه، فيراه في المال أو السلطة أو المظاهر الدنيوية. أما النفس المزكاة فتدرك أن الله تعالى هو الكمال المطلق، فتتوجه إليه بوصفه الغاية العليا، وتنجذب إلى محبته كما ينجذب الحديد إلى المغناطيس.

وتستشهد بقوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، لتؤكد أن العلاقة بين العبد وربه تقوم على المحبة المتبادلة، وأن المحبة الإلهية تطهر القلب من التعلقات المنافية لها، حتى يصبح حَرَماً لله، كما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «القلب حرم الله، فلا تُسكن حرم الله غير الله».

وتوضح المحاضرة أن صفاء القلب يهيئ الإنسان للمعرفة الروحية والبصيرة، مستشهدة بما ورد في إمكان انكشاف حقائق الملكوت عند زوال الحجب عن القلب.

ثم تستعرض عدداً من التفسيرات التي ذكرها العلماء لمعنى محبة الله لعبده، ومنها إرادة الخير له، وهدايته ورحمته، وإيصال النعم إليه، وتقريبه وإكرامه، وتوفيقه للتجافي عن التعلق بالدنيا والأنس بالله.

وتختتم المحاضرة ببيان أن المحبة الصادقة تتجلى عملياً في مجاهدة الشهوات وتوحيد الهمّ في طلب رضا الله. وتستشهد بوصف أمير المؤمنين عليه السلام لمن «خلع سرابيل الشهوات، وتخلى من الهموم إلا همّاً واحداً»، حتى أصبح من مفاتيح أبواب الهدى ومغاليق أبواب الردى.

وتمهد المحاضرة للحلقة القادمة بطرح العلاقة العميقة بين الدين والمحبة، من خلال العبارة: «الدين هو الحب، والحب هو الدين»، بوصفها مدخلاً لبحث موقع المحبة في حقيقة التدين والسلوك الإيماني.

محبة اللهالصفوةحب اللهالحب في اللهأدعية أهل البيتالدعاء

شاهد أيضاً

الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت/7
▶

الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت/7

تتناول المحاضرة معنى الولع بذكر الله ودعائه، بوصفه تعلقاً عميقاً يجعل الذكر حاضراً في جميع أحوال الإنسان. وتوضح صفات الذاكرين وآثارهم في هداية المجتمع، مستشهدة بالقرآن ونهج البلاغة ودعاء كميل. ثم تعرض نماذج من عبادة النبي ومناجاته، مؤكدة ضرورة التأسي به بحسب الاستطاعة والسعي إلى دوام الذكر.

الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت/5
▶

الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت/5

تستكمل المحاضرة شروط الرضا بالقضاء والقدر، مركزة على اليقين بأن كل مقدّر واقع، وأن تدبير الله قائم على الحكمة والمصلحة، والإيمان بالألطاف الإلهية الخفية. وتوضح أثر حسن الظن بالله في تقبل الابتلاءات، مستشهدة بالأحاديث والأدعية، وتؤكد أن المعرفة والمحبة واليقين وحسن الظن تمهد جميعها لبلوغ الرضا والطمأنينة النفسية.

اسباب الجفاف الروحي/3
▶

اسباب الجفاف الروحي/3

تواصل المحاضرة بحث الجفاف الروحي، مركزةً على قسوة القلب بوصفها من أخطر آثاره. وتبين أن سلامة الإنسان مرتبطة بسلامة قلبه، وأن من أبرز أسباب القسوة: الإعراض عن ذكر الله، وكثرة الكلام بغير ذكره، وطول الأمل، والغفلة عن الموت، والانشغال بملذات الدنيا ولهوها