الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت/7

تنتقل محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها يوم الجمعة 18/ جمادى الأول/ 1448هـ إلى الفقرة الثالثة من دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: «اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك، مولعة بذكرك ودعائك»، بعد أن تناولت الحلقات السابقة الاطمئنان بالقدر والرضا بالقضاء، لتبحث في حقيقة الولع بذكر الله ودعائه، وصفات النفوس التي تبلغ هذه المرتبة، وتجلياتها العملية في سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله.

وتبدأ المحاضرة ببيان المعنى اللغوي للولع، وهو التعلق الشديد المستحكم بالشيء، وملازمته واللهج به، حتى يصبح محبوباً للنفس لا تكاد تفارقه. وعلى هذا الأساس، فإن المولع بذكر الله هو الذي فرّغ قلبه من الشواغل، وطهّره من التعلقات التي تصرفه عن ربه، فاستغرق في محبته وذكره في مختلف أحواله.

وتوضح أن دوام الذكر لا يقتصر على أوقات العبادة، بل يشمل السراء والضراء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والسفر والحضر، والسر والعلانية. وتستشهد بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾، وبوصف المؤمنين الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، للدلالة على أن الذكر يتحول إلى حالة إيمانية تستوعب حياة الإنسان كلها.

ثم تعرض المحاضرة صورة الذاكرين في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، حيث يصف عباداً ناجاهم الله في أفكارهم، وأنار عقولهم وقلوبهم، فأصبحوا مصابيح للهداية وأدلة في مواطن الشبهات. وتستخلص أن الذاكر الحقيقي لا ينحصر أثر ذكره في نفسه، بل يمتد إلى المجتمع؛ فهو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الاستقامة بسلوكه قبل كلامه.

وتؤكد المحاضرة أن هؤلاء يمثلون نموذج الداعية الصامت، الذي يذكّر الناس بالله من خلال أخلاقه ومواقفه، حتى يصبح حضوره باعثاً على الوعي والاعتبار.

وتنتقل بعد ذلك إلى دعاء كميل، متوقفة عند قول أمير المؤمنين عليه السلام: «أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة». وتبين أن هذا الدعاء يكشف عن شدة التعلق بالله، والرغبة في أن تتحول الأعمال والأوقات كلها إلى عبادة متصلة، حتى عند من بلغ أعلى مراتب الذكر والمعرفة.

ثم تنتقل المحاضرة من الجانب النظري إلى التجسيد العملي للذكر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، فتوضح أن حياته كانت عامرة بالذكر والدعاء، وأنه لم يكن يجلس أو يقوم إلا على ذكر الله.

وتستعرض الروايات التي تصف اجتهاده في قيام الليل حتى تورمت قدماه، وجوابه عمن سأله عن سبب هذه المشقة: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟»، مبينة أن عبادته كانت تعبيراً عن الشكر والمحبة، لا مجرد أداء للتكليف.

كما تعرض رواية أم سلمة التي وجدته في إحدى الليالي قائماً يناجي ربه باكياً، يسأله دوام النعم، والحفظ من السوء، وألا يكله إلى نفسه طرفة عين. وتستخلص منها أن علو المقام الإيماني يزيد الشعور بالافتقار إلى الله، ولا يلغي الحاجة إلى الدعاء والاستعانة به.

وتتناول أيضاً الروايات التي تصف استيقاظ النبي ليلاً، وتأمله في السماء، وتلاوته آيات التفكر في خلق السماوات والأرض، ثم وضوءه وصلاته وإطالته الركوع والسجود، بوصفها شواهد على اتصال الذكر بالتفكر والعبادة.

وتختتم المحاضرة بالتأكيد أن المطلوب من المؤمن ليس بلوغ مرتبة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله، وإنما التأسي به بحسب القدرة والاستطاعة، والأخذ من سيرته ما يعمّق حضور الله في القلب والعمل. وتستشهد بكلام أمير المؤمنين عليه السلام في الدعوة إلى الاقتداء بالنبي، باعتبار التأسي به طريقاً إلى الصلاح والفلاح وحسن العاقبة.

ذكر اللهالولعالدعاءالمناجاةالتأسيدوام الذكر

شاهد أيضاً

الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت/5
▶

الكمالات النفسية في أدعية أهل البيت/5

تستكمل المحاضرة شروط الرضا بالقضاء والقدر، مركزة على اليقين بأن كل مقدّر واقع، وأن تدبير الله قائم على الحكمة والمصلحة، والإيمان بالألطاف الإلهية الخفية. وتوضح أثر حسن الظن بالله في تقبل الابتلاءات، مستشهدة بالأحاديث والأدعية، وتؤكد أن المعرفة والمحبة واليقين وحسن الظن تمهد جميعها لبلوغ الرضا والطمأنينة النفسية.

اسباب الجفاف الروحي/3
▶

اسباب الجفاف الروحي/3

تواصل المحاضرة بحث الجفاف الروحي، مركزةً على قسوة القلب بوصفها من أخطر آثاره. وتبين أن سلامة الإنسان مرتبطة بسلامة قلبه، وأن من أبرز أسباب القسوة: الإعراض عن ذكر الله، وكثرة الكلام بغير ذكره، وطول الأمل، والغفلة عن الموت، والانشغال بملذات الدنيا ولهوها

أسباب الجفاف الروحي/2
▶

أسباب الجفاف الروحي/2

تبحث المحاضرة حول الجفاف الروحي، مركزةً على قسوة القلب بوصفها من أخطر آثاره. وتبين أن سلامة الإنسان مرتبطة بسلامة قلبه، وأن من أبرز أسباب القسوة: الإعراض عن ذكر الله، وكثرة الكلام بغير ذكره، وطول الأمل، والغفلة عن الموت، والانشغال بملذات الدنيا ولهوها.