تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها يوم الجمعة 14 ربيع الأول 1448 الموافق 28 آب 2026 الحديث عن الجفاف الروحي من خلال بيان قسوة القلب وأسبابها وآثارها، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. وتؤكد أن الآية تحمل عتاباً للمؤمن الذي يطول عليه الأمد في الغفلة حتى يضعف تفاعله مع ذكر الله ويستثقل العبادة.
وتوضح المحاضرة أن غاية الإنسان الفطرية هي البحث عن الراحة والطمأنينة. فهو يجمع المال، ويبني البيت، ويطلب المنصب، ويتزوج، ويسعى في شؤون الدنيا طلباً للراحة، غير أن التجربة الإنسانية تثبت أن هذه الأمور لا تحقق الاطمئنان الكامل، لأن اللذات المادية مؤقتة ومصحوبة بالتعب والخوف والقلق. أما الراحة الحقيقية فتتحقق بانفتاح القلب على الله، والرضا بقضائه، والتسليم له، ولذلك يكون ذكر الله مصدر الطمأنينة الحقيقية.
ثم تنتقل المحاضرة إلى أن استمرار الغفلة يؤدي إلى قسوة القلب، وهي ليست مجرد حالة نفسية عابرة، بل شقاء وعقوبة وابتعاد عن الرحمة الإلهية، حتى يصبح الإنسان فاقداً للرحمة والتأثر، قادراً على الظلم والانتقام من غير أن يتحرك ضميره.
وتؤكد أن الإنسان إنما يكون إنساناً بقلبه؛ فإذا صلح القلب صلح سائر وجوده، وإذا فسد انعكس فساده على الفكر والأخلاق والسلوك. والقلب السليم هو الذي تطهر من الحقد والطمع والجشع والخداع والكذب، وامتلأ بحب الله وأوليائه والرحمة بعباده.
وتعرض المحاضرة أبرز أسباب قسوة القلب. أولها الإعراض عن ذكر الله ونسيان رقابته، لأن الإنسان إذا استغرق في الدنيا والمال فقد يتحول من مالك للمال إلى مملوك له. وكلما ازداد حضور الله في وعي الإنسان رق قلبه، وكلما غفل عنه ازدادت قسوته.
والسبب الثاني هو كثرة الكلام في غير ذكر الله؛ فهناك ارتباط وثيق بين اللسان والقلب، وما يصدر عن الإنسان من كلام يترك أثره في داخله. ولذلك ينبغي للمؤمن أن يزن كلامه، ويفكر قبل أن يتحدث، لأن كثرة اللغو والحديث الفارغ تبعد القلب عن الله. والذكر هنا لا يقتصر على التسبيح اللفظي، بل يشمل ذكر الله بالقلب والسلوك؛ كأن يتذكر حكم الله حين يريد الكذب أو الغيبة فيمتنع عنهما.
والسبب الثالث هو طول الأمل، بأن يعيش الإنسان وكأنه باق في الدنيا بلا نهاية، فينشغل بخيالاته ومشاريعه وآماله عن حقيقة عمره المحدود ومسؤوليته أمام الله.
ويرتبط بذلك السبب الرابع، وهو قلة ذكر الموت. فذكر الموت لا يعني تمني الموت، وإنما استحضار حقيقة الانتقال إلى الآخرة، وما يترتب عليه من حساب ومسؤولية، وهو ما يردع النفس عن الغرور والانغماس في الشهوات.
وتختم المحاضرة بالتنبيه إلى صور اللهو الحديثة والانشغال المفرط بالهاتف والإنترنت والمال والمساكن والعلاقات المحرمة، وما تحدثه من غفلة وقسوة. وتؤكد أن قسوة القلب من أعظم العقوبات، داعيةً إلى تطهير القلب وترقيقه بالذكر والموعظة والتقوى والاستعداد للقاء الله.


