تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها يوم الجمعة 7 ربيع الأول 1448هـ الموافق 21 آب 2026م ظاهرة الجفاف الروحي انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾، وتعرّفه بأنه حالة من ضعف التفاعل الوجداني مع ذكر الله تعالى، وعدم استشعار العبودية له ومعيته، حتى تصبح العبادة ثقيلة على الإنسان، فيؤدي الصلاة بعجلة، ولا يجد لذة في الدعاء أو الذكر أو قراءة القرآن.
وتوضح المحاضرة أن هذه الحالة ليست أمراً عابراً، بل هي مرض روحي له آثار خطيرة، من أبرزها قسوة القلب، والتردي الأخلاقي، والغفلة عن الله، وخمود جذوة الإيمان. فإذا استمر الإنسان في هذا الجفاف من دون معالجة، أصبح قلبه خالياً من النور الإلهي، فلا خشوع فيه ولا خضوع، ولا يتفاعل مع الموعظة أو العبادة، حتى يصل إلى ما يشبه الموت الشعوري والروحي.
ثم تبيّن المحاضرة أن الإنسان يتحرك بقوتين أساسيتين هما الفكر والعاطفة. فإذا انفردت العاطفة من دون فكر أصبحت انفعالاً هائجاً غير منضبط، وإذا انفرد الفكر عن العاطفة أصبح فكراً بارداً جافاً لا يملك قدرة التحريك والتغيير. ومن هنا زاوج الإسلام بينهما؛ فالعاطفة تمنح الفكر الحرارة والدافع والحيوية، والفكر يوجّه العاطفة ويمنعها من الانحراف. وقد تجسد هذا التكامل في شخصية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، حيث امتزج الوعي العميق بالرحمة واللين، فاستطاع أن يصنع مجتمعاً إيمانياً متآلفاً.
وتستخرج المحاضرة من الآية جملة من الحقائق النفسية والروحية. أولها أن الله تعالى يريد من الإنسان أن يتلقى الوحي بوعي وتفاعل، لا بمجرد السماع والقراءة؛ لأن التفاعل مع الذكر الإلهي يرقق القلب، ويزكي النفس، ويوسع المدارك، ويرتقي بالمشاعر حتى يصبح الإنسان نفسه مذكّراً بالله في سلوكه وحضوره.
والحقيقة الثانية أن الآية تحمل عتاباً للمؤمن الذي طال عليه الأمد وأصابه الفتور، فهي دعوة إلى محاسبة النفس ووضع حد للتقصير والغفلة والتهاون في العبادة. فالمؤمن مطالب بأن يراجع نفسه، ويسأل عن مقدار حضوره القلبي في الصلاة، وعن علاقته بالقرآن والدعاء والذكر.
وتؤكد المحاضرة كذلك أن غاية الإنسان النفسية العميقة هي طلب الراحة والطمأنينة، غير أن اللذات المادية لا تمنح راحة دائمة؛ لأنها مؤقتة، ويخالطها التعب والقلق والخوف من الفقد. أما الاطمئنان الحقيقي فيتحقق عندما ينفتح القلب على الله، ويسلّم الإنسان أمره له، ويرضى بقضائه، ويستشعر معيته.
وتختم المحاضرة بالحديث عن قسوة القلب بوصفها النتيجة الأخطر للجفاف الروحي، وهي حالة من موت الحس الإيماني وفقدان الرحمة والتأثر. وتشير إلى أن من أسبابها طول الأمد، وطول الأمل، والاستمرار في الغفلة، والإعراض عن ذكر الله، وسوء العمل والانشغال عنه، لتكون هذه الأسباب مدخلاً للحديث عن علاج قسوة القلب.


