تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها يوم الجمعة 4 جمادى الأولى 1448هـ بحث شروط تحصيل الرضا بالقضاء والقدر الإلهي، انطلاقاً من أن النفس الإنسانية لا تبلغ الاطمئنان الحقيقي إلا بتوافر مجموعة من المقومات الإيمانية والمعرفية والعملية. وتستعيد الشرطين اللذين تناولتهما الحلقة السابقة، وهما معرفة الله تعالى ومحبته، قبل الانتقال إلى الشرطين الثالث والرابع.
وتوضح أن معرفة الله تعني الإيمان بأسمائه وصفاته وحكمته وسننه في الكون والحياة، واليقين بأنه خالق الإنسان ومدبره ومحاسبه، وأن تقديره قائم على العلم والحكمة. وكلما ازدادت معرفة الإنسان بالله ازداد رضاه بقضائه، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أعلم الناس بالله أرضاهم بقضائه».
أما محبة الله فهي ثمرة المعرفة، وتتحقق بإخلاء القلب من التعلقات التي تصرفه عن الله، حتى تصبح محبته هي الموجهة لميول الإنسان واختياراته، فيزداد استعداداً للتسليم لأمره والرضا بقضائه.
ثم تنتقل المحاضرة إلى الشرط الثالث: اليقين بأن كل مقدّر كائن لا محالة. وتعرّف اليقين بأنه الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، الذي لا تزيله الشبهات، ولو كانت قوية. وتبين أنه من أعلى مراتب الإيمان، وأن بلوغه يحتاج إلى المجاهدة النفسية والمعرفة الإلهية العميقة.
وتستشهد المحاضرة بجملة من الأحاديث المنقولة عن أمير المؤمنين عليه السلام التي تصف اليقين بأنه رأس الدين وعنوان الإيمان وعماده وغايته، لتؤكد مكانته في البناء الروحي للمؤمن.
ولا يكفي في هذا الشرط مجرد الاعتقاد بأن ما قدّره الله سيقع، بل لا بد أن يقترن ذلك باليقين بحكمة التقدير الإلهي، وأن ما يجري على المؤمن من يسر أو عسر قد ينطوي على خير وصلاح لا يدركهما في حينهما.
وتستشهد المحاضرة بقول أمير المؤمنين عليه السلام: «من أيقن بالقدر لم يكترث بما نابه»، وبما ورد عنه في أن العبد لا يجد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. كما تستحضر المناجاة الشعبانية التي تؤكد جريان المقادير الإلهية وشمول تدبير الله لحياة الإنسان.
ومن هنا يصبح اليقين مصدراً لحلاوة الإيمان والطمأنينة النفسية، دون أن يعني ذلك سلب الإنسان حريته أو إلغاء اختياره.
ثم تبحث المحاضرة الشرط الرابع: الإيمان بالألطاف الإلهية الخفية. فقد يمر الإنسان بحوادث مؤلمة أو ابتلاءات شديدة لا تتضح له حكمتها عند وقوعها، بينما قد تنطوي على مصالح لا يعرفها. وتستشهد بقوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
وتضرب مثالاً بموقف الإمام الخميني عند وفاة ولده مصطفى، وما نُقل عنه من وصف الحادثة بأنها تنطوي على لطف إلهي خفي، لتوضيح أن المؤمن قد يسلّم لحكمة الله حتى عندما يعجز عن إدراكها.
وتؤكد المحاضرة أن الإيمان بهذه الألطاف يحتاج إلى صفاء النفس، والتسليم لله، واليقين بحسن تدبيره، ويقود إلى حسن الظن بالله، وهو من أبرز مقومات الرضا.
وتستعرض في هذا السياق حديثاً قدسياً مروياً عن الإمام الرضا عليه السلام: «أنا عند ظن عبدي المؤمن بي، إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً»، ثم حديثاً عن الإمام الباقر عليه السلام ينقل فيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتباط خير الدنيا والآخرة بحسن الظن بالله، والرجاء فيه، وحسن الخلق، والكف عن اغتياب المؤمنين.
وتختتم المحاضرة بتلخيص شروط الرضا الأربعة: معرفة الله، ومحبته، واليقين بالمقدّر، والإيمان بالألطاف الإلهية وحسن الظن بالله. ثم تمهد للحلقة القادمة التي ستتناول الآثار النفسية والعقلية والروحية والسلوكية المترتبة على الرضا بالقضاء والقدر في حياة الإنسان.


