تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي بيان العوامل العملية لاكتساب حسن الخلق، بعد التأكيد على أهمية الإرادة ومعرفة النفس، لتنتقل إلى عناصر أخرى أكثر ارتباطاً بالتطبيق والسلوك اليومي. ويأتي في مقدمة هذه العوامل تنمية عنصر الخير الأخلاقي، بوصفه طاقة فطرية كامنة في الإنسان، تدفعه إلى فعل الخير لا بدافع المصلحة أو الخوف، بل بدافع إنساني أخلاقي خالص.
وتوضح المحاضرة أن هذا العنصر يظهر في مواقف عديدة، حيث يتفاعل الإنسان مع معاناة الآخرين دون وجود منفعة شخصية. فمثلاً، إذا أنقذ شخصٌ آخرَ من الهلاك في ظروف صعبة، فإن هذا الفعل لا يكون بدافع مادي، بل نتيجة عاطفة أخلاقية إنسانية. وهذا ما يُعبَّر عنه بالعواطف الأخلاقية التي تمثل جوهر إنسانية الإنسان. وتُبرز المحاضرة أن هذا العنصر يُعدّ معياراً لقياس كمال الإنسان، فكلما نما في داخله، ارتقى في سلم الإنسانية.
وتشير المحاضرة إلى أن هذا البعد الأخلاقي هو من مختصات الإنسان دون غيره من الكائنات، لأنه مرتبط بالقيم المعنوية التي لا وجود لها في عالم الحيوان. ومن هنا، فإن تألم الإنسان لرؤية الظلم أو العدوان، حتى وإن لم يمسه مباشرة، هو دليل على حضور هذا العنصر في داخله. كما أن ضعف هذا البعد يؤدي إلى تراجع القيم وانتشار الفوضى الأخلاقية.
بعد ذلك، تنتقل المحاضرة إلى عامل آخر مهم، وهو اتخاذ الأسوة الحسنة. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى نموذج يحتذي به في سلوكه، وهذا النموذج يجب أن يكون مثالاً كاملاً في القيم والأخلاق. وتؤكد المحاضرة أن الأنبياء والأولياء يمثلون أعلى نماذج القدوة، وفي مقدمتهم النبي محمد صلى الله عليه وآله، الذي يُعدّ الأسوة الحسنة الكاملة. فالاقتداء به، والسير على نهجه، كفيل بنقل الإنسان من النقص إلى الكمال، ومن الانحراف إلى الاستقامة.
وتبيّن المحاضرة أن فقدان القدوة يؤدي إلى اضطراب السلوك، لأن الإنسان حينها يفقد المعيار الذي يقيس به أفعاله. لذلك، فإن الاقتداء الواعي، القائم على فهم فكر القدوة وسلوكها، يمثل ركيزة أساسية في بناء الأخلاق.
أما العامل الثالث الذي تتناوله المحاضرة، فهو اختيار الأصدقاء والجلساء. وتؤكد أن للصحبة تأثيراً عميقاً في تشكيل شخصية الإنسان، لأن النفوس تتأثر ببعضها البعض. فالجليس الصالح يرفع من مستوى الإنسان الأخلاقي والعلمي، بينما جليس السوء يفسد القيم ويضعف الضمير.
وتعرض المحاضرة تصويراً بليغاً لهذا التأثير من خلال تشبيه الجليس الصالح بحامل المسك، الذي ينفع من حوله، وجليس السوء بنافخ الكير، الذي يضر من يجاوره. وهذا التشبيه يوضح أن التأثير لا ينحصر في الأفعال المباشرة، بل يشمل الأجواء العامة التي يعيشها الإنسان مع الآخرين.
كما تحذر المحاضرة من عواقب صحبة السوء، التي قد تؤدي إلى الندم يوم القيامة، حين يدرك الإنسان أنه انحرف بسبب أصدقائه. وفي المقابل، فإن مجالسة الأخيار ترفع الإنسان، وقد تحوّل حتى صاحب السلوك السيئ إلى إنسان صالح.
وتخلص المحاضرة إلى أن تحسين الأخلاق عملية مركبة، تعتمد على تنمية الداخل الإنساني، والاقتداء بالنماذج العليا، واختيار البيئة الاجتماعية المناسبة. وهذه العوامل، إذا اجتمعت، أسهمت في بناء شخصية متوازنة، واعية، قادرة على السير في طريق الكمال الأخلاقي.
