في هذه المحاضرة التي قدمها الشيخ جميل الربيعي ضمن سلسلة دروسه الأسبوعية المباشرة من النجف الأشرف بتاريخ 14 شوال 1447
يقدّم معالجة فكرية وأخلاقية لمفهوم الكلمة الطيبة، بوصفها أساساً في بناء الإنسان والمجتمع. ينطلق من أن الكلمة ليست مجرد أداة تواصل، بل هي «مفتاح الوجود» ووسيلة التفاهم وإقامة الحضارات، مستشهداً بأن الله تعالى أوجد الكون بكلمة «كن»، مما يدل على عظمة الكلمة في التصور الإسلامي.
يركّز الشيخ على ضرورة أن يُعوّد الإنسان لسانه على الكلمة الطيبة حتى تتحول إلى ملكة راسخة في النفس، لا يتكلفها بل تصدر عنه طبعاً وسلوكاً. ويستشهد بقصة عن عيسى عليه السلام، حين قال كلمة طيبة لمن لا يستحقها، مبيناً أن اللسان إذا اعتاد الخير صار ينطق به لكل أحد، وهو ما يعكس الهدف التربوي للإسلام في تهذيب اللسان.
ويربط المحاضر بين هذه الملكة وبين ترسّخ الإيمان في القلب؛ فالكلمة الطيبة ثمرة لشجرة الإيمان إذا نمت وازدهرت. وعندئذٍ يصبح الإنسان متسماً بالجمال الروحي والأخلاقي، ويغدو كلامه مصدر طمأنينة وتأثير إيجابي في الآخرين.
ثم يبيّن أن أولى خصائص الكلمة الطيبة هي الحُسن والجمال، مستنداً إلى أن الإنسان مفطور على حب الجمال في جميع شؤون حياته، ومنها الكلام. فكما ينجذب إلى جمال المظهر، فإنه ينجذب أيضاً إلى جمال العبارة، وينفر من قبحها، لأن الكلمة الخبيثة تجرح القلوب وتثير الأحقاد، بخلاف الكلمة الحسنة التي تشرح الصدور.
ويستعرض الشيخ عدداً من الآيات القرآنية التي تؤكد هذا المعنى، مثل: «وقولوا للناس حسناً» و*«وجادلهم بالتي هي أحسن»* و*«وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها»*، مبيناً أن القرآن يؤسس لثقافة لغوية قائمة على اختيار الأحسن دائماً في القول، لما له من أثر في تهذيب العلاقات الإنسانية.
كما يستند إلى الروايات، ومنها قول الإمام الباقر عليه السلام: «قولوا للناس أحسن ما تحبون أن يقال لكم»، وقول الإمام السجاد عليه السلام: «القول الحسن يثري المال وينمي الرزق وينسئ في الأجل»، ليؤكد أن الكلمة الطيبة ليست مجرد خلق معنوي، بل لها آثار دنيوية وأخروية ملموسة.
ويتوقف عند طريقة أداء الكلمة، فيرى أن الكلمة الطيبة لا تتحقق بمجرد مضمونها، بل بأسلوبها أيضاً، إذ ينبغي أن تؤدى برفق وحنان وأدب وصدق، حتى تكون شفاءً للقلوب ونوراً للنفوس. ويشير إلى أن كثيراً من المشكلات الاجتماعية منشؤها خشونة الكلام لا أصل الخلاف.
ويختم الشيخ جميل الربيعي بالتأكيد على أن الكلمة الطيبة أداة لبناء المجتمع المتآلف المتعاون، وأنها قادرة على إنهاء النزاعات وتقريب القلوب، داعياً إلى التزامها مع الجميع، حتى مع الجاهل، اقتداءً بالقرآن الكريم: «وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً»، ممهدًا للحديث في محاضرة لاحقة عن خاصية أخرى من خصائص الكلمة الطيبة، وهي «المعروف».