تتناول هذه المحاضرة، التي قدّمها الشيخ جميل الربيعي، موضوع الكلمة بوصفها أحد أهم عناصر بناء الإنسان والمجتمع، حيث يطرحها ليس كأداة تواصل فحسب، بل كقوة فاعلة في تشكيل الوعي وتوجيه السلوك وصناعة التاريخ. ويؤكد في بداية الطرح أن الكلمة تمثّل مفتاح التعامل الإنساني، وبدونها يفقد الإنسان قدرته على التعبير والتأثير والتفاعل مع محيطه.
ويستعرض الطرح الأبعاد العميقة لأهمية الكلمة، موضحًا أنها ليست مجرد صوت أو لفظ، بل هي انعكاس للعقل وثمرة للفكر، ومن خلالها يُعرف الإنسان وتُكتشف حقيقته. كما يبيّن أن الكلمة كانت الوسيلة الأساسية التي عرّف الله بها نفسه لعباده، وأداة الأنبياء في تبليغ الرسالات، مما يعكس مكانتها المركزية في البناء الديني والإنساني.
كما يركّز على أن الكلمة تمثّل أحد أبرز مظاهر التكريم الإلهي للإنسان، إذ بها يتميّز عن غيره من المخلوقات، وبها تتشكل إنسانيته الحقيقية. فالكلمة ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل هي عنصر أساسي في بناء الحضارة، وبدونها لا يمكن قيام مجتمع أو تطور حياة أو انتقال معرفة.
ويقدّم الطرح تقسيمًا جوهريًا للكلمة إلى “كلمة طيبة” و“كلمة خبيثة”، مبينًا أن هذا التقسيم ليس شكليًا، بل يعكس طبيعة النفس التي تصدر عنها الكلمة. فالكلمة الطيبة تنبع من نفس نقية وعقل سليم، بينما الكلمة الخبيثة هي نتاج نفس ملوثة وفكر منحرف، ما يجعل الكلمة مرآة حقيقية لما في داخل الإنسان.
وفي هذا السياق، يتم توضيح التشبيه القرآني العميق الذي يصوّر الكلمة الطيبة كشجرة ثابتة أصلها راسخ وفرعها في السماء، تؤتي ثمارها باستمرار، في مقابل الكلمة الخبيثة التي تشبه نباتًا منقطع الجذور، لا ثبات له ولا أثر مستمر. ويُستخدم هذا التشبيه لإبراز الفرق بين ما يبقى وينمو، وما يزول ويتلاشى.
كما يبيّن الطرح أن تأثير الكلمة مرتبط بشكل مباشر بحالة النفس التي تتلقاها، حيث تُشبَّه النفوس بالأرض؛ فالنفس الطيبة تستقبل الكلمة الصالحة وتثمر بها، بينما النفس القاسية أو الملوثة لا تتفاعل معها، بل قد ترفضها أو تفسدها. وهذا يفسّر تفاوت استجابة الناس لنفس الخطاب أو الفكرة.
ويؤكد الشيخ جميل الربيعي في هذا الإطار على ضرورة تهذيب النفس وتطهيرها كشرط أساسي للاستفادة من الكلمة الطيبة، موضحًا أن الكلمة لا تؤتي أثرها إلا في بيئة داخلية مهيأة. فكما تحتاج الأرض إلى إعداد لتثمر، تحتاج النفس إلى صفاء لتستقبل الهداية وتتحول الكلمة فيها إلى سلوك وعمل.
ويختتم الطرح بالتأكيد على أن الكلمة تمثل أداة بناء أو هدم، وأن مسؤولية الإنسان تكمن في اختيار كلماته وصياغتها بما يخدم الخير والصلاح. فالكلمة الطيبة ليست مجرد تعبير، بل مشروع إصلاح يمتد أثره في النفس والمجتمع، ويشكّل أساسًا للارتقاء الإنساني والروحي.