تبحث محاضرة الشيخ جميل الربيعي والتي ألقاها يوم السبت 28 ذو القعدة 1447هـ الموافق 16 آيار 2026م في موضوع الإشاعة، أخطارها ودوافعها وعقوباتها وطرق علاجها، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾. وتؤكد أن الآية وإن نزلت في حادثة معينة، فإن معناها عام، لأنها لا تختص بمورد النزول، بل تشمل كل من يحب نشر الفاحشة أو يروّج لها أو يفرح بانتشارها.
وتلفت المحاضرة إلى دقة التعبير القرآني، إذ إن العذاب الأليم توعد من “يحب” أن تشيع الفاحشة، فكيف بمن يقوم فعلاً بنشرها وترويجها، ولا سيما في عصر الفضاء المفتوح ووسائل التواصل التي تجعل الخبر ينتشر بسرعة هائلة.
ثم تنتقل المحاضرة إلى تعريف الفاحشة والإشاعة. فالفاحشة هي كل ما عظم قبحه من قول أو فعل، وتشمل كل خصلة قبيحة. أما الإشاعة في اللغة فهي انتشار الخبر بين الناس، وفي الاصطلاح السياسي هي خبر مجهول المصدر يُروَّج ضد جهة معينة بهدف إسقاطها أو إرباكها، وقد تكون أحياناً لصالح جهة معينة، لكنها تبقى أداة من أدوات الحرب النفسية.
وتوضح المحاضرة أن الإشاعة تعتمد في مادتها على الكذب والافتراء، وفي أسلوبها على المبالغة، وتضخيم التفاصيل، ومسخ الحقائق، وتسليط ضوء باهت على بعض الجزئيات لخدمة هدف معين. ولذلك تعد الإشاعة “سلاح العاجز والفاشل”، لأن صاحب الحجة والمنطق لا يحتاج إلى نشر الأكاذيب.
وتعرض المحاضرة دوافع الإشاعة، وأولها الشعور بالنقص النفسي، حيث يلجأ الإنسان إلى التشويه حين يعجز عن مواجهة خصمه بالحجة والبرهان. وثانيها المصالح الشخصية أو السياسية، إذ تستخدم بعض الجهات الإشاعة لإسقاط المنافسين وزعزعة الثقة بهم. وثالثها الفشل العلمي أو العملي، حيث يحاول الفاشل أن يحمل الآخرين مسؤولية فشله، فيثير الأكاذيب عليهم بدافع الحسد. ورابعها التخطيط المعادي أو ما يسمى بالطابور الخامس، وهو أخطر الدوافع لأنه يستخدم الإشاعة أداة منظمة لإثارة الفتن والبلبلة.
وتبيّن المحاضرة أن الإشاعة تختلف بحسب الزمان والمكان والأشخاص والأهداف. فقد واجه النبي صلى الله عليه وآله إشاعات قريش التي وصفته بالسحر والكهانة والجنون والشعر، بينما تتخذ الإشاعات في عصرنا أشكالاً أخرى، كاتهام المؤمنين بالرجعية، أو التخلف، أو العمالة، أو المتاجرة بالدين.
ثم تعرض المحاضرة خصائص الإشاعة، فهي غالباً تحمل جزءاً صغيراً من الحقيقة وكثيراً من الكذب، وتتسم بالغموض، وتعتمد التكرار والصياغات المختلفة، وتتركز في الوسط الذي يعمل فيه الشخص المستهدف. ومن خلال هذه الخصائص يمكن تمييز الإشاعة عن الخبر الصحيح.
أما أهداف الإشاعة، فتتمثل في تشويه سمعة المؤمنين والعاملين، وتمزيق وحدة الصف، وإثارة الشكوك والحساسيات، وهدم المعنويات، وخلق القلق النفسي والبلبلة الفكرية داخل المجتمع.
وتؤكد المحاضرة أن مواجهة الإشاعة لا تكون بالسكوت المطلق ولا بالانفعال، بل بالرد الحكيم. ويبدأ العلاج بالالتجاء إلى الله والثقة به، ثم تقوية الثبات النفسي، والصبر على ما يقال، ودراسة الإشاعة وتحليلها، وكشف جانبها الكاذب بدقة، ومراقبة السلوك الشخصي حتى لا يمنح الإنسان خصومه ثغرات يستغلونها.
كما تشدد المحاضرة على ضرورة إثبات العكس بالعمل لا بالكلام وحده، والبحث عن مصادر الإشاعة وأهدافها لإبطال مفعولها. وتختم بالتأكيد أن الاعتقاد الصادق والهدف الصالح لا تزلزلهما الدعايات، وأن المؤمن الواعي لا يضره كلام الناس إذا كان يعرف حقيقة نفسه وعمله.


