تتناول محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في يوم الجمعة 27 ذي القعدة 1447هـ : موقف الإسلام من الحياة الدنيا، وتؤكد أن الإسلام لم يقف منها موقف الرفض المطلق، كما لم يدعُ إلى الانقطاع الكامل عن ملذاتها وطيباتها، بل نظر إليها بوصفها مرحلة من مراحل حياة الإنسان، ووسيلة للتكامل والإعداد للسير نحو الله تعالى ونيل رضوانه.
وتوضح المحاضرة أن الدنيا في المنظور الإسلامي ليست مذمومة بذاتها، وإنما يختلف حكمها بحسب طريقة تعامل الإنسان معها. فهي قد تكون “دار صدق وعافية وغنى وموعظة”، كما وصفها أمير المؤمنين علي عليه السلام، وقد تكون في الوقت نفسه “دار غرور ولهو وزينة” إذا استحوذت على قلب الإنسان وأبعدته عن هدف وجوده الحقيقي.
ولهذا استشهدت المحاضرة بكلام الإمام علي عليه السلام عندما سمع رجلاً يذم الدنيا وهو مغرور بها، فقال له: “أهي غرّتك أم غررتها؟”، ثم وصف الدنيا بأنها: “دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها، مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة وربحوا فيها الجنة”. وهذا النص يبين أن الدنيا تصبح محمودة حين تُتخذ طريقاً للتزود والعمل الصالح والتكامل الروحي.
ثم تطرح المحاضرة السؤال الأساس: إذا كانت الدنيا بهذه القيمة، فلماذا ورد ذمها في القرآن والروايات؟ وتجيب بأن الذم لا يتوجه إلى “الدنيا كخلق إلهي”، وإنما إلى “حب الدنيا” والاستغراق فيها حتى تصبح غاية بحد ذاتها. فهناك فرق بين من “يملك الدنيا” وبين من “تملكه الدنيا”.
فالإنسان الذي يتعامل مع المال والنعم باعتبارها وسائل للخير والعدل والعبادة، يبقى حراً متوازناً، أما الذي تستحوذ الدنيا على قلبه فيعيش أسيراً للشهوة والطمع والسلطة واللذة، فإنه يفقد بصيرته الإنسانية، ويغرق في الجشع والأنانية حتى يصبح ـ بحسب تعبير أمير المؤمنين عليه السلام ـ كـ “البهيمة المربوطة همها علفها”.
وتؤكد المحاضرة أن الإنسان الذي تستولي عليه الدنيا لا يشبع مهما امتلك، بل يزداد عطشاً كلما ازداد مالاً وسلطة، مستشهدة بالحديث القدسي: “لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً”. فحب الدنيا إذا تحول إلى حالة استحواذ نفسي، يعمي القلب عن الحقائق الكبرى، ويجعل الإنسان لا يرى إلا مصالحه وشهواته.
ومن أعمق النصوص التي تناولتها المحاضرة قول أمير المؤمنين عليه السلام: “ومن أبصر بها بصرته، ومن أبصر إليها أعمته”. أي إن من اتخذ الدنيا وسيلة للتفكر والعبور إلى الآخرة أبصر الحقائق، أما من جعلها غاية نهائية فقد أعمته عن رؤية ما وراءها.
كما تبيّن المحاضرة أن الغاية الحقيقية من وجود الإنسان ليست التمتع المادي المجرد، وإنما بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة بمعرفة الله وعبادته والتحرر من عبودية الشهوات. ولهذا فإن الدنيا تمثل “مرحلة إعداد وتربية” تؤهل الإنسان لدخول دار الرحمة الإلهية.
وتختتم المحاضرة بالتأكيد على أن الإسلام يريد من الإنسان أن يعيش التوازن: يستفيد من نعم الدنيا ضمن الضوابط الشرعية والأخلاقية، من دون أن تتحول الدنيا إلى معبود أو مركز للحياة. فالدنيا المحمودة هي دنيا المعرفة والعبادة والتزود، أما الدنيا المذمومة فهي دنيا الاستغراق في الشهوات والغفلة عن الله والآخرة.


