تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في يوم 19/ربيع الثاني/1448هـ الحديث عن الكمالات النفسية في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: «اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك»، فبعد بيان معنى الاطمئنان بالقدر ولوازمه، تنتقل إلى الرضا بالقضاء الإلهي بوصفه مرتبة أخرى من مراتب تكامل النفس المؤمنة.
وتبين المحاضرة أن الرضا بالقضاء ليس أمراً ثانوياً، بل هو من أركان الإيمان وصفات المؤمن الأساسية. وقد ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام أن الصبر والرضا عن الله رأس طاعته، وأن من صبر ورضي فيما قضاه الله عليه، فيما أحب أو كره، لم يقض الله له إلا ما هو خير له. فالرضا يشمل حالات السعة والشدة، والسرور والحزن، والراحة والابتلاء.
ومعنى الرضا أن يستقبل العبد أمر الله وقضاءه بصدر منشرح ونفس مطمئنة، من غير اعتراض أو جزع، بل بصبر وطاعة وتسليم. وهناك فرق بين رضا العبد عن الله ورضا الله عن العبد؛ فرضا العبد أن يقبل حكم الله وأمره، أما رضا الله عنه فيكون حين يراه ممتثلاً لأوامره منتهياً عن نواهيه، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.
وتوضح المحاضرة أن الرضا مقام رفيع من مقامات العارفين، ولا يتحقق على حقيقته إلا بمعرفة الله معرفة يقينية، كما أنه ثمرة من ثمار محبته؛ فكلما ازدادت معرفة الإنسان بالله ومحبته له، ازداد تسليمه لاختياره وحكمه. والرضا بهذا المعنى هو تسليم إرادي واعٍ، وليس إلغاءً لاختيار الإنسان.
وتضرب المحاضرة مثالاً بارزاً لذلك بموقف نبي الله إسماعيل عليه السلام عندما أخبره إبراهيم عليه السلام بأمر الذبح، فأجاب فوراً: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. فهذا الموقف يجسد قبول الأمر الإلهي في أشد الحالات صعوبة من غير اعتراض، وهو من أوضح مصاديق التسليم والرضا.
ثم تبحث المحاضرة مفهوم القضاء، فتوضح أنه واسع الدلالة في الاستعمال القرآني، ويأتي بمعاني متعددة، منها: العلم، والإعلام، والحكم، والحتم، والأمر، والخلق، والفعل، والإتمام والفراغ. ومن شواهده قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، حيث يأتي القضاء بمعنى الأمر والحكم.
وتخلص المحاضرة إلى أن الرضا بالقضاء يعني الخضوع لحكم الله والالتزام به، سواء وافق رغبة الإنسان أم خالفها، مع اليقين بأن ما شاءه الله وقدره وقضاه وأمضاه يجري وفق علمه وحكمته.
وتؤكد كذلك أن المؤمن يوقن بأن القضاء الإلهي ينتهي إلى خيره وصلاحه، وإن لم يدرك وجه الخير في حينه؛ فالابتلاء قد يكون خيراً له، والعافية خيراً، والمنع خيراً بحسب ما يعلمه الله من صلاح عبده. ولهذا يقابل المؤمن البلاء بالصبر، والنعمة بالشكر، والقضاء بالرضا.
وتنتهي المحاضرة إلى أن معرفة معنى الرضا والقضاء تمهد للسؤال التالي: كيف يحصل الإنسان على مقام الرضا بالقضاء والقدر، وما الشروط النفسية والإيمانية اللازمة لبلوغه؟ وهو الموضوع الذي تمهد المحاضرة لمعالجته لاحقاً.


