تستكمل محاضرة الشيخ جميل الربيعي التي ألقاها في يوم الجمعة 27 ربيع الثاني 1448هـ الحديث عن الكمالات النفسية والروحية في ضوء دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام: «اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك، راضية بقضائك»، فتستعيد ما تقدم من بيان معنى القضاء الإلهي، وأن الرضا به يتمثل في الخضوع لحكم الله والالتزام بأمره، سواء وافق رغبات الإنسان أم خالفها، مع الاعتقاد بأن ما يشاؤه الله ويقدره ويقضيه يجري وفق علمه وحكمته.
وتؤكد المحاضرة أن الرضا بالقضاء لا يتحقق بمجرد الادعاء، وإنما يحتاج إلى مقومات نفسية وإيمانية وعملية، تجمعها ثلاثة عناصر أساسية هي: الإيمان والعلم والعمل. ومن هذه المقدمة تنتقل إلى بيان الشروط اللازمة لبلوغ مقام الرضا.
الشرط الأول: معرفة الله تعالى. وتوضح المحاضرة أن هذه المعرفة لا تقتصر على الإقرار بوجود الله، بل تشمل معرفة أسمائه وصفاته وأحكامه وسننه في الكون والحياة والإنسان، واليقين بأنه الخالق والمدبر والمراقب والمحيي والمميت والمحاسب، وأن الإنسان لا يستطيع الخروج عن قضائه وقدره.
وتقوم هذه المعرفة أيضاً على الاعتقاد بعدل الله وحكمته ورحمته، وأن أفعاله لا تصدر عبثاً، وإنما تجري وفق الحكمة والمصلحة. وكلما ازداد الإنسان معرفة بهذه الصفات ازداد اطمئنانه إلى تدبير الله، ورضاه بما يجري عليه في السراء والضراء.
وتستشهد المحاضرة بما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أعلم الناس بالله أرضاهم بقضائه»، وبما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام في أن العارف بالله أحق الناس بالتسليم لقضائه. وتستخلص من ذلك أن الرضا تابع للمعرفة، وأن تفاوت الناس في درجات الرضا يرجع إلى تفاوتهم في عمق معرفتهم بالله.
ثم تؤكد أن معرفة الله هي الأساس الذي تقوم عليه المعارف الإسلامية الأخرى، من عقائد وأحكام وأخلاق، وأن قوة الشخصية الإيمانية لا تقاس بالقوة البدنية، بل بعمق الوعي والمعرفة.
وفي هذا السياق تدعو المحاضرة إلى محاسبة النفس ومراجعة الأفكار والتصورات والميول والأهداف والمواقف، حتى يستطيع الإنسان معرفة حقيقة إيمانه ودرجة تقدمه الروحي. وتستشهد برواية قوم أخبروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم مؤمنون، فسألهم عن علامات إيمانهم، فذكروا الصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بالقضاء؛ فكانت هذه الصفات دليلاً عملياً على صدق إيمانهم.
الشرط الثاني: محبة الله تعالى. وتوضح المحاضرة أن المحبة الإلهية ليست مجرد عاطفة عابرة، وإنما هي إخلاء القلب من الشواغل التي تصرفه عن الله، وجعل محبته المبدأ الحاكم لميول الإنسان واختياراته.
وترتبط المحبة بالمعرفة ارتباطاً وثيقاً؛ فكلما اتسعت معرفة الإنسان بالله ازدادت محبته وشوقه إليه. وإذا امتلأ القلب بالمحبة الإلهية أصبح أكثر استعداداً لتقبل ما يرد عليه من قضاء الله، لأن الوارد من المحبوب محبوب عند من بلغ مراتب المحبة العالية.
وتصف المحاضرة القلب بأنه حرم الله، ينبغي تطهيره من التعلقات التي تزاحم محبته، حتى يصبح خالصاً له. وعند بلوغ المحبة درجة متقدمة يقدم الإنسان إرادة الله على إرادته، ويتحول التسليم إلى رضا وانشراح نفسي.
وتنتهي المحاضرة إلى أن المعرفة تولد المحبة، والمحبة تعمق الرضا والتسليم، وأن هذين الشرطين يمثلان أساساً للارتقاء في مراتب الاطمئنان بالقضاء الإلهي. وتمهد الحلقة لبحث الشرط الثالث، وهو اليقين بأن كل مقدّر كائن.


