تستكمل المحاضرة بحث الكمالات الروحية والفكرية والأخلاقية في ضوء قول الإمام زين العابدين عليه السلام: «اللهم اجعل نفسي مطمئنة بقدرك»، مركزة على العلاقة بين التقدير الإلهي وحرية الإنسان، ثم تنتقل إلى بيان شروط الوصول إلى الاطمئنان الحقيقي بالقدر.
وتؤكد ابتداءً وجود تلازم بين القدر الإلهي والعمل الإنساني. وتستشهد بما روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام حين سئل: هل ما يصيب الناس يقع بالقدر أم بأعمالهم؟ فشبّه القدر والعمل بالروح والجسد؛ فلا يستقيم أحدهما منفصلاً عن الآخر. ويكشف ذلك عن ترابط التقدير الإلهي مع حركة الإنسان واختياره.
فالإنسان، وإن كان حراً مختاراً، لا يملك استقلالاً مطلقاً عن الله تعالى، كما أنه ليس آلةً مسيّرة لا إرادة لها. لقد وضع الله له المنهج، وبيّن له طريق الخير وطريق الشر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، ومنحه العقل والقدرة على التمييز بين الحق والباطل، والعدل والظلم، والخير والشر، ثم ترك له حرية الاختيار مقرونة بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
ومن هنا يكون امتثال الإنسان للأوامر الإلهية طاعة اختيارية لا حركة آلية قهرية؛ لأن طاعة الخلق لا تزيد في ملك الله، كما أن معصيتهم لا تنقص منه شيئاً، وإنما تعود نتائج الطاعة والمعصية إلى الإنسان نفسه. وهذا هو معنى أن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، فلا جبر يسقط المسؤولية ولا استقلال عن الإرادة الإلهية.
وتوضح المحاضرة أن إدراك هذا التوازن يجعل الإنسان يوقن بأن التقدير الإلهي هو التقدير الأكمل والأصلح؛ لأنه صادر عن الله تعالى، ومن ثم يصبح اليقين بالقدر مصدراً للاستقرار النفسي، وعاصماً من الانهيار أمام الواقع أو الجزع عند المصائب.
وتستشهد المحاضرة بجملة من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام التي تربط الإيمان بالقدر بالطمأنينة، ومنها التعجب ممن يؤمن بالقدر ثم يتعب نفسه بالقلق والخوف والحزن على ما لم يقع وفق رغبته. فالعارف بحسن تدبير الله يكون أكثر راحة واستقراراً، لأنه يعلم أن شدة حيلته لا تمنحه ما لم يقدّر له، كما أن ضعفه لا يمنعه مما قدره الله له.
ثم تطرح المحاضرة سؤالاً أساسياً: ما شروط الاطمئنان بالقدر الإلهي؟ وتقرر أن هذه المرتبة لا تتحقق بمجرد الادعاء، وإنما تحتاج إلى مقدمات ومقتضيات نفسية وفكرية.
وأول هذه الشروط الإيمان الصادق بالله والوعي بأحكامه. والمقصود ليس الإيمان السطحي أو القشري، وإنما الإيمان القائم على البرهان الصحيح والفطرة السليمة، بحيث لا يبقى فكرة عقلية مجردة، بل ينتقل من العقل إلى القلب والوجدان.
وهنا تبرز ضرورة التفاعل بين الفكر والعاطفة؛ فالعقل يدرك الحقيقة بالدليل، والقلب يتفاعل معها حباً وانجذاباً وتسليماً. وحين يتحول الإيمان من معلومة ذهنية إلى حقيقة وجدانية، يصبح الإنسان مستعداً لقبول أمر الله والاطمئنان إلى تقديره، سواء وافق ذلك رغبات النفس أم كان ثقيلاً عليها. وبهذا تمهد المحاضرة لاستكمال بقية شروط الاطمئنان بالقدر الإلهي.


